Responsive image

25
سبتمبر

الثلاثاء

26º

25
سبتمبر

الثلاثاء

 خبر عاجل
  • صلاح يحصد جائزة أفضل هدف في العالم
     منذ 10 ساعة
  • الدفاع الروسية: معطياتنا الجديدة تثبت مسؤولية الطيران الصهيوني الكاملة عن إسقاط الطائرة "إيل20"
     منذ 12 ساعة
  • استشهاد فلسطيني واصابة 10 برصاص قوات الاحتلال الصهيونية شمال قطاع غزة
     منذ 14 ساعة
  • البطش للأمم المتحدة: شعبنا الفلسطيني لن يقبل الاحتلال ولن يعترف بشرعيته
     منذ 15 ساعة
  • إصابة فلسطنيين عقب إطلاق الاحتلال النار علي المتظاهرين قرب الحدود الشمالية البحرية
     منذ 15 ساعة
  • مندوب قطر في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: استهداف المتظاهرين في غزة جريمة حرب
     منذ 16 ساعة
 مواقيت الصلاة

القاهرة

الفجر

5:17 صباحاً


الشروق

6:39 صباحاً


الظهر

12:47 مساءاً


العصر

4:14 مساءاً


المغرب

6:54 مساءاً


العشاء

8:24 مساءاً


أسعار العملات

مقابل الجنيه المصرى

دولار أمريكى

0

 تابعنا على يوتيوب
 تويتر

المستطيل القرآني ..معجزة في الجغرافيا السياسية من آدم رضى الله عنه حتى احتلال نابليون لمصر

منذ 36 يوم
عدد القراءات: 2880
المستطيل القرآني ..معجزة في الجغرافيا السياسية من آدم رضى الله عنه حتى احتلال نابليون لمصر

الجزء الأول من كتاب المستطيل القرآني  لمجدي حسين

 

الفصل الأول :
المستطيل القرآني (الشرق الأوسط)


كثيرا ما يركز المفسرون والباحثون الاسلاميون على إعجاز القرآن الكريم في مجال البلاغة والعلوم الطبيعية، وفي حدود علمي لم يتحدث أحد عن الاعجاز القرآني في مجال السياسة والجغرافيا والجغرافيا السياسية والتاريخ والاستراتيجية. وهذه هي مجالات هذه الدراسة ان شاء الله. ولكن الدراسة لا تقتصر على اكتشاف ما هو عجيب ومعجز مما ورد في القرآن الكريم في هذه المجالات، ولكن تهتم الدراسة أساساً بكيفية الاستفادة من الرؤية القرآنية في إدارة شئون حياتنا اليومية من الآن، ووسائل وطرق إقامة الدولة الاسلامية المعاصرة.
وهذه الدراسة تبدأ بجغرافية القرآن الكريم ولكنها تجد نفسها تنتقل إجباريا إلى علم حديث اسمه (الجغرافيا السياسية geopolitics) ثم تجد الدراسة نفسها إجباريا تنتقل إلى التاريخ كعلم وفلسفة ووقائع عالمية وسنن ومن ثم تجد الدراسة نفسها إجباريا تنتقل إلى علم "الاستراتيجية" والاستراتيجية مصطلح غربي يعني في تقديري الخطة الشاملة للصراع الاقليمي والعالمي، الخطة الشاملة للانتصار في هذا الصراع.
الاستراتيجية كانت تعني خطة الصراع العسكري (وفقاً للغة اللاتينية) ولكنها تطورت لتشمل مختلف جوانب الصراع الاقتصادي- السياسي- الثقافي- الحضاري.. وقبل أن يصاب القارئ العزيز بالحيرة لابد أن أدخل في الموضوع مباشرة حتى يتضح ما هو المقصود.
نحن المؤمنين بالله المسلمين نؤمن بأن القرآن الكريم كتاب منزل من عند الله سبحانه وتعالى، وماورد فيه هو كلام الله. ولذلك فإننا نأخذ كل ما ورد فيه باعتبارها أمورا ملزمة. وهذا أمر سهل عندما يتعلق الأمر بالقوانين والشرائع كالمواريث والحدود فهي مكتوبة بشكل قطعي لا تحتمل التأويل إلا في تفاصيل التنفيذ.
ولكن هناك أمور تحتاج إلى تحليل مركب وفقا لمنهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، حيث يتم جمع كل الآيات المتعلقة بموضوع معين والقيام بعملية تفسيرها، وتركيبها، مثل ملامح وقواعد النظام السياسي في الاسلام، أو ملامح وقواعد النظام الاقتصادي في الاسلام...الخ.
ولكن موضوعنا أكثر تركيباً من ذلك حيث لا يصرح القرآن الكريم بالنتائج التي وصلنا إليها، رغم أنها نتائج حتمية لا يختلف حولها عاقلان من المؤمنين طبعا بقدسية هذا الكتاب.
هذا الكتاب منزل من عند الله، نأخذ كل ما ورد فيه، ولكن يجب أن نفكر مليا في الأمور والوقائع التي استبعدها القرآن أي استبعدها الله عز وجل، أي القصد الالهي في هذا الاستبعاد.
موضوعنا هو الجغرافية القرآنية، أي كل ما ورد في القرآن من أسماء ومواقع وبلاد ومدن ومساجد. وتقوم عملية الحصر الجغرافي على ما ورد صراحة في القرآن الكريم وليس من خلال التفاسير. لأن القرآن يرسل إلينا رسائل شتى، ونحن نريد أن نقف أمام هذه الرسالة الجغرافية. أي عبقرية المكان ودور شعوب معينة في تاريخ العالم.
والأمانة العلمية تقتضي أن نشير إلى أن د.عبد العزيز كامل وزير الأوقاف في عهد جمال عبد الناصر (وقد كان منتميا للاخوان المسلمين من قبل) صاحب الدراسة الوحيدة في هذا المجال، وان كانت دراسة مختصرة وشملت المرحلة الأولى مما قمنا به من بعد في مراحل تالية. وهي مرحلة الرصد والحصر الجغرافي. ولكن هذه الدراسة التي بين يديك تحاول أن تبني نظرية متكاملة من هذا الرصد الجغرافي

.
جغرافية القرآن الكريم:
سنجد الأسماء (أسماء الأماكن) التي ذكرت في القرآن الكريم محصورة جغرافياً فيما نسميه الجانب الآسيوي من الوطن العربي+ مصر وهو أمر لا جدال فيه ولا يمكن الاختلاف حوله. وهو ما يمكن أن نسميه المستطيل القرآني أو ما يسميه العالم الآن خاصة العالم الغربي (الشرق الأوسط).
سنرى أن كل مسرح الأحداث القرآني، كل قصص الأنبياء وغير الأنبياء، كل الأماكن، داخل هذه الخريطة القرآنية. ثم سنكشف ان هذا المسرح (أو الخريطة) هو هو..أو هي هي..منذ فجر التاريخ وحتى الآن 2017 لا تزال هي مسرح الحداث الأساسية في العالم أو محور الصراع العالمي، وتسمى (الشرق الأوسط). بينما القرآن الكريم لم يسم هذه المنطقة باسم معين ولكنه كان ملتزما بحدودها.
والقرآن ليس كتاب تاريخ، انه كتاب هداية، ولكن عندما يستأثر بمساحة محدودة من الكرة الأرضية ويستبعد معظمها فان الأمر لابد وان يحتاج إلى وقفة تأمل. ورغم أن القرآن أكد في أكثر من موضع ان كل أمة أرسل اليها رسول (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) إلا أن كل الرسل والأنبياء المذكورين بالاسم وبالوقائع هم على وجه الحصر في هذا المستطيل. والقرآن الكريم أبعد ما يكون عن العنصرية والأدلة على ذلك كثيرة فأمة الاسلام تفضل الأمم الأخرى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس للانتماء إلى أي عرق (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
نحن هنا أمام إشارة إلى المكان، وان قيادة العالم الاسلامي ستكون لهذا المكان لأسباب عدة (سنوضحها)، وان العرب لهم محل القيادة في الاسلام ولكن العربية- كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم- اللسان. ولذلك قاد أمة الاسلام من الفرس ووسط آسيا فقهاء وأئمة الحديث: النيسابوري- البخاري- الترمزي- الرازي- الطبري- الغزالي- الخرساني- الشهرستاني- الكيلاني- الاسترابادي- الخوارزمي- الجرجاني – الأصفهاني.
نحن هنا أمام اشارة صريحة في أن هذا المستطيل القرآني (الشرق الأوسط) هو مركز قيادة العالم ولكن عندما تكون هذه القيادة اسلامية فهي لابد أن تكون عربية اللسان. وهذا أيضا ما أكده القرآن مرارا. (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا..).
نحن هنا نتحدث عن أهمية الدور لهذا الوضع أو عبقرية المكان بلغة عصرنا حسب تعبير د.جمال حمدان وإن كان يقصد به مصر وحدها.
لذلك لم يكن من قبيل السهو (حاشا لله) عدم ذكر اسم أي نبي من بلد آسيوي خارج الوطن العربي أو بلد أفريقي سوى مصر، وعدم ذكر اسم أي نبي أوروبي أو أمريكي لاتيني أو شمالي!!
وسنقول أسباب ذلك- وفقا لما نتصور والذي نرجو أن يكون صحيحا. ولكن الوقائع لا خلاف عليها.. وسنواصل تصورنا لهذه الحكمة الالهية، ولكن لابد أن ننهي عرض الوقائع التي يعرفها قارئ القرآن ولكنه غالبا لم يفكر فيها.. ولماذا جاءت هكذا؟
رصد الأماكن:
(1) أماكن ومدن في الجزيرة العربية 59 مرة..(تقريبا) {مكة- المدينة- البيت الحرام- عرفات- المشعر الحرام-الصفا والمروة- بدر- حنين...الخ}
(2) مصر مع وضع سيناء بها 14 مرة
(3) الشام 13 مرة
(4) اليمن (سبأ) مرتان
(5) العراق
يقول د. عبد العزيز كامل في دراسته:
ان 1200 كيلومتر تفصل بين القاهرة ومكة
وأن 1200 كيلومتر تفصل بين بغداد ومكة
وان 1200 كيلومتر تفصل بين صنعاء ومكة
أي أن مكة واسطة العقد في هذا المستطيل.
ذكر القرآن اسم 25 نبياً وأكد ان هناك أنبياء آخرين لم يذكرهم وسنجد الرسالات الأساسية في هذا المستطيل القرآني.. الذي يشمل بخريطة الآن: المشرق العربي (سوريا- العراق- فلسطين- لبنان- الأردن- الجزيرة العربية- اليمن)+ مصر
ونبدأ بالرسل الذين حملوا رسالات مكتوبة..
(1) موسى- التوراة- وكانت حركته بين مصر وبادية الشام وسيناء ووفقاً لنص القرآن فان موسى لم يدخل فلسطين ولكن كان على أطرافها.
(2) المسيح عيسى بن مريم: ولد في فلسطين وحركته في الشام، ودخوله مصر طفلاً غير وارد في القصة القرآنية. وهذا لا يؤثر على أن حركته ظلت في المستطيل القرآني إن كانت الرواية المسيحية صحيحة. وأنزل معه الانجيل.
(3) سيدنا ابراهيم ورحلته من العراق (وإن لم تذكر صراحة في القرآن) ثم إلى الشام (الشام تشمل الأردن وسوريا وفلسطين ولبنان) وحركته كانت أساساً في الأردن وفلسطين ثم الجزيرة العربية. والقرآن لم يشر إلى زيارته لمصر. وابراهيم أنزلت معه صحف (صحف ابراهيم وموسى)
(4) سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولد وعاش في جزيرة العرب وزار الشام مرتين. (والنبي الخامس هو داود وسيأتي ذكره)
(5) لوط ( ونجيناه- أي ابراهيم- ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) وهو وصف للشام ولوط غالبا كان في الضفة الغربية لنهر الأردن. ولاحظوا أن الملائكة زاروا ابراهيم أولا وهم في طريقهم لتدمير قوم لوط (كان المكان مجاورا).
(6) هارون كان مع سيدنا موسى أي بين مصر وبادية الشام وسيناء.
(7) هود وقومه عاد أقوى بطون الشعوب السامية ويشكلون الطبقة الأولى من طبقات العرب البائدة أما منازلهم فكانت بوادي الأحقاف والرأي الغالب أنها هي ما يسمى الآن الربع الخالي في جنوب شرقي الجزيرة العربية. واتفق الثقات من أعلام المسلمين على أن الأحقاف بأرض اليمن الحالية أي في واد بين عُمان وأرض مهرة. أو (عن ابن عباس وعن ابن خلدون) بين عمان وحضر موت.
(8) ثمود أهل صالح وهم يشكلون الطبقة الأولى من طبقات العرب البائدة مثل عاد، وقد ورد ذكرهم في نقوش الملك سرجون الآشوري سنة 715 ق.م ضمن الشعوب التي أخضعها هذا الملك في شمال الجزيرة العربية. أما مساكنهم فإنها كانت بالحجر المعروفة بمدائن صالح في وادي القرى. أي بين الشام والحجاز بجوار ساحل البحر الأحمر، وبيوتهم منحوتة في الجبال.(هم أيضا أصحاب الحجر).
(9) اسحاق ابن ابراهيم- ولد في الشام (ووهبنا له اسحق ويعقوب).
(10) يعقوب ابن اسحاق: في بادية الشام (جاء بكم من البدو- سورة يوسف)
(11) يوسف ابن يعقوب- بين بادية الشام ومصر
(12)   شعيب في أهل مدين- بادية الشام.
(13) داود هو النبي الخامس الذي ذكر القرآن انه نزل معه كتاب (وآتينا داود زابورا)- ونجد قصته تبدأ في نهاية قصة طالوت وجالوت على حدود فلسطين بعد أن قتل جالوت (وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء). والمفترض انه أقام دولته في فلسطين.(14) ويؤكد ذلك أن ابنه سليمان النبي ورث منه حكم فلسطين (الشام) ووصفها القرآن بأنها الأراضي التي باركنا حولها أو فيها. ويقول قائل كيف تأكدت أن هذه الصفة للشام أو فلسطين (مركز الشام)، طبعا المفسرون أجمعوا على ذلك ولكن القرآن الذي نعتمده وحده كمرجع قال في مفتتح سورة الاسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ). وبالفعل فان فلسطين توصف بأنها عش الأنبياء. ثم (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) الأنبياء 81.
(15) اسماعيل عليه أفضل السلام تربى حول المسجد الحرام وعاش في جزيرة العرب (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) ابراهيم 37.
(16) زكريا كان في فلسطين ويؤكد ذلك ما جاء في سورة مريم وهو يدعو الله كي يهبه غلاما زكيا (يرثني ويرث آل يعقوب) ومعروف أن يعقوب كان في بادية الشام.
وحسب النص القرآني فإن أم مريم عندما نذرت ما في بطنها لله ثم جاءت أنثى (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران 37) إذن زكريا في قلب قصة مريم والمسيح على أرض فلسطين بل وكان كفيلها بنص القرآن.
(17) يحيى: ثم استجاب الله لدعاء زكريا فكان ابنه يحيى نبياً في فلسطين أيضا (أي في المستطيل القرآني(
(18) ادريس: لا يوجد مكان واضح لادريس، ولكن  كثيرا من الروايات في التفاسير تربطه بمصر. ولكننا في هذه الدراسة نقيمها على نصوص القرآن حتى لا يصبح الأمر محلاً لأي جدل، وحتى ندرك الرسالة الربانية المباشرة من هذا التحديد الجغرافي. هنا نجد القرآن ربط ادريس بذرية اسرائيل (أي يعقوب(
)وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا

 الفصل الثانى
 الكعبة أول بيت في التاريخ لعبادة الله
 آثار سيدنا نوح في الجزيرة العربية

أثبتنا في الحلقة الأولى ( المستطيل القرآني (الشرق الأوسط)- حلقة (1)) أن 18 نبياً من 25 نبياً المذكورين بالاسم في القرآن الكريم ترتبط حياتهم وأحداثها مباشرة بالمستطيل القرآني المسمى حاليا (الشرق الأوسط) وهو يعني القسم الآسيوي من الوطن العربي + مصر (انظر الخريطة).

ولكن الرؤية الشاملة لبعض الآيات تثبت أن السبعة الآخرين مرتبطين أيضا بنفس المكان، وهذا من خلال التفسير البسيط المتفق عليه.

وهذا الانتقاء القرآني ليس بلا مغزى كما سنبرهن خلال هذه الدراسة، بل وكما أثبتت أحداث التاريخ فهذا المكان هو محور الصراع في العالم منذ أيام المصريين القدماء حتى الصراع بين الاتحاد السوفيتي (روسيا الآن) والولايات المتحدة. ونحن لا نزال في مرحلة صياغة ورسم حدود هذه الخريطة.. وقد بدأنا بالأنبياء لأنهم أهم موضوع في القصص القرآني. ولكن القرآن يسجل أحداثاً تاريخية أخرى داخل نفس المستطيل (الشرق الأوسط) ولا يتحدث ولا لمرة واحدة عن أي مكان آخر في العالم إلا على نحو غامض وغير محدد (كما هو في حالة قصة ذي القرنين وسنأتي إليها).

إذن وقبل أن ننتهي من موضوع تحديد الأنبياء ومكانهم سنكتشف أن تقسيمهم إلى 18 ذكر مكان وجودهم بشكل  قاطع و7 آخرين لم يذكر مكانهم بشكل قاطع. وقلنا حتى وإن كان صحيحا، أي مع احتمال أن يكونوا خارج المستطيل فمعنى ذلك ان تحديد هذا المكان غير مهم، ولكن في الواقع فإن الآيات برهنت بشكل لا يحتمل الجدل عن وجود هؤلاء السبعة داخل نفس المنطقة من خلال التعبير القرآني (ذرية بعضها من بعض).

أي من خلال التناسل والتقارب في هذا التناسل وقد تتسع المسافات الزمنية ولكن تبقى وحدة المكان.

 وفي كثير من قصص الأنبياء وجدنا التواجد في الزمن الواحد او المتقارب جدا (زكريا- يحيى- المسيح) (شعيب- موسى- هارون- يوسف) وهؤلاء (الـ 18 نبيا) كما رأينا يحدد القرآن مكانهم بالاسم وبوضوح (مصر- مدين- الأراضي التي باركنا فيها (وهو تعبير قرآني عن فلسطين أو الشام).

وعندما تأتي آيات قرآنية فتربط ذرية الـ 18 بالسبعة الآخرين تكون القضية منتهية من حيث التوارث وبالتالي من حيث الزمان والمكان.

وهذا يكفي كي ننتقل للنقطة التالية، ولكنني أرغب في أن نتدرب على التدبر في آيات الله لنعرف اننا سنكتشف كنوزا في مجالات العلم كافة. إذا نفذنا أمر الله في التدبر (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

********
ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى قد أكد في أكثر من موضع في القرآن الكريم أنه أرسل رسلاً لكل الأمم..

(ولكل أمة رسول) يونس 47- ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) النحل 35- (وإن من امة إلا خلا فيها نذير).

وأكد القرآن الكريم انه لم يذكر إلا أسماء عدد من هؤلاء الأنبياء حتى لا يتصور أحد أن الـ (25) نبيا المذكورين هم كلهم على وجه الحصر هم الأنبياء المرسلون، وهذا يتعارض بطبيعة الحال مع عدد الأمم، فقال سبحانه وتعالى:

(وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) النساء 164. ونحن في هذه الدراسة نبحث في الحكمة وراء ذلك خاصة عندما نجد أن الأنبياء والرسل المذكورين محصورين في في هذا المستطيل القرآني (الشرق الأوسط)، وقد تواضع المفسرون عن أن كل الرسل أنبياء، ولكن الأنبياء ليسوا كلهم رسلا، فالرسول يتميز بحمل رسالة مكتوبة (موسى- عيسى- داود- ابراهيم- محمد). وهذا التميز لا يثير خلافا ولا يؤثر على دراستنا هذه.

وقد ذكرنا في الحلقة السابقة اسم 18 نبي ورسول وحددنا مكانهم بنص القرآن فماذا عن الباقي؟ وقد أخذنا غلى عاتقنا أن نكتفي بالقرآن الكريم لعدة أسباب:

(1) فهي دراسة قرآنية.

(2) القرآن متواتر بشدة ولا خلاف حول أي آية من آياته بعكس الأحاديث التي قد ينشأ حول بعضها أبحاث حول ضعف أسانيدها أو متنها.

(3) وبالتالي تصبح النظرية التي ندعو إليها محكمة تماما بنسبة 100%. ومع ذلك فإننا سنلجأ إلى الأحاديث النبوية والتي تؤكد فكرة المستطيل القرآني كمكان مقدس (أو به الأماكن المقدسة) ومحور للصراع العالمي. فما من فكرة أساسية في القرآن الكريم إلا وتجد لها شرحاً في الأحاديث. كما لا يمكن أن تجد في الأحاديث الصحيحة ما يعارضها.

مكة- آدم- نوح- ابراهيم

من روائع القرآن الكريم في مواضع سكتاته وليس في مواقع إفصاحه فحسب، وان المفسرين العظماء هم الذين توقفوا عند ما يجب التوقف عنده، ولم يسعوا إلى التفتيش في أمور هي بالأصل من شون الغيب، ولقد لجأ المخطئون إلى روايات التوراة فأفسدوا علينا حلاوة ديننا وقرآننا. أقصد بالمخطئين الذين تصوروا أن عليهم أن يقتحموا هذه المساحة من الغيب مع ان الله كان صريحاً في الاشارة إلى الموضوع والتوقف عند نقطة معينة، ولا يمكن ايجاد تفسير لذلك ولا يوجد حديث صحيح.

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ..) آل عمران 96-97 (وُضع) استخدمت بالمجهول أي انه أمر الله، وقد رأى البعض ان الكعبة كانت قد بنيت من قبل وان ابراهيم قام بإعادة بناء القواعد ولكن القرآن الكريم ترك الأمر مفتوحاً، وهو أمر لا يهمنا في مجال العقيدة، فالمهم هو الأمر بالاتجاه إلى الصلاة (القبلة) وأداء مناسك الحج. المهم الايمان بأن المسجد الحرام هو البيت العتيق أي أقدم بيت بني لعبادة الله في الأرض.

وترك هذا الأمر مفتوحا يجعل احتمال أن يكون أن بناءه قبل سيدنا ابراهيم أمر غير مستبعد، ولكن القرآن لم يؤكده.

فالمهم والأساس هو (لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الحج29
والأخذ بهذا التفسير وهو أقرب الى الاطمئنان النفسي بدون دليل مادي واضح، الأخذ بهذا الرأي يشير إلى ان الأنبياء الذين سبقوا ابراهيم لابد انهم كانوا يحومون حول الكعبة ولكن الحكمة الربانية تركت لنا هذه المسألة مفتوحة، (فقد يكون قدم السيدة هاجر قد نبش زمزم الذي كان موجودا من قبل وطمر) والأخذ بهذا التفسير (الرأي) يؤكد أن كل الأنبياء المذكورين في القرآن لابد أن يكونوا في المستطيل القرآني. (راجع تفسير الشعراوي لهذه الآية في مختصر الخواطر ص 180)
في سورة مريم نجد عرضا لسيرة الأنبياء مختصر، وفجأة نجد نسبة مجموعة من الأنبياء إلى آدم (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)

وهنا نجد القرآن الكريم يربط بين ذرية آدم وهؤلاء الأنبياء ويضع ذرية نوح ليؤكد ان الذرية انقطعت إلا من حمل نوح وهذا يؤكد عدة معاني..

ان الطوفان شمل منطقة المستطيل القرآني (الشرق الأوسط) وبالتالي فان تتابع ذرية الأنبياء تم من خلال (من حملنا مع نوح). اذن هل شمل الطوفان العالم كله. يبدو أن الأمر هكذا، أو أن القرآن يركز على محور العالم المؤثر. وان كل الرسل أصحاب الكتابات من هذه المنطقة.
تسلسل الأنبياء تم هكذا في سورة مريم:

زكريا- يحيى- المسيح- ابراهيم- اسماعيل- اسحاق- يعقوب- موسى- هارون- اسماعيل- ادريس ثم بعودة للخلف (آدم- نوح) وهكذا فقد طرح القرآن الأنبياء كحزمة واحدة (ذرية بعضها من بعض) وهو امر لا يمكن أن يتحقق إلا في نفس المكان مع انقطاع الطوفان (وذرية من حملنا مع نوح) وبالتالي لا نحتاج لبذل مجهود خاص لنربط آدم ونوح وأيوب وادريس بالمستطيل القرآني.

وفي سورة الأنبياء نجد داود وسليمان واسماعيل وادريس وذا الكفل معاً ثم ذا النون (يونس) ثم زكريا ثم يحيى ثم المسيح في آيات متوالية تنتهي بـ (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء 93
اذن من بين داود وسليمان واسماعيل وزكريا ويحيى وأماكنهم معروفة (الشام والجزيرة العربية) نجد أيوب وادريس وذا الكفل ويونس وليس من المنطقي أن يكونوا في منطقة أخرى من العالم.

وفي سورة الأنعام نقرأ الآيات:

(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (87))

 وهذه الآيات تربط نسل الأنبياء بعد نوح والطوفان وداود وسليمان وأيوب وإلياس وإليسع، وهكذا وجدنا رابطاً مباشراً لأيوب وإلياس وإليسع بالمستطيل القرآني.

ومع ذلك نرى بعض الملاحظات:

نوح عليه السلام:

يبدو أن تواجد سيدنا نوح غير محدد في القصص القرآني، ولكن بعيدا عن قصة نوح وفي سورة الاسراء نقرأ التالي:

(وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)

إذن جذور ذرية بني اسرائيل من ضمن من "حملنا" مع نوح والمعروف أن قصة بني اسرائيل تدور كلها في المستطيل القرآني (مصر- فلسطين- الشام- الجزيرة العربية). إذن قصة نوح والطوفان ليست بعيدة عن المستطيل. ومع ذلك فهناك بعض اللطائف..

* الأصنام التي عبدها قوم نوح آثارها موجودة في مكانين في جزيرة العرب. جاء في سورة نوح أسماء لهذه الأوثان (وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) 23 نوح فهذه أسماء جبال في منطقة قريبة من صنعاء في اليمن، وقد تكون الأقوام في ذلك الزمان أطلقت هذه الأسماء على الجبال الكبيرة تيمناً وتقديساً لهذه الأسماء، ويقال انها كانت لصالحين تم تقديسهم كما حدث في كثير من الأمم.

 وأيضا أطلقت هذه الأسماء على أوثان في إحدى المناطق القريبة من مكة.

* وقال القرآن (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) هذا ما ذكره القرآن عن سفينة نوح عندما هبطت بعد الطوفان. وفي بعض التفاسير اشارة إلى ان الجودي جبل في شمال الموصل. ولكن أحداً من علماء المسلمين لم يقم بأي دراسة جغرافية عن هذه المعلومة (في حدود علمي).
* كما ذكرت فإن الأجانب يهتمون بهذه الأمور أكثر مننا.

منذ عدة سنوات نشر على الانترنت صورا واضحة لسفينة محطمة ولكن محتفظة بمعظم جسمها فوق جبل آرارات في تركيا وقال العلماء باحتمال أن تكون سفينة نوح وجاء في التقرير ان العلماء يدرسون عمر هذه السفينة لأن اكتشاف عمر الأخشاب مسألة أصبحت محسومة علمياً، ولكن الموضوع اختفى. والمسلمون مختفون دائماً فهم مشغولون بقتل بعضهم البعض أو اعطاء أطنان من الذهب والفضة والهدايا الثمينة لزعماء الصليبيين.

والمفترض أن جبل آرارات التركي ليس بعيداً عن الحدود العراقية، أي انه قريب جدا من المستطيل القرآني ولكن أحداً من المسلمين لا يبحث في هذه الأمور رغم ان القرآن  الكريم حضهم على هذا البحث (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا..)الروم 9

ومع ذلك فكل هذه الأمور نطرحها على سبيل من الاستدلال الاضافي ولا نبني نظريتنا عليها. لم أجد وقتا لدراسة مسألة جبل الجودي (مؤقتا) وهو أمر غير جوهري لهذه الدراسة لأن العراق مذكور في القرآن صراحة بكلمة (بابل) (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)البقرة 102 وهذا يكفي لرسم الخريطة القرآنية. وكما اوضحنا فان بني اسرائيل من ذرية من (حملنا مع نوح) وبنو اسرائيل يعيشون في المستطيل.

يونس عليه السلام:

 هناك رواية ثابتة في السيرة النبوية الشريفة عن لقاء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مع غلام نصراني في الطائف، حين كان يتعرض عليه الصلاة والسلام للاعتداء والملاحقة بأوامر من سادة الطائف، وقد تعاطف الغلام مع سيدنا محمد وقدم له عنقوداً من العنب بعيداً عن أعين المجرمين وخلال الحوار جاء اسم سيدنا يونس على لسان الغلام فقال له محمد صلى الله عليه وسلم.. إني أخي النبي من نينوي أي من منطقة الموصل.

وهذه رواية كافية لتحديد مكان سيدنا يونس ولكنها لم ترد في القرآن ولذا لم نضع اسم يونس بين الـ 18 نبي الوائل، ولكن دون تشكيك في أن مكانه كما ذكررسول الله.

لم تبق اذن سوى بعض الكلمات حول سيدنا أيوب عليه السلام، لننتهي من رسم خريطة القرآن وفق موضع الأنبياء، ولكن لا تزال في الخريطة بقية: أحداث- قصص- وقائع، وسنجدها كلها في المستطيل القرآني. وبعد ذلك ننتقل إلى التحليل الأكثر شمولا.     

 الفصل الثالث
آدم يمني..نوح عراقي..أيوب مصري..إلياس فلسطيني

نحن لم نكمل الخريطة القرآنية بعد.. بدأنا أهم شيئ وهوالأنبياء والرسل وأثبتنا حتى الآن أن كل نبي أو رسول واحد من اثنين إما من المستطيل القرآني أو مكانه غير محدد، واغفال مكانه لا يمكن أن يكوون على سبيل الصدفة، ولا توجد أي صدفة فيي القرآن الكريم . اذن لم يذكر القرآن اسم نبي خارج المستطيل.

مررنا على 17 نبياً من المذكورين بالاسم في القرآن وهم جميعاً على وجه الحصر 25 نبيا، ولم نحتج لأي مجهود كي نشير إلى أم نطاق عمله في دعوته كان ضمن المستطيل القرآني. ونذكر مرة أخرى بأن المستطيل القرآني هو: القسم الآسيوي من خريطة الوطن العربي + مصر. وقد تم تحديد هذه الخريطة الجغرافية القرآنية على أساس معياربسيط واحد.. وهو ذكر القرآن لمكان وقوع الحدثفي مجمل القصص القرآني وفي كل القرآن الكريم، وهما أسماء لأماكن لا تزال معروفة حتى الآن مثل (مصر- سبأ- بدر) ولا يوجد خلاف حولها في أي تفسير. وقد تأكدت- ويمكنك أن تتأكد بنفسك- أن مسرح أحداث القرآن الكريم حيثما ذكرت بالاسم فهي على وجه الحصر داخل هذه الخريطة (القسم الآسيوي للوطن العربي + مصر).

وما نذكره في هذه الدراسة هي عملية حصرية وليس مجرد أمثلة، ولا يزال الحصر لم ينشر كله حتى ننتهي من باقي أنبياء الله وهم العمود الفقري للقصص القرآني.

ذكرنا فيما سبق اسم 17 نبيا من 25 نبياً ورد ذكرهم في القرآنمع تحديد أماكنهم ونقولهم مرة أخرى (ابراهيم- اسحاق- يعقوب- داود- سليمان- يوسف- موسى- هارون- زكريا- يحيى- عيسى- اسماعيل- لوط- هود- شعيب- صالح- محمد)

ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى قد أكد في أكثر من موضع في القرآن الكريم أنه أرسل رسلاً لكل الأمم:
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ) يونس 47- (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا) النحل 35- (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ).

وأكد القرآن الكريم انه لم يذكر إلا أسماء عدد من هؤلاء الأنبياء حتى لا يتصور أحد أن الـ 25 نبيا المذكورين هم كلهم على وجه الحصر وهذا يتعارض بطبيعة الحال مع عدد الأمم- فقال سبحانه وتعالى:

(وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) النساء 164. ونحن في هذه الدراسة نبحث وراء الحكمة وراء ذلك خاصة عندما نجد أن الأنبياء والرسل المذكورين محصورون في هذا المستطيل القرآني (الذي يسميه العالم الشرق الأوسط).

إذن ذكر القرآن 17 نبيا ورسولا مرتبطين بصورة قاطعة في هذه البؤرة الصغيرة من العالم ولم ينسب الثمانية المتبقين صراحة إلى أي بقعة أخرى في العالم. وقد أخذنا على عاتقنا أن نكتفي بالقرآن الكريم لعدة أسباب:

(1) فهي دراسة قرآنية تستهدف محاولة استكناه أسراره وعجائبه التي لا تنفد.

(2) القرآن متواتر بشدة ولا خلاف على أي آية فيه في حين الأحاديث النبوية قد ينشأ حول بعضها أبحاث حول ضعف أسانيدها أو متنها، خاصة والمتواتر منها هو الأقل.

(3) وبالتالي تصبح النظرية التي ندعو إليها محكمة تماماً بنسبة 100% ان شاء الله. ولكننا سنلجأ بطبيعة الحال إلى الأحاديث النبوية التي تؤكد فكرة المستطيل القرآني كمكان مقدس ومحور للصراع العالمي. فما من فكرة أساسية في القرآن إلا وتجد شرحاً في الأحاديث الصحيحة ما يعارضها.

كان قد تبقى لنا 8 أنبياء (إليسع- ذا الكفل- أيوب- ادريس- يونس- نوح- إلياس- آدم أبو الأنبياء وأبو البشر جميعا).

وليس لدينا ما نتحدث عنه بخصوص: (1) اليسع (2) ذ الكفل ولا يوجد لدينا أي معلومات عنهم من القرآن. وبالمناسبة فأنا لا أعتقد ان التوراة مصدراً لأي معلومات موثوقة لكثرة ما جرى فيها من تلاعب باعتراف اليهود أنفسهم.

(3) يونس عليه السلام: هناك رواية ثابتة في السيرة النبوية الشريفة عن لقاء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مع غلام نصراني في الطائف، حين كان يتعرض للاعتداء والملاحقة بأوامر من سادة الطائف. وقد تعاطف الغلام مع رسول الله وقدم له عنقوداً من العنب بعيداً عن أعين المجرمين وخلال الحوار جاء اسم سيدنا يونس عليه السلام على لسان الغلام فقال له محمد صلى الله عليه وسلم..انه أخي النبي من نينوي.. أي من منطقة الموصل.

وهكذا حيثما نقبنا ستأتي المعلومات عن وجود باقي الأنبياء الثمانية في المستطيل القرآني. ولكن القرآن لم يذكر ذلك فلم نضع اسمه في المجموعة الأولى. وان كنا نميل بطبيعة الحال لصحة الرواية.

(4) إلياس: توجد معلومة وحيدة عنه في القرآن قد تفيد في تحديد مكانه فقومه كانوا يعبدون صنما اسمه "بعل" وهذا اسم صنم مشهور في منطقتنا، فقد كان الآشوريين يعبدون بعل مشموش، أي اله الشمس ويصفون له صنما على نحو أبي الهول له رأس انسان وجسم أسد وله أجنحة. وكان الكنعانيون يعبدون البعل وهو على وصف أبي الهول والكنعانيون هم جذور الشعب الفلسطيني ولا يزال تمثال الكنعانيين موجودا حتى اليوم ببعلبك (المنتخب في تفسير القرآن الكريم- المجلس الأعلى للشئون الاسلامية). اذن بعل يتراوح بين العراق والشام أي في المستطيل

(5) إدريس: تشير تفاسير كثيرة إلى أن ادريس عليه السلام كان في مصر. وهذا قد يكون مرجحاً. ولكن آثرت إلى عدم الدخول في مباحث فرعية فيكفي أن القرآن لم يحدد لادريس مكان خارج المستطيل. نحن أمام حالة لا تخطئها العين في التركيز القرآني على هذه البقعة الجغرافية من العالم وأن أهم الأنبياء والرسل كانوا منها وسنحاول تلمس أسباب ذلك ان شاء الله.

(6) أيوب: وأشير أيضا لروايات و أساطير حول سيدنا أيوب تقول انه كان في مصر. ولكن القرآن الكريم لم يشر أبداً إلى أي مؤشر جغرافي.

ولكن هناك مؤشر قرآني غير مباشر بالنسبة لبعض هؤلاء الثمانية ولكننا نؤجل الحديث عنه قليلا لأنه موضوع أكثر خطورة في الاثبات من كل ما ذكرنا!!

نكتفي الان بالمعلومات الأكثر قوة، فرغم انني ألزمت نفسي بما ورد في القرآن إلا انني لا أستطيع أن أكتم بعض الروايات التي تؤكد ما أقول، على سبيل المعلومات المكملة أو في الهامش ولكنها ليست الأساس، فحتى الأساطير ثبت علمياً انها مصدر مهم للمعلومات التاريخية. وتحت بند الأساطير فان سكان العريش معتادون على الخروج لمياه البحر يوم الأربعاء السابق لشم النسيم (أو بعده) من أجل الغطس في مياه البحر للشفاء من الأمراض يمنا بما فعل  سيدنا أيوبفي هذا المكان. وهذا يعني أن سكان العريش يتوارثون (أسطورة) أن أيوب كان يعيش في هذا المكان.

وقد تتعجب عندما تقرأ الآية الكريمة (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)ص 43 فكيف يمكن الشرب من البحر المتوسط المالح. ستجد أن العريش عندما تتعرض لسيول فانها تتحول إلى نهر عذب متدفق لفترة من الزمن يصب في البحر، فبالفعل يمكن في هذه البقعة أن تجد مغتسل بارد في البحر وشراب من النهر الصغير.

مرة أخرى أؤكد انني لا أريد اثبات أن أيوب كان في مصر لتأكيد نظريتي عن المستطيل القرآني، فعدم وجوده في مصر لن يؤثر على هذه النظرية طالما أن القرآن لم يحدد له مكانا آخر خارج المستطيل ونحن أمام حالة قرآنية حصرية (لا يوجد ذكر لأي مكان خارج المستطيل مع الأنبياء أو غيرهم فلماذا؟..سناتي لذلك).

ولكنني أنتهز الفرصة كي أفتح أمام الباحثين الاسلاميين مجالاً للتفكير والبحث في قصة سيدنا أيوب خاصة ولدي اضافة أخرى، لا أرى في القرآن شيئاً على سبيل المصادفة خاصة في المسألة الرقمية البسيطة، وقد توقفت عند تردد اسم مصر 4 مرات في القرآن وأيضا اسم أيوب 4 مرات، وهذا يكفي لاثبات وجوده في مصر ولكنني أميل نفسيا إلى انها اشارة من الله عز وجل إلى ان شعب مصر سيتعرض للكثير من التحديات والمآسي وانه أولى الناس بصبر أيوب!! بل ان عامة المصريين يستخدمون هذا التعبير في حديثهم اليومي (يا صبر أيوب!!).

ما كنا نحتاج لهذا الحديث عن سيدنا أيوب للبرهنة على صحة نظرية المستطيل طالما اسمه لم يرتبط بأي مكان آخر، ولكنها- كما ذكرت- فرصة لتداول بعض المعلومات عنه. كما أن التفاسير تتحدث كثيرا عن وجوده في مصر دون أدلة شرعية قاطعة (أحاديث صحيحة).

وجاء في دراسة لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لشيماء منير أن سيدنا أيوب مر بسيناء (هايوب) عام 1300 ق.م. ولكنني أعتقد ان مصدر هذه المعلومات هو التوراة وأنا لا أفضل الاعتماد ععلى التوراة في وقائع التاريخ، إلا كمصدر أخير وغير حاسم.

ولعل معتقدات أهل العريش أهم من معلومة التوراة. لأن الأساطير الشعبية عادة ما يكون لها أساس.
ومع ذلك سنعود لأيوب مرة أخرى فقد نجد دليلاً قرآنيا على انه من المستطيل. لا تتعجلوا!! ولكن بعد آدم ونوح!

(7) سيدنا آدم عليه السلام:

أكيد ان القرآن الكريم لم يذكر لنا مكان هبوط سيدنا آدم وزوجه إلى الأرض وأكيد انه لا يوجد حديث صحيح حول هذا الأمر.

دعونا نستعرض الأساطير كي نستبعد معظمها. هناك عدة أساطير تقول أن آدم نزل في الجزيرة العربية. والأسطورة الشائعة لدى شعب اليمن أن آدم هبط في اليمن فهو يمني!! ومن المهم أن نشير إلى اسطورة تنسب إلى الحسن البصري ولا أساس لها ولا سند كما قال ابن كثير وغيره من العلماء ان (آدم عليه السلام هبط في الهند وحواء بجدة وابليس بدست بيسان والحية بأصفهان). ونحن نذكرها لاستبعادها ولتأكيد أن الدعاة الذين يحبون نشر هذه الحواديت لعلمهم أن العامة تحب الحواديت يرتكبون اثما فظيعا (مثل عمرو خالد) ولكننا نشير إلى أن "آدم هبط أو ذهب إلى الجزيرة العربية" فكرة قامت لدى بعض المفسرين والفقهاء على سبيل الاستنتاج بناء على المعلومة القرآنية التالية:

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)آل عمران 96
هذه الآية تشير بصورة تبعث الرهبة إلى قدم الكعبة كبيت لله للجنس الشري وهي جعلت المفسرين يميلون إلى أن الكعبة كانت موجودة قبل سيدنا ابراهيم، وانه ساعة اسكان ابراهيم لذريته كان هناك بيت محرم ولكن يبدو انه تعرض للتهدم فقام سيدنا ابراهيم برفع القواعد بمساعدة اسماعيل (تفسير الشعراوي على سبيل المثال) . وكذلك يفهم أن بئر زمزم كان مطموراً قبل أن تكتشفه ستنا هاجر، وكأن الكعبة تعرضت لزلزال أو ظواهر طبيعية عنيفة مع تراجع المستوى العقائدي للبشر، كمايشير القرآن الكريم في مواضع أخرى على تدهور أحوال ذرية ىدم، مما استدعى ارسال الأنبياء تباعا.

(بالمناسبة بكة هي مكة ولكن في لغات العرب يتم احيانا استبدال الميم بالباء والعكس وتوجد حتى الآن في بعض أنحاء الصعيد هذه اللهجة).

والتفسير المرجح لدى الأغلبية الكبيرة من المفسرين ان سيدنا ابراهيم أعاد بناء الكعبة، أي انها كانت موجودة من قبل في نفس المكان، لابد أن يدفع الذهن لتصور أن الأنبياء الذين سبقوا ابراهيم لابد أنهم كانوا يحومون حول الكعبة. ولكن الحكمة الربانية تركت لنا هذه المسألة مفتوحة. ولكن الأخذ بهذا التفسير المرجح يقدم دليلاً جديداً على أن المستطيل القرآني كان منذ الأزل محور حركة الأنبياء والبشر.

وسنعود إلى مسألة الكعبة مرة أخرى عند الحديث عن مغزى اختيار الله لهذا المحور الجغرافي، فوجود الكعبة في هذا المكان اختيار باني وهي ستظل محور عقيدة المؤمنين، فهم يدورون حولها في كل مكان في العالم وهم يصلون، وقلوبهم معلقة بها، وحج البيت الحرام من أركان العقيدة الاسلامية. وسيظل موسم الحج أهم مؤتمر اسلامي.

إذن وجود الكعبة هنا أشبه بمحور الساعة حيث تدور مؤشرات الساعة حولها. ما هي الحكمة الربانية في اختيار هذا المكان القفر،وهو لم يكن قفراً عبر التاريخ. لكن ما يهمنا الآن أن ندرك أهمية وجود الكعبة ثم المسجد النبوي في قلب المستطيل القرآني وسنعود إلى هذه النقطة عندما نصل إلى محاولة الاقتراب وفهم الحكمة الربانية في اختيار هذا المكان ليكون محوراً لحياة البشر جميعا.

إذن لا يتصل بهذه الدراسة بحث المكان الذي هبط فيه آدم، وكل ما حجب الله من غيب الماضي يستحيل أن نعرفه. ولكن كان من الواجب عرض ما تقدم في إطار ما ورد في القرآن من قصة سيدنا ابراهيم وإعادة بناء الكعبة.

(8) سيدنا نوح عليه السلام:

ونصل أخيرا إلى سيدنا نوح عليه السلام، ولم نضعه في القائمة الأولي من الأنبياء لأنه لا يرد في القرآن أي ذكر واضح ومباشر لمكان نوح داخل أو خارج المستطيل. ولكن هناك دلائل مادية وأضا قرآنية على وجوده في منطقة المستطيل القرآني.
(1) الأصنام التي عبدها قوم نوح نجد آثارها في منطقتين بالجزيرة العربية. فقد جاء في سورة نوح أسماء هذه الأوثان (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) فهذه أسماء جبال في منطقة قريبة من صنعاء في اليمن. وقد مررت بها ورأيتها أثناء احدى زياراتي لليمن) وقد تكون الأقوام في ذلك الزمان أطلقت هذه الأسماء على الجبال الكبيرة كتقديس لها (أي للأسماء) لأنها كانت أسماء لرجالصالحين تحول الناس إلى عبادتهم كما هي عادة الوثنية في مختلف أنحاء العالم. وأيضا أطلقت هذه الأسماء على أوثان في منطقة أخرى بالجزيرة العربية.
(2) "واستوى على الجدودى"..

هذا ما ذكره القرآن عن سفينة نوح عندما هبطت بعد الطوفان. وفي التفاسير اشارة إلى أن الجودى جبل في شمال الموصل، وقال البعض في الكوفة. وهذا أمر محزن حقاً. فهذه معلومة يمكن التثبت منها بسهولة عن طريق بعض علماء المسلمين في مجال الجغرافية الذين يمكن أن يزوروا هذه الأماكن بأنفسهم ويبحثوا في خرائط المسلمين القديمة وكانت دقيقة، بالاضافة لمعلومات البشر الذين يعيشون في هذه الأماكن. وقد حثنا الله على ذلك (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) العنكبوت 20 وهذا أبعد من طوفان سيدنا نوح. ولكننا تركنا هذه المهام لعلماء الغرب الملحدين أو النصارى، ولذلك فنحن نعلم تاريخنا عبر ما يكتبونه هم عنا!!

بالنسبة لي كان يمكن أن أقوم بدراسة مكتبية حول جبل الجودى ولكنني لا أريد أن أخرج عن جوهر دراستي التي لم أصل لكم إليها بعد. ولست في حاجة لمعلومة الجودى كي أدخل العراق في المستطيل القرآني، فهو موجود فييه بالفعل من خلال (بابل). ويكفيني أن نوحاً وغيره من الأنبياء لم يذكر لهم مكان خارج المستطيل. طبعا أنا لاأحاول لي عنق الحقائق فالقرآن قاطع وواضح في هذا الأمر. فكل أحداثه تدور في المستطيل وحده، ولهذا مغزى كبير سنشرحه بالتفصيل، وهو أمر لم يلتفت إليه أحد لأن الناس يتصورون أن القرآن لا علاقة له بالجغرافيا. ولكن ألم تثبت علاقته بالفلك وباقي العلوم حيث تم اكتشاف الاشارات القرآنية الدقيقة لحقائق الكون دون تفاصيل بطبيعة الحال.

ومع ذلك فما يزال عندنا في الجعبة بعض الحقائق والدلائل في قصة سيدنا نوح وهي تهمنا للغاية في البرهنة على نظرية المستطيل القرآني، والتي تعني: أن القرآن يقول لنا أن أهم الأنبياء والرسل والرسالات كاانت تنزل في هذه البقعة المتوسطة من العالم، وانها ستظل محور التدافع البشري، وعلى المؤمنين أن يدركوا أهمية تطهيرها من الأعداء وإلا فإن أعداء الله سيستعبدونهم من خلال السيطرة على هذه البقعة الاستراتيجية التي سماها الغرب (الشرق الأوسط)، وكما ترون فإن العالم منذ مصر القديمة وحتى الآن لا ينشغل إلا بهذه المنطقة في المحل الأول.      (ونكمل مع سيدنا نوح)
 
في هذه المساحة وحدها جرت كل أحداث القرآن الكريم.
حسب البلاد حاليا :

مصر- سوريا- لبنان- فلسطين- الأردن- العراق- كل الجزيرة العربية التي تضم السعودية و5 إمارات خليجية واليمن.

هو مستطيل مائل حتى يضم مصر أو مستطيل وله أذن هي مصر

الفصل الرابع
نوح عاش في المستطيل.. دلائل قرآنية إضافية
   قرية في البقاع باسم النبي شيث ابن آدم    

نستكمل حديثنا عن سيدنا نوح..

هل تم العثور على سفينة نوح؟

منذ عدة سنوات نشر موضوع مصور مثير على الانترنت، عن العثور على سفينة من المحتمل أن تكون سفينة نوح (وأعيد نشر الموضوع على موقع الشعب) وكانت هناك صورة لسفينة كبيرة مصنوعة من الخشب وتم العثور عليها فوق إحدى قمم جبل أرارات التركي وهو قريب من العراق.
وجاء في التقرير ان العلماء يدرسون عمر هذه السفينة وهذا أمر سهل لأن اكتشاف عمر الأخشاب أصبح مسألة مضبوطة علمياً. ولكن الموضوع اختفى بدون أي متابعة، والمسلمون مختفون دائماً، فهم مشغولون بقتل بعضهم البعض أو تقديم فروض الطاعة والولاء لواشنطن.

والمفترض أن جبل أرارات التركي ليس بعيدا عن الحدود العراقية أي انه قريب جدا من المستطيل القرآني. ولكن أحداً من المسلمين لا يبحث في هذه الأمور. وبدون اعطاء أي أهمية قصوى لهذا الخبر، فانني أنتهز الفرصة لتأكيد اننا نحتاج لتخصص أعداد من العلماء في مجال التاريخ والجغرافية والانثروبولوجية (علم السلالات والآثار) وهذه التخصصات موجودة، ولكنها تعمل بشكل روتيني كموظفين في الجامعات أو المدارس. ونترك الأعمال المهمة (كالآثار مثلاً) للأجانب!!.

مفاجأة: بالعودة للتوراة وجدت أن الرواية تقول بهبوط سفينة نوح على جبل أرارات وهذا يعني أن أصحاب قصة السفينة التي عثر عليها في أرارات مجموعة من اليهود يعملون للترويج للتوراة!!.

تفسير أحمد حسين وأصنام قوم نوح:

في تفسير القرآن الكريم لأحمد حسين الصادر عن المجلس الأعلى للشئون الاسلامية عام 1976 ورد في تفسير سورة نوح ما يلي:

(وداً، سواعا, يغوث, يعوق, نسرا- هذه الخمس كلمات هي أسماء الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح ومن عجب أن عبادة هذه الأصنام بقيت آثارها في جزيرة العرب حتى البعثة المحمدية. فكان العرب في الجاهلية يسمون بعض أبنائهم عبد يغوث وعبد ود وقد أثبت المفسرون القدامى ما قاله ابن الكلبى في كتابه عن الأصنام أن (ود) كان صنما على صورة رجل لبني كلب في حومة الجندل و (سواع) على صورة امرأة لهمذان أو هزيل و (يغوث) لمذحج أو غطيف وكان على صورة امرأة و (يعوق) لمراد أو لهمذان وهو على صورة فرس و (نسر) لحمير أو لذي كلاع من حمير وهو على صورة نسر. هذه القبائل في بلاد اليمن)!! (انتهى الاقتباس).

ألم أقل لكم اننى زرت في اليمن جبالاً تحمل هذه الأسماء في ضواحي صنعاء!!
أليس كل هذه دلائل إضافية على أن قصة سيدنا نوح كانت بدورها تدور في المستطيل القرآني؟! ولكننا لم ننتهي بعد!.

*****************
هل الطوفان شمل العالم أم قوم نوح فحسب؟

سنجد في القرآن الكريم اهتماماً محوريا بسيدنا نوح فهو ضمن العُقد (المحطات) الرئيسية التي تفرعت منها النبوة. سنجد العقدة الأولى هي سيدنا آدم فهو أبو البشر وإن كان القرآن لم يذكر لنا أي أنبياء بين آدم ونوح. وفي عدة مواضع في القرآن يتحدث عن نوح كعقدة جديدة أو محطة جديدة لتفرع جيل من الأنبياء.

ثم سيدنا ابراهيم كعقدة ثالثة حيث تفرعت منه النبوة من خلال التناسل المباشر أي من خلال الأبناء..( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) مريم 58.

ونوح دائما يمثل محوراً أو محطة جديدة وكأنه آدم الثاني وهذا يوحي أن الطوفان اكتسح كل سكان الأرض، وبدأ التناسل من جديد من أهل السفينة الناجين كما بدأ النسل بآدم وحواء.

وبعض المفسرين يستخدمون تعبير أن الطوفان اكتسح كل سكان الأرض ولكن القرآن الكريم لم يقل هذا صراحة فلا نستطيع أن نقول به. ولكن يظل تركيز القرآن على قوم نوح وإغراقهم بدون ذكر أي شيئ عن أقوام أخرى ضمن منهج القرآن في التركيز على المستطيل. نقول هذا رغم أن كثيرا من تاريخ الشعوب القديمة يتحدث عن الطوفان وبالأخص البابليين (العراق) والهنود. ولكننا لا نملك أن نقول أن طوفان نوح شمل العالم في لحظة واحدة. وإن كان القرآن تجاهل تماماً (وهذا ليس من قبيل الصدفة ولا صدفة في القرآن) وجود أي عوالم أو أمم أخرى في وقت نوح. وهذا ما يعني على الأقل أن مصير العالم يتحدد في هذه البقعة المتوسطة من العالم التي اختارها الله لتكون هي المحور.
عندما تقرأ القرآن في قصة سيدنا نوح تشعر بأن قصة جيل من البشر قد طويت تماماً وظهرت أجيال أخرى.

ثم وضع القرآن نوح مع ابراهيم مع أسبقيته له (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) الحديد 26.

وهناك آية أخرى بالغة الأهمية بالنسبة لموضوعنا عن سيدنا ابراهيم (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) الأنعام 84 وهذه الآية مفتاح لعديد من الحقائق:
(1) ان من ذرية نوح: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وهكذا بنص القرآن فإن ذرية نوح كلها في المستطيل القرآني (القسم الآسيوي من الوطن العربي + مصر) وهذا مذكور صراحة في آيات أخرى، عدا أيوب، لذا من الطبيعي أن يكون أيوب ضمن هذه الموجة من الأنبياء داخل المستطيل القرآني.

(2) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين. ولاحظ أن هذه المجموعة 3 منهم من فلسطين او الشام: زكريا وابنه يحيى وعيسى. وتذكروا اننا استنتجنا أن إلياس فلسطيني أو شامي لأن الكنعانيين وهم جذور الفلسطينيين كانوا يعبدون بعلاً وقد جاء في القرآن عن الياس يقول (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) الصافات 125.

(3) ثم تأتي الدفعة الأخيرة:

اسماعيل وأليسع ويونس ولوطا- ونحن نعلم أن اسماعيل في جزيرة العرب وأن لوطاً في فلسطين أو الشام ويونس – من حديث نبوي- من العراق (نينوى) فلم يبق سوى (أليسع) فهل من المتصور ان يكون في ايطاليا أو الهند او امريكا. أم في نفس هذا المكان المركزي من العالم، وحتى ان كان خارجه فإن القرآن لم يذكر أي شيئاً عنه أو عن مكانه، وقد قلنا أن معيارنا للخريطة القرآنية هو الأماكن المذكورة صراحة في القرآن.

ولكن بقيت نقطة أخيرة بالنسبة لسيدنا نوح، وهي آية أخرى تؤكد وجوده في المستطيل القرآني..ففي بداية سورة الاسراء (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) الاسراء 2-3.

وننتقل في تفسيرهاتين الآيتين من تفسير المنتخب الصادر عن المجلس الأعلى للشئون الاسلامية- وزارة الأوقاف- وهو تفسير لمجموعة من العلماء. يقول التفسير:

الآية 2: وان بيت المقدس كان يسكنه بنو اسرائيل من بعد موسى حتى أفسدوا فيه فشردوا منه من قبل، مع اننا أعطينا موسى التوراة وجعلنا فيها هداية لهم وقلنا لهم لا تتخذوا غير الله من تفوضون إليه أموركم.

الآية 3: أنتم أيها الاسرائيليون ذرية المخلصين الذين كانوا مع نوح في الفلك بعد ايمانهم ونجيناهم من الغرق، اجعلوا نوحاً قدوتكم كما جعله أسلافكم، فإنه كان عبدا كثير الشكر لله على نعمته. (انتهى الاقتباس).

إذن قبائب بني اسرائيل وكل تاريخها يدور داخل المستطيل القرآني خاصة بلاد الشام، ممن حملهم نوح على السفينة (المقصود طبعا عدداً من أجدادهم).

وبعد كل ما طرأ على بني اسرائيل من انحرافات متجددة فقد أصبحنا نحن المسلمين وهم نتصارع حول السيادة على هذا المستطيل حتى الآن.

والسبب هو رغبتهم في التسلط والهيمنة أما بالنسبة للمسلمين فلم تكن لديهم مشكلة في أي وقت أن يؤدي اليهود شعائرهم والمسيحيون شعائرهم في بيت المقدس وفي فلسطين، ولكن اليهود يريدون لا التسلط على المستطيل وما به من مقدسات فحسب ولكن يريدون السيطرة على العالم بأسره، وسيطرتهم على القدس مجرد رمزا لهذا الانتصار. وهذا أيضا من أسباب اهتمامنا بتحديد هذا المستطيل واكتشاف أهميته، وهذا من أسباب هذه الدراسة ليعرف المسلمون أن منطقة الشرق الأوسط لا يحكمها إلا طرف واحد، وهكذا كانت عبر التاريخ، وعلينا أن نختار بين موقع السادة (وهي بلادنا على أي حال) وموقع العبيد لأمريكا واسرائيل. وسنعود لهذا الموضوع ولسورة الاسراء والافساد في الأرض. ولكننا نتلمس مع القارئ أو نشعره بالتدريج ان اهتمامنا ليس بالجغرافية في حد ذاتها، فنحن نتحدث في موضوع استراتيجي عالمي من الطراز الأول، أراد الله أن يضعنا- نحن في مصر- في هذه المسئولية العظمى، وهذا يفسر معنى الحديث أن المصريين في رباط إلى يوم الدين. في حين يدعوننا البعض للاستسلام حتى يوم الدين وهذا هو وباء اسمه (كامب ديفيد).

وهكذا فكأننا أكدنا أن الـ 25 نبيا المذكورين في القرآن من المستطيل جميعا عدا آدم!!.

قصة طريفة عن سيدنا آدم:

وقبل ان نختم هذا القسم من الدراسة نقول: انني لا أقاتل من أجل اثبات أن آدم هبط في هذا المستطيل القرآني، بل لقد نفيت ذلك لأنه لا يوجد دليل من القرآن والسنة الصحيحة المذكورة. ولكنى لا أستطيع أن أخفي احساسي انه كان قريبا أو كان يحوم قريبا من المستطيل!!.

وكما ذكرت فان هذا لا يؤثر على النظرية التي اقتربت من الاكتمال والتوضيح. المستطيل القرآني، أو ما يسمى الشرق الأوسط باعتباره المكان المحوري الذي تدور حوله الصراعات الاقليمية والعالمية منذ عهد أحمس وتحتمس وحتى عهد أمريكا وروسيا الاتحادية حاليا.

ولكن من واجبي أن أضع أمامكم ما وصلت إليه فيما يتعلق بسيدنا آدم وهي معلومات لم أسع إليها فأثناء كتابتي هذه الدراسة تذكرت انني في المرة التي زرت فيها منطقة البقاع وبعلبك في لبنان، فقد مررنا على قرية اسمها (النبي شيث) واسمها مكتوب بوضوح على لافتة كبيرة من الصاج. وبعد ذلك قرأت في الصحف عن قرية أخرى في الشام اسمها (النبي شيث) أيضا. أسماء البلاد مهمة جداً ونحن في مصر نستخدم نفس أسماء القرى التي استخدمها المصريون القدماء، فالأسماء تعيش، وهي لا يمكن أن تكون بلا دلالة فلماذا لا نجد في مصر أو المغرب قرية اسمها (النبي شيث).

وأنا أذكر هذه المعلومة لأعود مرة ثانية أو ثالثة لأقول أن من مظاهر تخلف المسلمين إغفال هذه الوقائع رغم ما تبدو عليه انها موغلة في القدم. فإن الله سبحانه وتعالى يحضنا على البحث في أقدم التواريخ وهذا يحتاج لعلوم الجيولوجيا المتطورة والكيمياء والتاريخ والآثار متضافرين. قد لا تنتبه أن القرآن الكريم يقول (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (20) العنكبوت.

ويؤكد المفسرون المعاصرون ان هذه الآية الكريمة تحث الباحثين على السير في الأرض والبحث ليكشفوا عن كيفية بدء خلق الأشياء من حيوان ونبات وجماد (ربما قصة خلق الانسان الأول فقط ليست في متناول أحد إلا الله وهي واردة في القرآن) ويقول المفسرون ان آثار الخليقة الأولى منطبعة بين طبقات الأرض وعلى ظهرها وهي لذلك سجل حافل بتاريخ الخليقة منذ بدئها حتى الآن.

وسأروي لكم واقعة علمية مذهلة في مجال التقدم العلمي والتي تجاوزت اكتشاف التاريخ الدقيق لحجر أو قطعة خشب أو جمجمة بشرية من خلال معادلات رقمية دقيقة (كعلاقة الخشب بالفحم). فمن ضمن آخر ما وصل اليه العلم انه من خلال الحفر في أعماق القطب الشمالي بنسب معينة يمكن اكتشاف حجم التلوث في أي عهد من العهود كالامبراطورية الرومانية!! وبالتالي اكتشاف حجم التطور الصناعي خلاله مثلا ، على أساس ان طبقات الجليد المطمورة تتوازى مع فترات زمنية معينة وبالتالي تكشف كل طبقة حالة الجو في زمن معين في مكان معين!! ولا تسألني عن التفاصيل فالموضوع صعب وأنا خريج قسم أدبي!! وقد أثبت البحث ان الامبراطورية الرومانية كانت متخلفة في مجال الصناعة بالنسبة لعصرها! بسبب قلة التلوث! (كتاب لماذا تفشل الأمم؟) دارن أ.سيموجينو- جيمس أ. روبنسون.

لماذا نترك تاريخ البشرية وحتى تاريخنا الخاص في أيدي الأجانب، وهم لن يقولوا لنا الحقيقة الكاملة أبداً. بل في مصر نترك معظم آثارنا- وكأننا لا نملك خبراء آثار- في يد خبراء يهود من مختلف الجنسيات، كتلك البعثة النمساوية التي اكتشفت ما يقال انه مدينة الهكسوس بجوار فاقوس بالشرقية، وتبين أن رئيس البعثة يهودي. وهذا يتكرر في كثير من البعثات الأثرية.
*************
بعد هذه الوقفة بمناسبة قرية (النبي شيث) بالبقاع، نكوك قد انتهينا من العرض الجغرافي لقصص الأنبياء في القرآن الكريم وتأكدنا أنهم جميعاً تقريبا من داخل المستطيل القرآني (القسم الآسيوي من الوطن العربي + مصر).

ولكن الخريطة القرآنية التي تضم مجموعة من أسماء الأماكن وبعضها مرتبط بقصص غير نبوي لم نتعرض لها بعدد.. والآن نتقدم- بعد حصر أماكن الأنبياء- إلى حصر باقي الأماكن عموما في القرآن الكريم، لنصل في النهاية إلى نفس النتيجة: لا يوجد في القرآن اسم لمكان خارج المستطيل!!.

الفصل الخامس
لماذا مصر في رباط إلى يوم الدين؟

الأحاديث النبوية توضح دور مصر والشام في الجهاد
أهل الكهف- أصحاب الأخدود- ذو القرنين- معركة الروم


بعد استعراض خريطة الأنبياء والرسل وهم محور القصص القرآني نواصل ما تبقى من رصد المواقع الجغرافية التي ذكرت في القرآن..بالنص، ولا نعتمد على الاستنتاج أو الروايات غير الموثقة، وإن كنا نشير لبعض الدلائل ان كانت قوية.

أولا: مواقع مرتبطة بالعبادات.. وان كانت متداخلة مع وقائع السيرة النبوية

(1) مكة (2) المدينة (مع ذكر يثرب مرة واحدة) (3) البيت الحرام (أو المسجد الحرام أو البيت أو الحرم) (4) المسجد الأقصى (5) عرفات (6) المشعر الحرام (7) الصفا والمروة (8) مقام ابراهيم.

ثانيا: مواقع مرتبطة بأحداث السيرة النبوية: (1) بدر (2) حنين.

ثالثا: مواقع مرتبطة بأحداث القصص القرآني.

(1) فلسطين أو الشام، والواقع أن فلسطين هي جزء لا يتجزأ من أرض الشام وهي في القلب منه. ولكن هنا قد يقال ان فلسطين أو الشام لم يذكروا بهذا الاسم في القرآن وهذا صحيح. ولكن الدليل القرآني قاطع الدلالة.. فعندما ذكر القرآن المسجد الأقصى (ولا خلاف على مكان وجوده وهو بهذا الاسم حتى الآن) قال الذي باركنا حوله.. واستخدم القرآن هذا المصطلح للتعبير عن أرض الشام وفي قلبها فلسطين (الأرض التي باركنا حولها)- (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة) في حض بني اسرائيل على دخول فلسطين...الخ ويضاف إلى هذه الأدلة القرآنية مجموعة من الأحاديث النبوية. وسنأتي إليها فيما بعد لأنها تشمل معظم المستطيل القرآني لا فلسطين أو الشام فحسب. (2) مصر (3) سيناء )4) طور سيناء (5) الوادي المقدس طوى (6) مدين (وهي كما ذكرنا في أقصى جنوب بادية الشام) (7) سبأ (اليمن) (8) الأحقاف (الربع الخالي الآن بالجزيرة العربية) (9) بابل/ العراق ولا نضع "الجودى" رغم ان تفاسير عديدة قالت انه جبل في شمال الموصل ولكن المفسرون ينقلون من بعضهم بعضا.. ولم نتأكد من هذه المعلومة 100%.

(10) غلبت الروم في أدنى الأرض:
((1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)...الى آخر الآيات في أول سورة الروم وهي آيات تروي قصة هزيمة الروم على يد الفرس ثم عودة الروم للانتصار خلال بضع سنين. وما يهمنا الآن هو المكان.. في أدنى الأرض لها تفسيران عند المفسرين
(1) ان المعركة التي غلبت فيها فارس الروم كانت في أقرب الأرض من العرب، وهي أطراف الشام.

(2) التفسير الثاني لمفسرين معاصرين أن أرض المعركة فعلاً كانت عند أطراف الشام  ولكنها في المناطق المعروفة الآن بفلسطين بالبحر الميت وما حوله ولقد ثبت علمياً في العصر الحديث أن هذه البقعة هي الأكثر انخفاضاً في العالم بأسره بالنسبة لمستوى البحر. واعتبر هؤلاء أن هذه معجزة جغرافية للقرآن الكريم، فهذه حقيقة لم تكن معروفة ساعة نزول القرآن.

وفي أي من التفسيرين فان القرآن يؤكد أن المعركة دارت على أرض الشام في المستطيل القرآني.

وتفصيل الحدث أن الفرس والبيزنطيين اشتبكوا في معركة في بلاد الشام على أيام خسرو أبرويز أو خسروا الثاني عاهل الفرس المعروف عند العرب بكسرى. وهرقل الامبراطور الروماني وقد أدت المعركة إلى انكسار الروم وسيطرة الفرس على إجمالي الشام بما في ذلك دمشق وبيت المقدس الذي أحرقوه واستولوا على صليب كنيسة القيامة ونقلوه إلى عاصمتهم. وكانت هذه الهزيمة مبعث شماتة مشركي مكة لأن الروم أهل كتاب مثل المسلمين ولكن الروم عادوا وانتصروا بعد عدة سنين كما وعد القرآن. (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ)
قصة أهل الكهف:

ولكن على خلاف قصة الروم حيث المكان كان محدداً تقريبا، فإن في قصة أهل الكهف لاتوجد أي إشارة لا للزمان ولا المكان.. ولكن أغلب المفسرين من خلال البحث في فترات الاضطهاد بالمشرق حيث التوحيد يقولون أن هؤلاء الفتية كانوا نصارى أو يهود موحدين بالله وفروا من ظلم الحاكم الروماني في سوريا أو فلسطين أو القدس نفسها.

وحاليا في الأردن يوجد مزار اسلامي يقال انه لهذا الكهف، ومن الأمور التي آسف عليها أن حالتي المرضية المزمنة (العمود الفقري) حالت بيني وبين زيارة المزار بنفسي في رحلة نظمها حزب جبهة العمل الاسلامي في الأردن أثناء وجود عدد من الوفود الاسلامية في مؤتمر. وكان الأمر يتطلب سفراً خارج عمان ولا أدري الآن كم المسافة؟ المهم أن الأخوة يقولون أن كل المواصفات المتوفرة في القرآن للكهف متوفرة في هذا الكهف، ففتحته بزاوية معينة تجعل الشمس لا تدخل فيه ولكن تتوقف ذات اليمين وذات الشمال. وأيضا وجود مسجد قديم تم بناؤه فوق الكهف...الخ.

وحتى الآن لا يوجد اقتراح بديل لمكان الكهف والذي يتراوح بين أماكن في الشام. ولكن مرة اخرى يكفينا أن القرآن لم يحدد مكاناً للكهف خارج المستطيل. ولكن المرء لا يملك أن يمسك عن هذه المعلومات لأنها مغرية في مجال تأكيد نظريتنا. (ومع ذلك فلم ندرج الكهف في مسلسل المواقع القرآنية لذلك لم نعطي له رقم (11)
(11) قصة قارون:
نجد قصة قارون محددة في القرآن الكريم بمصر، وهي قصة متفرعة عن قصة فرعون وموسى. وهناك آثار في الفيوم يقال انها لقارون وقد زرت بالفعل أحد قصوره وربما القصر الرئيسي متهدم ولكن معالمه واضحة. ولعل وجود قارون في الفيوم أحد أسباب تسمية البحيرة بـ "قارون".
(12) قصة الفيل:
سورة الفيل لا تقدم لنا مكانا جديداً فهي في المناطق المحيطة بالكعبة، وهي أقصر قصة في سورة قصيرة، وان لم يذكر فيها اسم الكعبة أو مكة ولكن الأمر واضح ولا خلاف عليه في التاريخ، حتى سمي عام الفيل ويقال أن هذا هو العام الذي ولد فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وسنعود لقصة أبرهة عندما نتكلم عن قداسة الكعبة عند الله.

وفي إحدى روايات التفسير أن أبرهة  الحبشي عسكر بقرب مكة في مكان يدعى "المغمس" على ثلثي فرسخ من مكة (والفرسخ أطول من الكيلو) في طريق الطائف، قبل أن تهاجمه الطير الأبابيل.
(13) رحلة الشتاء والصيف:

وفي سورة قريش نجد هذا التوثيق القرآني لأهم حدث تجاري عبر قرون من التاريخ حيث يمن الله على قريش بما نعمت به من الأمن والاستقرار الاقتصادي رغم أن مكة في واد غير ذي زرع. والحدث التجاري هو رحلة الشتاء (إلى اليمن) ورحلة الصيف (إلى الشام).ولنلحظ هنا أن هذا الخط التجاري لم يفد أهل مكة فحسب بل كان نقطة وصل بين تجارة الهند وكل آسيا عبر اليمن إلى الشام ثم إلى باقي العالم وبالعكس. وكان يتميز بأنه كان طريقاً آمنا بالمقارنة مع الطرق الأخرى الواصلة بين الشرق والغرب.

إذن نحن نتحدث هنا- عن اليمن والشام وإن لم يذكر الاسمين ولكن من المعروف تاريخيا أن رحلة الشتاء هي من مكة لليمن وأن رحلة الصيف هي من مكة للشام. وحن نعلم أن محمد صلى الله عليه وسلم قد سافر مرتين على الأقل في تجارة للشام قبل البعثة، ويقال أن سيدنا محمد عرج على سيناء وغزة في طريقه للشام، وهذا جائز لأن هذا أحد الطرق، بل ان جده هاشم قد توفى أثناء عودته من الشام في غزة ودفن هناك، وفي غزة مسجد باسمه، ولذلك سميت غزة.. غزة هاشم، كل هذا يجري اذن في المستطيل القرآني.

سورة البروج:

أغلب المفسرين والرواة والمؤرخين يؤكدون أن أصحاب الأخدود هم حكام طغاة اليمن، وانهم حفروا هذا الأخدود وأشعلوه ناراً ليلقوا فيه كل المؤمنين الموحدين بالله حتى وان كانوا نساء ومعهم أطفالهن. (أيضا لم نضع ترقيما لأن القرآن لم يفصح عن أي اشارة جغرافية).
قصة موسى والخضر:

نشير إلى هذه القصص (الأخدود- الكهف- وقصة موسى والخضر على سبيل الاستدلال الاضافي فحسب، وليست أساساً لرسم الخريطة القرآنية.

وفي القصة الثانية في سورة الكهف كانت قصة موسى. وأحد عباد الله (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)65 ويسمي بعض المفسرين هذا العبد (الخضر). ويرى كثير من المفسرين أن مجمع البحرين لا يمكن أن يكون إلا في سيناء حيث مسرح بني اسرائيل. وهناك خليج العقبة وخليج السويس يلتقيان في بحر واحد عند رأس محمد.

ومن الطبيعي أن حركة سيدنا موسى كانت بين مصر وسيناء وبادية الشام (في شبابه). فهي تدور كلها داخل المستطيل. ومجمع البحرين مجرد استنتاج لا يضر في شيئ.

قصة ذو القرنين:
قصة ذو القرنين نموذج على أن ما أغلفه القرآن يستحسن أن نسايره. ونأخذ الحكمة والعبرة من القصص فحسب. وطالما أغفل القرآن الزمان والمكان يكون من العبث البحث عنهم من خلال تفسير القرآن الكريم. اللهم إلا إذا ظهرت في أبحاث التاريخ والآثار دلائل ملفتة للنظر.

قصة ذي القرنين مهمة جداً من زوايا عديدة ولكن لا علاقة لها بدراستنا لأنها أغفلت الزمان والمكان.

 وقد كتب الكثير عن أماكن رحلات ذي القرنين ولم يتفق المفسرون، من أذربيجان ومن بحر قزوين حتى البحر الأسود إلى منطقة القطب الشمالي بل وصل بعض الباحثين إلى أمريكا الجنوبية وكولومبيا!. والقاعدة التي وضعناها لأنفسنا في هذه الدراسة هي رسم الخريطة القرآنية من خلال الأسماء والمواقع المذكورة صراحة في القرآن. ولكن من المؤكد انها القصة الوحيدة التي تقع أحداثها خارج المستطيل القرآني ولكن بدون أي تحديد جغرافي دقيق أو معلومة تاريخية حاسمة.

ولكن طالما أشرنا إلى ذي القرنين فيحسن أن ننفي بشدة أنه هو الاسكندر المقدوني والتي لا تزال فكرة تتسرب من التفاسير القديمة (حيث كان المفسرون لا يدرسون التاريخ) إلى بعض التفاسير المعاصرة.

 فالاسكندر المقدوني سيرته معروفة وإن كان بطلاً عسكرياً أو قائداً مغوارا إلا انه لم يكن ذلك الانسان الصالح الموحد بالله. وفي مصر ادعى عبادة آمون وسلوكه الشخصي عليه مآخذ كثيرة، كما ان مستشاره (أرسطو) وان كان فيلسوفا ومفكرا عظيما إلا انه لم يكن صاحب عقيدة اسلامية أو موحدة، فهو من القائلين ان الله خلق العالم، وتركه يدير نفسه بنفسه...الخ وخط سير جيش الاسكندر معروف وآخر ما وصل اليه بعد فارس الهند: عندما أرهقت الجنود وطالبت بالعودة، وقد مات الاسكندر خلال رحلة العودة بصورة غامضة حيث تتضارب الروايات حول مكان موته وأيضا مكان دفنه.
*********
وهكذا نعود إلى موضوعنا الأصلي.. فنقول مجدداً وقد انتهينا من الحصر أن الخريطة القرآنية أو مسرح أحداث القرآن انحصرت في القسم الآسيوي من الوطن العربي + مصر.

بل ان الأحداث الكبرى للرسالات الأساسية جرت بطبيعة الحال داخل هذا المستطيل بما في ذلك أهم الرسل الذين حملوا كتباً سماوية وكلم بعضهم الله (موسى). وان الأغلبية الساحقة من البشر) أي كل البشر عدا القسم الآسيوي: الصين- الهند- دول صغيرة أخرى) ترتبط بالاسلام والمسيحية ونسبة ضئيلة باليهودية (1%)، مع ملاحظة وجود أكثر من 200 مليون مسلم في الهند. وليس المقصود بهذا التقسيم أن نعلي من شأن الشعوب غير الآسيوية بالعكس فالاسلام واضح قاطع كالسيف (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). ولكننا نتحدث عن الدور التاريخي أو المسئولية التي يفرضها الموقع الجغرافي على ساكنيه. ونروي التاريخ كما حدث، بل ان العالم بأسره يعترف ان منطقة الشرق الأوسط هي مهد الأديان والحضارات.

وقبل أن ننتقل لدراسة هذه النقطة، وهي محاولة تلمس الحكمة الربانية في هذا الدور التاريخي لهذا الموقع المتوسط من العالم، دعونا ننهل من السنة النبوية الشريفة حول (المستطيل القرآني). والأحاديث ستفتح لنا الطريق لفهم الأهمية النسبية للمواقع حتى داخل المستطيل القرآني ذاته، ولإدراك التركيز القرآني على أماكن دون أخرى، وسنرى الأهمية الخاصة لمصر ولبلاد الشام. وهنا سنجد تناغما شديداً بين القرآن والأحاديث.

الأحاديث النبوية والمستطيل القرآني:
(ملاحظة: تخريج الأحاديث والمراجع التفصيلية في نهاية الدراسة).
دور الشام:
ونذكر مرة أخرى للشباب أن كلمة الشام كانت تطلق تاريخيا وهي تصح حتى الآن على ما تم تقسيمه صناعياً في سايكس بيكو، تشمل سوريا- لبنان- فلسطين- الأردن.
الأحاديث:
- (أَهْلُ الشَّامِ وَأَزْوَاجُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَعَبِيدُهُمْ وَإِمَاؤُهُمْ إِلَى مُنْتَهَى الْجَزِيرَةِ مُرَابِطُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَمَنِ احْتَلَّ مِنْهَا مَدِينَةً فَهُوَ فِي رِبَاطٍ ، وَمَنِ احْتَلَّ مِنْهَا ثَغْرًا مِنَ الثُّغُورِ فَهُوَ فِي جِهَادٍ).

- (أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده).

وقبل أن نستكمل نريد أن نؤكد ان التعامل مع هذه الأحاديث يكون من خلال دراسة رشيدة للواقع على طريقة (إنزال النصوص على الواقع) فإن بعض الشباب وبعض الحركات عندما تقرأ هذه الأحاديث تتصور أن معناها ضرورة القتال في سوريا طول الوقت وبدون تدبير وإعداد، وبدون قيادة اسلامية رشيدة كعماد الدين ونور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وربما سنصل في دراستنا- ان شاء الله- إلى الأحداث المعاصرة (2011- 2013).
نواصل الأحاديث:
- (أن الله بارك فيما بين العريش إلي الفرات و خص فلسطين بالتقديس). كما وصفت فلسطين بأنها أرض المحشر والمنشر. وفي رواية أخرى ان هذا الحديث كان موجها لمعاذ بن جبل (ان الأرض المقدسة بين العريش والفرات) ولاحظ ان القرآن الكريم يصفها بهذه الصفة.

- (فسطاط المؤمنين في الملحمة الغوطة، مدينة يقال لها دمشق، هي خير منازل المسلمين يومئذ).

- وفي رواية أخرى موجهة لمعاذ بن جبل (يا معاذ، إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات. رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).

{لاشك أن مثل هذه الأحاديث تشحذ من همم أهلنا في القدس الذين يقاتلون بدون أسلحة وبمنتهى البسالة دفاعاً عن المسجد الأقصى} (معد الدراسة).

ويقول بعض المفسرين لآية (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) ق (41) في اشارة إلى نداء يوم القيامة ان اسرافيل سينفخ في البوق من صخرة القدس، وذكر ذلك القرطبي دون أي دليل من أي حديث صحيح.

- (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)- (أحمد)
- (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).
(بالعودة إلى كتب الحديث ستجد أحاديث كثيرة عن الشام)
دور مصر في الأحاديث:
نحن نتحدث عن دور مصر ومسئوليتها وليس الافتخار بها.
- (أهل مصر في رباط إلى يوم الدين)
- (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً) (البخاري)
- (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً) (مسلم)
- (إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض) قال أبو بكر: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: (إنهم في رباط إلى يوم القيامة).

 الفصل السادس
مصر هي البلد الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن


<< كل من مكة والمدينة ومصر ذكر 4 مرات
<< المشروع الايراني يسبق التركي في الزحف على المستطيل
<< والمشروع السني يتوارى خلف الأمريكان واسرائيل


 
لم يتبق لنا لاستكمال طبوغرافية (تضاريس) القرآن إلا النظرة إلى الأوزان النسبية لتكرار البلد، كمؤشر على أهميته داخل المستطيل القرآني (ونذكر دائما أنه القسم الآسيوي من الوطن العربي + مصر) والذي حددناه وفقاً لما ذكر في القرآن صراحة من مواقع جغرافية. فحتى داخل المستطيل القرآني وهو ليس كبيراً من حيث المساحة: فالمسافة بين مكة والعراق 1200 ك.م وبين مكة واليمن 1200 ك.م، ومكة ومصر 1200 ك.م كأضلاع مثلث متساوية. المسافة الكلية للمستطيل ليست كبيرة ومع ذلك فإن الأوزان النسبية للأهمية ليست متساوية.

سنجد أن المواقع الجغرافية للجزيرة العربية تكررت في القرآن الكريم 37 مرة، ومصر 17 مرة، والشام 12 مرة واليمن مرتان، والعراق مرة واحدة (بابل).

ونلاحظ هنا بلا خلاف أن مواقع الجزيرة العربية تركزت حول الكعبة والمدينة وشعائر الحج، وستظل لها دائما الأولوية القصوى، فهي العاصمة الروحية (مكة) لأمة الاسلام، أم القرى وما حولها.

ولكن تاريخ 14 قرن برهن أنها لم تكن مركزاً للقيادة السياسية الشاملة للأمة إلا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين (كان ذلك في المدينة) بل لقد انتقل الخليفة الأخير (علي بن أبي طالب) إلى العراق لأسباب تاريخية معروفة ومن يومها لم تعد القيادة أبداً لمكة أو المدينة إلا خلال محاولة عبد الله بن الزبير التي لم تستقر وظلت القيادة متنقلة بين دمشق وبغداد ثم القاهرة حتى انتهت في استانبول، وانتهت هناك.

وبعد ذلك تأتي مصر في الترتيب القرآني من حيث عدد تردد اسمها ومواقعها (17 مرة) وهذا دلالة على أهميتها الخاصة، بالاضافة إلى ان ذلك لا يدخل فيه احصاء الآيات التي تناولت أو جرت أحداثها على أرض مصر، ولنلحظ أن قصة موسى وفرعون شكلت 1:14 من القرآن الكريم وسنعود لمصر.
أما الشام (12 مرة) فهي في المرتبة الثالثة ولكن:

خلاصة قانون التاريخ وقراءة المستقبل فإن المعركة الفاصلة ستجري على أرض الشام وستحسم فيها، وأن مصر سيكون لها دور القيادة في هذه المعارك.

التاريخ الذي سنستعرضه بإذن الله ينطق بذلك بدقة، والتنبؤات القرآنية تدور حول هذا (سورة الاسراء) ولابد أن نشير سريعاً إلى أن انتقال القيادة الاسلامية لأول مرة خارج المستطيل في استانبول ألا يكسر ذلك فكرة ونظرية المستطيل القرآني الذي يقود العالم الاسلامي وربما العالم بأسره.

بالعكس، فإذا ظن المسلمون داخل المستطيل انهم القادة وانهم مركز العالم وانهم سيظلون كذلك حتى وان لم يعملوا بجد وصلاح وتقوى فهم واهمون فالله عز وجل لا يحابي أحدا، والسنن الالهية تعمل بدون أي محاباة أو تحيز. (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم).

لقد كانت القاهرة عاصمة الخلافة تحت حكم المماليك فعليا مع وجود الخلافة العباسية فيها أيضا منذ سقوطها في بغداد 1258 م ولكنه كان وجوداً شكليا.

وعندما تدهورت أحوال المماليك إلى ما هو معروف عنها، جاء العثمانيون وضموا المستطيل القرآني (بضربة سريعة ساحقة) لدولة الخلافة في استانبول فضموا الشام وضموا مصر 1517 وأعلن أمير مكة مبايعة العثمانيين، وكذلك ضموا العراق واليمن فيما بعد. ولكن النقطة التي تهمنا هنا أن الدولة العثمانية لم تصبح دولة الخلافة الاسلامية إلا بهذا الضم لمصر وللمستطيل القرآني وظلت هكذا من 1517 حتى الحرب العالمية الأولى 1914- 1919- وسقوط الخلافة ثم أيضا في المستطيل القرآني في الشام (بعد احتلال مصر 1882).

اذن من يريد أن يحكم العالم الاسلامي أو العالم بأسره لابد أن يسيطر على المستطيل (الشرق الأوسط)، اذن ليس من المهم أن تكون مولودا أصليا في هذا المكان لأنك إذا كنت خائبا سيأتي صديق مسلم أو غريب ويأخذ المكان منك، فمن الترف أن يترك هذا المكان المحوري للأغبياء.

إذن سنكتشف معاً إننا لا ندعو إلى عصبية قبلية شرق أوسطية أو عربية، ولكننا ندعو للقيام بدورنا لأننا ولدنا في هذا المكان الخطير الاستراتيجي المحوري، فإما أن نعمل منه لإقامة دولة عظمى أخرى وإلا ستأخذ المكان منا دولة عظمى أخرى وهذا ما حدث على مدار أكثر من 4 آلاف سنة بشكل دقيق جداً دقة الساعة كما سنوضح ان شاء الله.

العراق- اليمن:


ورد ذكر اليمن (مرتان) في القرآن (سبأ)، لا شك أن اليمن أقل أهمية في القيادة بحكم موقعه الجغرافي المتطرف البعيد في أقصى الجزيرة ولكن الحاكم الاسلامي الأريب هو الذي يعرف كيف يستفيد من حكم اليمن، خزان الأمة الصافي الذي صدر المجاهدين لنشر الاسلام من أذربيجان (وسط آسيا) حتى الأندلس. واليمن خزان الأمة الصافي الذي صدر الكثير من القبائل العربية المعروفة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الايمان يمان.. والحكمة يمانية).

ولنتذكر جيداً أن اليمن هو البلد الذي دخل الاسلام بدون قتال. وتحدث القرآن عنه كمركز حضاري قديم، والآثار الراهنة تشهد على ذلك.

العراق ذكر في القرآن مرة واحدة (بابل) وربما مرتان (الجودى)، العراق بلد مهم وسيظل كذلك وفيه اعرق الحضارات بالتوازي مع مصر. ولكن عبر التاريخ الاسلامي فإن حكم بغداد للخلافة الاسلامية كان قصيرا، في الجزء الأول من الحكم العباسي ولكن معظم ما يسمى الخلافة العباسية كان الحكم شكليا في بغداد بينما كان فعليا في يد دول أخرى كالسلاجقة وأخيرا في يد المماليك بالقاهرة حيث انتقل الخليفة فعلا إلى القاهرة بعد سقوط بغداد.

العراق لديه مشكلة في القيادة عبر التاريخ لأنه بلد غير مستقر بسبب الصراعات الداخلية أو بالتأثيرات الخارجية، وهذا ليس موضوعنا الآن.

وكما ذكرنا فان الأصلح للقيادة سيقود في النهاية سواء أكان من العراق أو مصر أو استانبول ولكننا نتحدث عن الفرص الكبرى، وهي تعني مسئوليات أكبر وأكثر خطورة، وليس من أجل التفاخر، ان مصر هي المرشحة الأكبر للقيادة في المنطقة ولكن بالالتزام الاسلامي السليم، وليس لمجرد أنها مصر. ولا نعني احتكار مصر للقيادة أي المصريين، فالقيادة الحكيمة تشرك معها آخرين لضمان نجاح مشروع إعادة الحضارة الاسلامية سيرتها الأولى.

المستطيل الآن بين تركيا وإيران:


قبل أن نشرح أهمية مصر في القرآن الكريم وفي الواقع. وبما أننا أشرنا إلى انتقال قيادة العالم الاسلامي من المستطيل (القاهرة) إلى استانبول عام 1517. لابد ان يطرأ على الذهن ما يجري الآن من مشروعين: تركي- ايراني يزحفان على المستطيل أيضا. ونحن نخرج مؤقتا على تسلسل الدراسة، لأننا لم ننته بعد من نقطة اخيرة في عرض النظرية وهي: تلمس حكمة الله في اختيار هذا الموقع المتوسط ليكون مكان قيادة العالم. بالاضافة لاستعراض تاريخي يوضح كيف دار تاريخ العالم فعلا حول محور هذه الساحة (الشرق الأوسط) كمؤشرات أو عقارب الساعة.

ولكن لا يمكن تأجيل ما يشغل الأذهان حول الصراعات الطاحنة داخل المستطيل. فلنتحدث في هذه النقطة قليلاً ثم نعود إليها بتوسع أكبر في نهاية الدراسة.

كما ترون فإن الشرق الأوسط في المرحلة الأخيرة خضع لصراع دام أيضا بين القوتين الأكبر في الاقليم (مصر- اسرائيل) وترافق مع صراع دام أيضا وان سمي بارد بين الاتحاد السوفيتي وامريكا.

 والآن الاتحاد الروسي وامريكا على نفس الاقليم. ومنذ خروج التحالف الثنائي اللدود انجلترا وفرنسا من السيطرة على وتقسيم الشرق الأوسط. لم تتمكن أمريكا  ولا الاتحاد السوفيتي (أو روسيا) من السيطرة الكاملة على المستطيل، حيث يتم تبادل المواقع هنا وهناك وهذا سبب التطاحن والزلازل الرهيبة التي تعتمل في الشرق الأوسط، وحيث لم يحسم الصراع بعد. ولم يتم تقسيم النفوذ بصورة مستقرة.

وبسبب ضعف المراكز الأساسية في المستطيل الشرق الأوسط (أستخدم مصطلح الشرق الأوسط لأنه قريب إلى الأذن وإن كان مصطلحا غربيا بالأساس). وهي بغداد- دمشق- القاهرة فإن القوتين البازغتين بالجوار لابد أن يتمددوا في الاقليم ، وهذا قانون طبيعي لا مراء فيه، والقوة الأكبر تتمدد على القوى الأضعف بطريقة الأواني المستطرقة. فمنذ قيام الثورة الايرانية وبزوغ القوة الواضحة للجمهورية الايرانية فإن العالم السني داخل المستطيل وخارجه يعيش حالة من الاضطراب.

(1) فلا هو يسلم بالقيادة لإيران بما لها من قوة عسكرية وصناعية وتكنولوجية وبالأساس بما لها من قدرة استقلالية والاستقلال هو أساس القوة، وبما دعت إليه من القضاء على اسرائيل وطرد النفوذ الأمريكي، لا يسلم بالقيادة بسبب الخلاف المذهبي والقومي (شيعة وفرس).

(2) ولا يقوم- العالم السني- بإبراز مشروع اسلامي متمايز ومنافس للمشروع الايراني، وهذا هو رد الفعل الطبيعي، وحيث يؤدي التنافس إلى تقوية أواصر الأمة وفي نفس الوقت يؤدي إلى علاقات متوازنة وصحية بدون تشنج طائفي وقد يؤدي إلى تقسيم مناطق النفوذ بصورة تعايش هادئ ولكن في اتجاه إبعاد القوى الخارجية التي تريد التسلط على الاقليم.

(3) ولكن حكام السنة في الاقليم اختاروا طريق الالتحاق بأعداء الأمة (أمريكا- اسرائيل) لضرب المشروع الايراني. وهذا طريق لا يؤدي في النهاية إذا نجح إلا إلى تسليم (المستطيل القرآني) للتحالف الأمريكي- الاسرائيلي، لأن السنة أصبحت قوتهم هي في اعتمادهم على الأعداء!! فلم يعد بإمكانهم أن يكون لهم مشروعهم الخاص.

مشروع أردوجان:


ونفس المشكلة تتكرر مع تركيا، فقد نهضت بدورها نهضة كبيرة وأصبحت في مصاف الدول المتقدمة (من الدرجة الثانية)، وكان ذلك بمساعدة أمريكا والغرب وتشجيعهما على أمل نشر نموذج اسلامي معتدل (من وجهة نظرهم) وصديق للغرب واسرائيل. ولكن أردوجان بدأ يعمل لحسابه الخاص وبحسابات تركية محضة وهذا ما وسع الهوة بينه وبين امريكا والغرب من ناحية ، وبينه وبين دول الاقليم (المستطيل) من ناحية أخرى.

ومشروع أردوجان- وان سمي نفسه العثمانية الجديدة- ليس مستقيما بما يكفي كي ينجح فالمشروعات الحضارية الكبرى لا تنجح بدون وضوح بل وصرامة في الوضوح لتحشد الأمة خلفها. فقلب خطته من (صفر مشاكل) والتي حققت انجازات كبرى بالعلاقات الطيبة مع ايران وسوريا والعراق وأرمينيا واليونان وكردستان العراق...الخ (يبدو أن هذه كانت خطة أوغلو الذي استبعده أردوجان) فانقلبت هذه الخطة إلى سلسلة من المشاكل مع الجميع إضافة إلى مصر. وظهر من توجهه انه مشروع تركي وليس اسلاميا وانه يستدعي الخطاب الاسلامي من حين لآخر حسب الاحتياج.

بل ويتخذ بعض القرارات الداخلية المحدودة ذات طابع اسلامي كأمور متعلقة بالحجاب والزي...الخ ولكن هذا لا يكفي كي تشعر الأمة الاسلامية داخل المستطيل وخارجه أن تركيا بدأت تتزعم العالم الاسلامي. وبالتالي فإن كل مكاسب تركيا التجارية والاقتصادية والدبلوماسية في المستطيل تقلصت، وتركيا لم تعد مرشحة لتزحف بسلطانها الأدبي والمادي في المنطقة. بالاضافة إلى أن تركيا تعتمد على دول الخليج وهذا يدخلها في تحالفات مع دول تابعة لأمريكا، ومشغولة بحشد الطاقات ضد ايران.

ان كثرة تقلبات أردوجان واتخاذه القرار وعكسه في مدة قصيرة أضعف مواقفه في السباق. وأصبح مشروع ايران الذي لا يتقلب ولا يتغير هو الأكثر قوة في التمدد داخل المستطيل. وفي المقابل فإن الدول السنية الكبرى والصغرى تنتظم خلف الموقف الأمريكي في مشروع مشترك لمحاربة إيران.

وسيظل الشرق الوسط في هذه الدوامة طالما ظلت القيادة المصرية المستقلة غائبة، وسيظل الصراع يتمحور بين الحلف الايراني المتعاون مع روسيا – والحلف الأمريكي- الاسرائيلي.

مصر في القرآن الكريم:


هذه مسألة بالغة الأهمية.. نحن نتحدث عن كتاب محكم أنزله الله عز وجل خالق الكون والمؤمنون يؤمنون بذلك ويسلمون به. فلا توجد كلمة ولا يوجد حرف في غير موضعه، وهذا من أهمية حفظ الله للقرآن الكريم. فهو الدستور الذي لا يختلف عليه حتى يوم الدين. طبعا قد يختلف في تفسيره ولكن من خلال العلماء الموثوقين، وليس من خلال عابري السبيل من المثقفين أو الذين يدعون الثقافة.

ولذلك فإن تكرار موضوع أو معنى عدة مرات في القرآن لابد أن يكون له مغزى...الخ
في موضوعنا هذا، فان القرآن لم يذكر اسم بلد يستخدمه الناس (أي الاسم) حتى الآن سوى مصر.

وكل ما ذكرناه من مواقع جغرافية كانت لمدن أو مواقع أو بلاد بأسمائها القديمة غير المستخدمة الآن (بابل- سبأ) أو بالاستنتاج المؤكد (كما ذكرنا عن الشام وفلسطين واستخدام تعبير الأرض التي باركنا حولها). إذن لا يوجد بلد مذكور اسمه الحالي في القرآن سوى مصر.

وأغلب الاسلاميين لا يحبون الحديث في هذا الموضوع خشية السقوط في نعرة وطنية أو قومية. بل على العكس عندما يتعرضون لمتاعب يقولون أن مصر ملعونة في القرآن فلا توجد سجون إلا في مصر. ومصر هي التي حبست سيدنا يوسف!! الخ

في المقابل فإن الاعلام المصري الرسمي يستخدم هذه الحقيقة القرآنية ولكن في سياق استعلاء مصري وتعميق النعرة الوطنية والقومية في مواجهة باقي العرب خاصة عندما تحدث خلافات وما أكثر ما يحدث ذلك.

ان استخدام الاعلام لمعنى أن مصر هي التي ذكرت في القرآن يجب ألا يغيظ الاسلاميين ولكن المطلوب هو وضع هذه الحقيقة في إطارها الصحيح، فهي إشارة لدور تاريخي ومسئولية خطيرة، وليست مسألة تفاخر لن ينفعنا في الدنيا ولا الآخرة.

وهنا أهمية العودة للأحاديث التي ذكرناها عن مصر في الفصل السابق، وانها في رباط إلى يوم الدين.

ويجب أن نفهم ان المصريين لا يرثون دور بني اسرائيل الذين فشلوا في الرسالة التي ابتعثها الله إليهم، لأن الله سبحانه وتعالى نقل هذه المسئولية إلى أمة الاسلام وهي أمة غير عرقية (كبني اسرائيل) فكل من يدخل في الاسلام فهو مقبول من أي عرق وبأي لغة.

وإن خيرية هذه الأمة مرتبطة بدورها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

فليس المقصود هنا أي ريادة عقائدية للمصريين، بل هو دور مرتبط بما سماه المفكر الكبير الراحل د.جمال حمدان عبقرية المكان فمصر هي الموقع والموضع والحضارة والتاريخ وهي وحدة متميزة يصعب أن تجد لها مثيلا في العالم وسنقول لماذا؟ (فيما بعد ان شاء الله).

ومصر أيضا ليست عرقاً، بل العكس فمصر أبعد من كل الأمم أن تكون عرقاً، مصر على قارعة الطريق وعلى مفارق طرق العالم، لا تعلم حكاية العرق النقي.

 والمصري الأصيل بشخصيته الأصيلة يتراوح بين الزنجية شديدة السواد أو الزرقة إلى البياض الفاتح والشعر الأصفر والعيون الملونة!! وكثير من المصريين لا ينتبهون لهذه الفروق لأنهم تعودوا التعايش معها وكأنها موجودة في باقي الأمم.

وأيضا مصر والمصريون لا تعني الذي ولد في مصر أو من عائلة أصلها من مصر، فكل من استوطن في مصر واندمج مع شعبها يتحول إلى مصري أصيل. حتى وان كان كرديا كصلاح الدين الأيوبي أو من عرق تركي آسيوي مثل قطز وسائر المماليك أو محمد على الألباني وأسرته التي حكمت مصر وأصبحت في النهاية مصرية تماما...الخ

إذن الدور القيادي في الصراع الاقليمي والعالمي وهو دور سياسي عسكري هو الدور الريادي لمصر الذي أشار إليه القرآن بشكل غير مباشر حتى ذكر مصر وحدها دون البلدان. وبشكل مباشر حين قال على لسان يوسف (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) هذه آية لا يمكن أن تكون من خصوصيات القصة، فهذا معنى عام برهن التاريخ على صحته كما سنوضح ان شاء الله.

ولكن نقف في هذا الفصل عند هذه الحقيقة..

مصر ذكرت في القرآن 4 مرات ومكة 4 مرات والمدينة 4 مرات (والحديث متواصل)

 الفصل السابع
بعثة محمد (ص) وضعت الشرق الأوسط في البؤرة

<< اللغة العربية أول لغة في البشرية وهي في اللوح المحفوظ
<< مكة العاصمة الروحية للمسلمين حتى يوم الدين
<< الكتابة نشأت في مصر وبلاد الرافدين

 

سنعود فيما بعد لتوضيح معنى الدور القيادي لمصر، ولكن دعونا نستكمل الآن أركان النظرية. وما هي الحكمة الالهية في وضع هذا المستطيل (الشرق الأوسط) في بؤرة مجريات الصراع العالمي بين الأديان والحضارات والقوميات؟

كما ذكرنا لم يكن من قبيل السهو والخطأ (حاشا لله) ألا يذكر القرآن مكانا أو اسما لنبي خارج المستطيل، ومن الخطأ أن يتصور أحد أن هذا بسبب ان التاريخ كان هكذا وأن هذه المنطقة كانت فعلاً مهد الحضارات. ولكن القرآن ليس كتاب تاريخ، ولابد أن هذا التركيز يؤشر ويشير للمستقبل وهناك دلائل واضحة وصريحة في القرآن الكريم على هذا، أما الدلالة العظمى فكانت في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا المكان القفر الذي يبدو أنه موجود خارج الحضارات وخارج التاريخ وهذه من معجزات بعثة سيدنا محمد أي خروجها وانبعاثها من هذا المكان في قلب الصحراء، الدلالة العظمى في ان بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هي الرسالة الخاتمة، وهكذا سينقطع وحي السماء، وسينتهي هذا المسلسل الجميل من إرسال الرسل والأنبياء لإرشاد البشر بين فترة وأخرى. وسيأتي معه بالطبعة النهائية للكتب السماوية (القرآن الكريم) الذي يهيمن على ما سبقه من كتب، بل من حكمة الله أن هذه الكتب بعضها اندثر تماماً وما تبقى منها محرف باعتراف أصحاب هذه الديانات.

المهم أن الله سبحانه وتعالى أرسل هذا الدستور المشفوع بسنة محمد صلى الله عليه وسلم ليكون دستور البشر لقرون لا نعرف عددها حتى يوم القيامة. إذن هذا "الدليل النهائي" نزل في مكة والمدينة وتم حفظه وتجميعه مع الشروحات العملية للسنة النبوية وسيرتها العطرة.

ثم تم نسخه يدوياً وتوزيعه على الأمصار في عهد عثمان رضي الله عنه، ثم التحق نشر القرآن والأحاديث وما نتج عنهما من فقه واسع متجدد في شتى مناحي الحياة بكل وسائل الطباعة الحديثة. ولكن الدفعة الأولى خرجت من هنا من صدور رجال لا مثيل لهم ثم أضيفت بؤر أخرى لمكة والمدينة، في البصرة والكوفة وبغداد ودمشق والقاهرة في المستطيل الشرق أوسطي. ولكن ليس معنى الوصول للمطبعة أن مركز الاشعاع الأول فقد أهميته. فقد ظل مثلاً عمل أهل المدينة أحد مصادر الفقه. لا يزال هنا مركز بلاد الناطقين بالضاد والمتعمقين والفاهمين أكثر لأسرار اللغة العربية وهي لغة القرآن.

ويقول الشيخ محمد الغزالي:

{ لقد كان للعرب فضل أنهم حملوا الاسلام إلى العالم وبلغوه بشجاعة وبسالة فائقتين. ويجب ان نثني على العرب لأنهم صانوا بدقة وبلغوا بأمانة وقدموا أرواحهم فدى لما يعتقدون}.

ولكنهم عندما قصروا {فلم ينهضوا بنشر اللغة ولم يبذلوا جهداً يذكر في شرح قواعدها وآدابها للآخرين اضطر الأعاجم إلى النهوض بهذا العبء، فكانوا علماء النحو والصرف والبلاغة بفنونها الثلاثة: المعاني  والبيان والبديع}.

{مشكلات في طريق الحياة الاسلامية- نهضة مصر- الطبعة السادسة- 2004}
ولنذكر سيبويه الأعجمي الذي اصبح علماً على النحو واللغة العربية. فالمسألة اذن ليست طائفية أو عرقية، والعروبة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (هي اللسان). وحتى هؤلاء لابد أن يأتوا إلى هنا (المستطيل) ويستخرجون من خزان المعلومات والمعرفة. أي ستظل منطقة العروبة الشرق أوسطية هي مركز الاشعاع. كما أن العرب إذا تخاذلوا في مرحلة يعودون للصحوة من جديد في مجال اللغة وغيرها.
ويلجأ المفسرون للقرآن للأشعار الجاهلية لمعرفة أسرار اللغة العربية واستخداماتها ليحلوا بعض الاشكاليات اللغوية في تفسير القرآن الكريم.

ولكن فضل اللغة العربية على العرب انها جعلتهم جميعاً مرشحين للتحول إلى دعاة لنشر الدين خلال الجهاد لنشر الاسلام، فهم يحفظون القرآن الكريم وهذا يفتح عليهم بابا واسعاً للتعليم الديني، وكانت كتاتيب تحفيظ القرآن أو حلقات القرآن نظاماً شاملاً لكل النشئ والشباب. وكان هذا في المرحلة الأولى من النظام التعليمي، ويأتي بعد ذلك دور المساجد وحلقات الفقهاء حتى تأسيس المدارس والجامعات الاسلامية، ومهما تقلبت الأمور سيظل الخزان العربي هو مادة استراتيجية وعمق استراتيجي للاسلام (قال عمر بن الخطاب.. ان العرب هم مادة الاسلام) العربي يستطيع أن يفتح القرآن وكتب التفسير والأحاديث وكل كتب الفقه ويقرأ وفقا لاستطاعته. أما المواطن الأعجمي الذي لم يتقن اللغة العربية فسيظل هناك حاجز بينه وبين التعمق في الدين إلا عبر رجل الدين الأعجمي مثله أو من خلال الكتب المترجمة والتي لا يمكن أن تغطي كل الانتاج الصادر باللغة العربية. ومعظم الجمهور لا يقرأ الكتب، أما المواطن العربي فهو يسمع ويقرأ القرآن ويتفاعل معه بسهولة.

إذن جاءت الرسالة الخاتمة باللغة العربية وانطلقت من مكة والمدينة وهذا يعني أن المستقبل للغة العربية لأن المستقبل للاسلام (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي ليعليه لا ليلغي باقي الأديان. وعندما نزل القرآن الكريم لم يكن يتحدث العربية إلا أهل الجزيرة وأطراف من الشام والعراق. والان فإن اللغة العربية يتحدث بها مئات الملايين وهي لغة معترف بها من الأمم المتحدة وفقا لعدد المتحدثين بها.

ثم نشير إلى الزاوية الأهم فإن هذه الرسالة الخاتمة هي أول وآخر رسالة موجهة للعالمين. فقد كانت الرسل والأنبياء تأتي لأقوام محددة بينما جاء القرآن الكريم حديثا للبشرية جمعاء، لطالما استخدم القرآن تعبير (يا أيها الناس) وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم أنه الرسول الوحيد الذي أرسله الله للناس كافة. وهذا يعني أيضا أن مركز الاشعاع الروحي، الكعبة- مكة- المدينة (قبر رسول الله ومدينته) ورموز أخرى كثيرة. ورغم الأخطاء المروعة التي ارتكبها الأمويون ومن بعدهم الوهابيون (في العهد السعودي) من هدم كثير من الرموز التي كانت الأمة ستتعلم منها، كحجرات الرسول عليه الصلاة والسلام كي يرى المسلمون تقشفه وزهده، وبيت السيدة خديجة في مكة.

رغم هذا الهدم المغلوط فإنهم لم يتمكنوا من هدم غار حراء أو غار ثور أو مكان موقعة بدر ولم يتمكنوا من هدم جبل أحد!! وهي الآن مزارات للمسلمين وتظل مناسك الحج والعمرة هي الأهم للمسلمين، فهي من أركان العقيدة، وهي أحب عمل لكل مسلم وهي الغسيل الروحي الحقيقي، وهي الفرصة العظمى للعودة كما ولدتك أمك مبرءاً من الذنوب. حول الكعبة الآن تجمع مليوني لا ينقطع طول العام حتى لقد أصبح لمس الحجر الأسود صعبا للغاية حتى في العمرات في أوقات غير الحج، فهناك على الأقل عشرات أو مئات الآلاف تحيط بالكعبة دائما. بل كما ذكرنا ففي كل نقطة على الكرة الأرضية يتحلق المسلمون حول الكعبة من على البعد في اتجاه القبلة 5 مرات يوميا.

إذن ستظل مكة هي القطب المغناطيسي لجموع المسلمين أبد الدهر. وستظل دراسة السيرة النبوية التي جرت في هذه البقاع وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم جزءاً لا يتجزأ من العقيدة والايمان.
بل كثير من آيات القرآن الكريم تدور في نفس المواقع والأماكن مما يزيد تعلق قلوب المؤمنين بها.
ونعود إلى اللغة العربية فقد ذكرت منذ قليل كلمة تبدو عجيبة (ان المستقبل للغة العربية) في وقت تعاني اللغة العربية من اعتداءات سافرة من أهلها الذين أصيبوا بالتبعية، ففضلوا عليها استخدام اللغات الأجنبية، وأهملوا تعليمها حتى لم يعد هناك مسئول كبير أو سياسي كبير يجيد الحديث الصحيح باللغة العربية (كان الملك الحسن ملك المغرب الراحل ربما آخر المتحدثين باللغة العربية الصحيحة وقد كان من تربية أبيه الوطني العظيم محمد الخامس) والاعلام يقود الجهل باللغة العربية (ربما حالتنا في مصر هي الأسوأ) والانترنت والفيس بوك يبدو أنه يخوض معركته النهائية للقضاء على اللغة العربية.

وأنا أقول أن هذه أمراض طارئة عارضة وستتجاوزها الأمة بعد حين، فالمستقبل للاسلام وهو الذي سيعيد للعربية وضعها ومجدها من جديد. المستقبل للاسلام رغم أخطاء وخطايا الحركة الاسلامية، فمن ناحية لا يوجد دين يمكن أن ينافس الاسلام في اتساقه وصفاء التوحيد وشمولية نظرته الاقتصادية- الاجتماعية- الأخلاقية. والحركات الاسلامية التي لا تنجح في تمثل هذا الدين وتحسن التعبير عنه كما هو الحال في مصر ومعظم بلاد العرب فستأتي حركات جديدة ترفع راية الاسلام وتجيد عرضه- دون تبذل ومساومات رخيصة- وتجيد الدفاع عنه بشرف وأمانة وليس تعصباً لأي تنظيم أو جماعة. ثقتي وايماني بالله تجعلني أثق تماماً في أن المستقبل سيظل للاسلام رغم الانعطافات السيئة الراهنة.

ومن ناحية أخرى فإن المستقبل للاسلام- عقلانيا- لأن كل النظريات التي قد نافسته في القرنين الأخيرين وعلى رأسها الرأسمالية والشيوعية قد تهاوت من عل إلى سفوح الجبال، ولا تبدو أي نظريات بديلة حتى اللحظة تظهر في الأفق يمكن أن تمثل منافساً أو بديلاً، لقد حاولوا تقديم طبعات أكثر تطورا للرأسمالية فتحدثوا عن "النظام العالمي الجديد" ثم "العولمة" ومرة يتحدثون عن عصر التكنولوجيا، والعصر الرقمي والالكتروني، وكل هذه فقاقيع في مجال تقديم نظريات جديدة، ولكنها طبعا تقدم جديداً في مجال التقدم المادي ولابد أن نستفيد منها وندرس كل جديد عندهم.

 وفي النهاية فانني أتحدث عن عقيدتي "المستقبل للاسلام"، لذا فإن الصحوة الاسلامية المتجددة ستعيد للغة العربية مكانتها وستعود لتصبح من جديد اللغة الأولى ولكن هذا مرهون بدخولنا عصر العلم  والابتكار والتكنولوجيا وهذا لا يحدث حتى الآن إلا في (ماليزيا- ايران- تركيا) وفي مراحله الأولى ومن الطريف انها كلها بلاد غير عربية!
لقد أصابني الدوار (لا أستطيع أن أخفي) وأنا أقرأ بحثاً علمياً غربياً موثقاً يؤكد أن اللغة العربية (التي سماها اللغة العربية القديمة) هي أقدم لغة في العالم وأنها كانت طبعا في الشرق الأوسط. وان كل ما نسمع عنه من لغات قديمة كالكنعانية والكلدانية والآشورية والعبرية هي تفرعات وتحويرات وتحريفات عنها بين شعوب المنطقة. ثم ان الراحل الكبير الطاهر مكي كانت له دراسة في هذا الموضوع وان اللغة العربية هي اللغة الأولى للبشرية!!
وهذا يفسر أن كلمات كثيرة متشابهة بين كل لغات العالم القديمة والحديثة!!
ويقول علماء اللغة المتخصصون ان اللغة العربية هي الأكثر ثراء في العالم من حيث توافر المترادفات بل وكثرة الكلمات التي تعبر عن تلاوين شتى واختلافات طفيفة في الأحوال والأشكال، ويقول هؤلاء العلماء ان اللغة اللاتينية لها 700 جذر لغوي وأن اللغة الأنجلو سكسونية لها 2000 جذر أما اللغة العربية فلها 26 ألف جذر.

وتقول أبحاث غربية أيضا (راجع كتاب لماذا تفشل الأمم؟ المشار إليه سابقا) أن الكتابة نشأت في العالم في مصر وبلاد الرافدين في وقت واحد وبصورة مستقلة في 3500 ق.م ومن الطبيعي أن تنشأ الكتابة في مجتمعات مستقرة، بينما كانت سائر المجتمعات تعيش على الصيد والقنص وجمع الثمار من الغابات وتميل إلى الترحال والتنقل، وعدم تأسيس مجتمعات مستقرة أو مدن.

إذن هكذا ستكتمل الدائرة تبدأ الحياة هنا وتنتهي هنا، تبدأ اللغة العربية هنا وتعود لتسود العالم من جديد. دون أن يعني هذا إلغاء أو السعي لإلغاء اللغات لأن تعدد الألسن من آيات الله (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) وأكرر من جديد لن تعود اللغة العربية إلى مكانتها قبل أن نعود إلى مكانتنا في العلم والبحث والتكنولوجيا.

القرآن والعربية:

القرآن نزل باللغة العربية وهذا ما نعلمه جميعا، ولكن لابد من التذكرة أن القرآن مجد هذه اللغة واحتفل بها في عدد من الآيات وهي على وجه الحصر كالتالي:
(1) وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)  النحل
(2) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)  الشعراء
(3) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)  يوسف
(4) وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا.  الرعد (37)
(5) وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ.  طه (113)
(6) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  - الزمر(8)
(7) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - فصلت (3)
(8) وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا –الشورى (7)
(9) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)  الزخرف
(10) وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا – الأحقاف (12)
***************
ركز المفسرون القدامى وتبعهم المعاصرون على أن القرآن الكريم نزل عربيا بليغاً كحجة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مجتمع يجيد ويتقن اللغة العربية والبلاغة. ولا يوجد اعتراض ولكن لا شك أنه كان سببا عرضياً أو جزئياً أو في الطريق، ولكن هذا الكتاب الخالد ما كان لينزل بهذا الشكل وهذه اللغة مراعاة لبضع ألوف من كفار مكة والعرب، بل انظر إلى هذه المعلومة الواردة في التفاسير القديمة والحديثة. ففي الآية الثانية من سورة يوسف:

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تقول عدة تفاسير ان الانزال أي تعبير أنزلناه، وبالحق أنزلناه وبالحق نزل (الاسراء) هو انزال من اللوح المحفوظ وهذا ما يوضحه في سورة الزخرف من 1-4
في الآية الثانية يقسم الله بالقرآن الكريم، وبعد ما جاء في الآية التالية (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) جاء في الآية الرابعة (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) أي أن هذا القرآن ثابت في اللوح المحفوظ عندنا، لرفيع القدر ومحكم النظم في أعلى طبقات البلاغة، وهكذا نرى أن القرآن الكريم محفوظ في اللوح المحفوظ منذ الأزل ولا تتعلق لغته أو بلاغته لمجرد سبب جزئي وإن أفاد في هذا الطريق ولا يتعارض معه.

هذه هي مكانة اللغة العربية فهي في اللوح المحفوظ التي لن يتمكن أحد من القضاء عليها وإذا تخلى المسلمين أو بعضهم أو اعتمدوا على حفظ الله للقرآن واللغة العربية، فسيستبدل قوماً غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.

والاستبدال لا يعني بالضرورة إزاحة أمة بالكامل وإحلال أمة أخرى غيرها وهذا وارد وحدث في التاريخ مراراً، ولكن الاستبدال قد يكون جزئيا داخل نفس المجتمع حيث يهب جماعة أو جماعات أو مؤسسة أو مؤسسات لنصرة الدين واللغة.
**************
في نهاية الأمر ستظل بؤرة العرب هي مركز العالم، وبعض الاسلاميين لا يحبون كلمة العرب ولا العربية رغم أن هذا واقع قرآني. إن تحويل القومية العربية إلى نظرية تعلو القرآن مرفوض ونحسب انه انتهى في واقعنا. والآن فإن الحقيقة أن المستطيل القرآني أو الشرق الأوسط وفقاً للتحديد القرآني ( والغرب يأخذ بهذا التحديد الجغرافي تقريبا) كله في منطقة عربية. ولذلك سيظل العرب العمود الفقري للحركة الاسلامية العالمية دون استعلاء أو عنصرية، مع التركيز دائما أن العروبة هي اللسان. وان القيادة يمكن أن تكون من أي مكان في العالم ولكن يجب أن تأتي إلى هنا إلى مركز العمليات، إلى مركز الكرة الأرضية.

إذن النقطة الأولى في محاولة استكشاف الحكمة الالهية في التركيز على بؤرة الشرق الأوسط في القرآن الكريم هو الدور التاريخي المتواصل لهذا الموقع حتى يوم الدين، لأن هذا الموقع كان نبعاً للاسلام وحتى الرسالات السابقة، ولكن يهمنا الاسلام الآن لأنه هو الخاتم. وبالتالي فإن اللغة العربية ستكون لغة هذه الحركة العالمية العظمى المستمرة أبداً. فمن الطبيعي أن يقسم الله سبحانه وتعالى بالقرآن ويؤكد مراراً انه قرآن عربي.

 الفصل الثامن
هنا.. يجري استعداد أمريكا واليهود لمعركة نهاية العالم
<< كيسنجر: طبول الحرب تدق.. واسرائيل ستحتل نصف المنطقة


 
الحياة بدأت في الشرق الأوسط على الأغلب، ثم بدأت فيه الحضارات الانسانية. ولكن لابد من وقفة عند مصطلح "الشرق الأوسط" قبل أن نكمل، وكان من المفترض أن أبدأ الدراسة بهذه النقطة. ولكنني كنت في حيرة من أمري فقد وطنت نفسي ألا أستخدم مصطلحات أجنبية إلا إذا كان البديل العربي غير موجود أو غير ممكن. والحقيقة فإن مصطلح "الشرق الأوسط" ليس أجنبيا في ألفاظه، ولكن الغرب هو الذي نحت هذا المصطلح، ولذلك فضلت دائما مصطلح "المستطيل القرآني" وهو ضروري لأننا نتحدث عن القرآن وما ورد فيه، ولكن كنت أميل أيضا للاكتفاء به واستبعاد مصطلح الشرق الأوسط  the middle eastفلقد أطلق الغربيون مصطلح الشرق الأوسط على منطقتنا باعتبار أن الصين وجنوب شرق آسيا (الشرق الأقصى) بالنسبة لهم، فنكون نحن (الشرق الأوسط) بالنسبة لهم وأحيانا كانوا يطلقون عليه (الشرق الأدنى) أي الأدنى أي الأقرب لهم!! وباعتبار أنهم هم مركز العالم الذي ينظر إلينا، ويتحكم فينا ويستعمرنا، وقالوا لنا: (أنتم اسمكم الشرق الأوسط.. فاهمين؟!) فقلنا (سمعاً وطاعة) وذلك حتى تسقط مصطلحات العروبة والاسلام. وهذا ما زحف بالفعل على حديث معظم المحللين العرب الذين يتحدثون عن "الشرق الأوسط" أو "الاقليم" ولا يقولون المنطقة العربية أو الوطن العربي أو منطقة قلب العروبة والاسلام...الخ
وعندما كان المسلمون يحكمون العالم لم يكن هناك مصطلح الشرق الأوسط بل كان هناك مصطلح (الشرق والغرب) الشرق يشير إلى الصين وما حولها والغرب يشير إلى أوروبا ثم أمريكا من بعد. فقد كنا نحن مركز العالم. وكانت إحدى صفات الخليفة العثماني انه "رئيس العالم" أو "حاكم العالم".!!.

ورغم كل ذلك فانني أستمحيكم عذراً في الاستمرار في استخدام مصطلح "الشرق الأوسط" مترادفاً مع المستطيل القرآني، حتى تعتاد الأذن على الأخير وأيضا لأننا نفهم التوسط هنا بمعنى آخر، بمعنى انه وسط العالم.

فهذه البقعة الوسطى هي التي تحكم العالم، إما بنفسها أو من خلال سيطرة المغيرين عليها.. كضرورة للسيطرة على العالم وليس بالضرورة لجعل مقر حكم الدولة العظمى فيها. كما سنوضح تاليا من صحاف التاريخ والحاضر.

وكأن الحياة اذن قد بدأت في الشرق الأوسط أو على الأقل لنقل بؤرة الحياة وأكثر بؤر الحياة تطوراً حيث تحولت إلى أولى الحضارات. فالحضارات لا تأتي هكذا من الهواء!.

أهتم بمراجعة الدراسات الغربية لأنها تمثل شهادة محايدة غير متحيزة لبلادنا وهناك علماء يبحثون عن الحقائق ويمكن الاستفادة من جهودهم بالفعل في شتى المجالات.

تقول آخر الدراسات الغربية ما يؤكد ان الحياة أو الحياة المتطورة بدأت هنا في الشرق الأوسط، ومن أهم علامات ذلك ان بداية تدجين الزراعة والحيوان كانت في فلسطين- سوريا- جنوب شرقي تركيا- شمال العراق- غرب إيران.

 والمقصود بالتدجين الانتقال من مجرد جمع الثمار من الطبيعة، إلى استخدام بذور بعض المزروعات لزراعتها بشكل منظم، وتدجين الحيوان يعني استئناسه وتربيته بشكل منظم في المزارع وعدم الاكتفاء بقنصه في الصيد.

وفي عام 9600 ق.م شهدت هذه البقعة ثورة العصر الحجري الحديث. وفي عام 9500 ق.م بدأت الزراعة المنظمة للقمح والشعير في أريحا والقمح والبازلاء والعدس في منطقة (تل أسود) بأقصى شمال سوريا وفي قرية أبو هريرة على نهر الفرات، وتقع هذه المناطق عموما في خاصرة جبلية تسمى (وادي النطوف).

ولم تنتقل الزراعة المنظمة من الشرق الأوسط إلى أوروبا إلا بعد 3 آلالاف عام (!!) أي في 6500 ق.م.

أما انجلترا لبعدها الجغرافي وكجزيرة منعزلة فقد ظل سكانها يعيشون على الصيد وجمع الغذاء لمدة 5500 عام أخرى، حتى تعلموا من مهاجري الشرق الأوسط الزراعة والرعي!.

وظلت انجلترا تعيش في تخلف حتى عن باقي أوروبا حتى الحقبة الرومانية. وفي ذلك الوقت (2500 ق.م) بنت مصر أهرامات الجيزة!.

قبل ذلك أي في عام ( 3500) ابتكرت أوروك أو أور عجلة الخزاف والعجلة (اختراع العجلة الذي يتحدث عنه المثقفون كثيراً!!) والمفترض أن أور بالعراق كانت بلد سيدنا ابراهيم التي هاجر منها إلى فلسطين. وفي نفس الفترة ظهرت مدن كبرى في مصر.

في موسوعة تاريخ مصر لأحمدد حسين، والتي صدرت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، جاء فيها إن بداية مظاهر الحياة والحضارة توجد آثار عليها عمرها 14 ألف عام وهي تقديرات قريبة ولكنها أقدم من منطقة سوريا وفلسطين. ولا شك أن هناك أبحاث وكشوف أكثر خلال النصف قرن الماضي ربما تصل إلى مدى أبعد من 14 ألف سنة. (علينا أن نكف عن: مصر 7 آلالاف سنة حضارة!!).

نهر النيل العظيم الذي كانت له فروع شتى كان منطقة جذب كبرى بعد بداية الجفاف في الصحراء الكبرى في غرب أفريقيا، وكانت جموع كبيرة تتجه إلى الوادي وإلى حيث المياه. ولذلك فإن معظم الدراسات التاريخية تتراوح في تقديراتها بين مصر ووادي الرافدين (العراق) كأقدم حضارات في العالم.

ونحن نعلم حتى وفقا للمجرى الحالي أن نهر الفرات يخترق سوريا. وتقول دراسة أخرى أن أريحا هي أقدم مدينة في التاريخ . كل هذه "المسابقات" العلمية تدور كلها داخل المستطيل القرآني، ولسنا معنيين هنا بالتفاصيل أكثر من ذلك، ومن الممكن الرجوع إلى موسوعة تاريخ مصر- أحمد حسين- (دار الشعب).

والطريف أن بعض دراسات الغرب التي تولاها يهود ليست بريئة وهي تركز اهتمامها بدراسات الشرق الأوسط التاريخية للبرهنة على صدق معلومات التوراة المحرفة، فهم يهتمون بحضارة الشرق الأوسط بحثا عن الدور العظيم للعبرانيين، وباعتبارهم هم أصل الحضارة الغربية ويؤكد ذلك أن الشرق الأوسط هو مسرح أحداث التوراة والانجيل، وبالتالي فإن الفكر المسيحي الصهيوني المهيمن على أمريكا الآن يكرس الدراسات التوراتية واللاهوتية والشرق أوسطية ليؤكد حقيقة (أن الغرب هو وريث الحضارة اليهودية- المسيحية) التي أقيمت في الشرق! (كاترين كينون) {اختلاق اسرائيل القديمة- كيث وايتلام- سلسلة عالم المعرفة- سبتمبر 1999} والمسيحية الصهيونية تعد المسرح في الشرق الأوسط لإقامة الألفية السعيدة لحكم المسيح الذي سيعود ثانية، بينما اليهود ينتظرونه للمرة الأولى!! (راجع كتاب.. أمريكا طاغوت العصر للمؤلف).

إن متابع خطط الغرب أو التحالف الأمريكي- اليهودي، أو البروتستانتي- اليهودي الذي يحكم أمريكا سيدرك أهمية هذه الدراسة، ولماذا نحن نهتم بالمستطيل القرآني، أو بالجغرافيا السياسية للقرآن، فهنا يجري الاستعداد لمعركة نهاية العالم.

هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق ومسئول الأمن القومي والحاكم الفعلي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، وهو اليهودي والعضو الفاعل في منظمة "بيلديلبرج" التي يشاع انها الحكومة التي تحكم العام أو الهيئة الاستشارية لهذه الحكومة الخفية. هو لا يطلق التصريحات على عواهنها وهو يردد من حين لآخر في أحاديث صحفية، أن هناك خطة لدى الجيش الأمريكي لاحتلال 7 دول في الشرق الأوسط وهذا ما حدث بالفعل (6 دول الخليج + العراق) ويقول انه لم يبق إلا خطوة واحدة وهي ضرب إيران. وهو يتحدث عن صدام كبير قريب مع روسيا والصين ويسميها (الحرب العالمية الثالثة) (ولن تنتصر فيها سوى قوة واحدة هي اسرائيل وأمريكا وسيكون على اسرائيل خلالها القتال بكل ما أوتيت من قوة وسلاح لقتل أكبر عدد ممكن من العرب واحتلال نصف الشرق الأوسط. ان طبول الحرب تدق بالفعل في الشرق الأوسط والأصم فقط هو من لا يسمعهاا.
واخيراً كشف هنري كيسنجر اليهودي عن نفسه وهويته وانتماءه وانتماء امريكا حين قال أن هذه الحرب العالمية (ستمكن أمريكا الماسونية- لاحظ حكاية الماسونية التي تقال لأول مرة- من بناء مجتمع عالمي جديد لن يكون فيه مكان سوى لحكومة واحدة تتمتع بالقوة الخارقة) هذه الألفاظ موجودة بالنص في بروتوكولات حكماء صهيون الذي يقول بعض مثقفينا انه مزور!!.

الحلف المسيحي- اليهودي يشعر انه على وشك الانتصار (وهذا وهم كبير ولن يتحقق بإذن الله) فبدأ يكشف أوراقه كلها من خلال هنري كيسنجر وغيره وهو قريب جدا من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وهو المستشار الفعلي والمباشر لكل الحكام الجمهوريين.
******************
إذن فحديثنا الطويل عن كل ما ورد في القرآن الكريم محصوراً في هذا المستطيل وكل الدراسات العلمية التاريخية التي تؤكد أن هذا الشرق الأوسط هو مركز العالم، كل هذه ليست مسألة تاريخية بقدر ما تشير إلى الحاضر والمستقبل. ولو أننا سنغوص ان شاء الله في أمور استراتيجية عديدة. ولكن لا بأس من الاشارة السريعة الآن أو التذكرة، بان مشروع الصهاينة لم يتوقف يوماً على فلسطين بل قام أساساً على مشروع من النيل إلى الفرات، وليس هذا فحسب فالهدف هو السيطرة على المنطقة والعالم.

قال بن جوريون أول رئيس وزراء اسرائيلي ومن مؤسسي دولة اسرائيل (ان حدود اسرائيل يجب أن تتضمن جنوب لبنان وجنوب سوريا والأردن وشرقي الأردن بالاضافة إلى سيناء).

وبمناسبة مشروع تقسيم فلسطين الذي طرحته الأمم المتحدة يقول: (قبول التقسيم لا يلزمنا بأن نتنازل عن شرقي الأرض، ولا يستطيع أحد أن يطلب من الآخرين أن يتخلوا عن أحلامهم. سوف نقبل بحدود الدولة كما ستحدد الآن، ولكن حدود الآمال الصهيونية هي شأن الشعب اليهودي وحده ولن يستطيع أي عامل خارجي الحد منها. القدس كانت وستظل عاصمتنا إلى الأبد. أرض اسرائيل سوف تعود إلى شعب اسرائيل برمتها وإلى الأبد) 1948
ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين نرى اسرائيل قد حققت معظم هذه الأطماع فاحتلوا القدس وكل فلسطين بضفتها الغربية وغزة واحتلوا سيناء وجنوب لبنان وجنوب سوريا، ومازالوا يهددون بضم الأردن (شرق نهر الأردن) وهم انسحبوا من سيناء بعد حرب 1973، ولكنها لا تزال رهينة في أيديهم ولا يزال تسليحها خاضعاً للمراقبة لاسرائيلية- الأمريكية.

وانسحبوا من جنوب لبنان وغزة تحت ضربات المقاومة الموجعة.

 ولكن ليس هذا هو كل مشروع أرض اسرائيل، فأرض اسرائيل تشمل معظم المستطيل القرآني، أي من النيل إلى الفرات كما ورد في التوراة.

والخريطة تشمل بعد سيناء شرق الدلتا حتى نهر النيل حتى سوريا والعراق حتى الكويت بالاضافة لجزء من الجزيرة العربية حتى المدينة حيث كان يقيم اليهود قبل البعثة المحمدية!.

هذه هي خريطة السيطرة العسكرية والضم المباشر، إلا أن الهدف الأشمل هو السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الشاملة على المنطقة بأسرها. والقيادة اليهودية العالمية تستهدف السيطرة على العالم بأسره من خلال السيطرة على أمريكا وغرب أوروبا وهذا ما تحقق تقريبا. واليهود لم يتوقفوا عن العمل لهذه الأهداف، فالقدس ضمت لاسرائيل واعتبرت عاصمة أبدية. وكل الضفة الغربية لن يتنازلوا عنها وتم ضم الجولان (جنوب سوريا كما قال بن جوريون).

وكما ذكرت هم لم يخرجوا من جنوب لبنان وغزة إلا بالضرب على رؤوسهم بالمقاومة. وهم يركزون على السيطرة الشاملة الاقتصادية من خلال ما سمي مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهو لم يستقر رسميا، ولكنه يقام فعليا بالتدريج، كمشروعات الكويز مع مصر والأردن.

وافتتاح مراكز تجارية مع بعض دول الخليج والعلاقات التجارية المفتوحة مع المغرب (وطبعا مع مصر والأردن بعيداً عن الكويز وهو اتفاق يختص بالتعاون الصناعي!).

وبالاضافة لذلك فلإسرائيل علاقات اقتصادية وعسكرية واسعة مع تركيا تم استئنافها بعد حل مشكلة السفينة مرمرة، وتصل إلى قيام اسرائيل بإصلاح وتطوير الطائرات الحربية ف 16 الأمريكية الصنع لدى تركيا. حدثت علاقات سياحية مع تونس وهكذا. ولكن الأهم من كل ذلك ان جميع حكام العرب إلا قليلا يخطبون ود اسرائيل ويتجنبون جرح مشاعرها وأخرجوها بالفعل من دائرة الخصوم والأعداء. وهذا هو الانجاز الأكبر لاسرائيل أن تصبح دولة مشروعة وشرعية في المنطقة وإن كانت توجد بعض الخلافات معها والتي أصبحت تسمى (الخلافات الفلسطينية- الاسرائيلية).

والجديد في الصراع داخل الاقليم المتوسط (الشرق الأوسط) أو المستطيل القرآني، الجديد أن المصارع الأجنبي أصبح مستوطنا داخل الاقليم (اسرائيل) وهذه هي التجربة الثانية بعد الاستيطان الصليبي الأوروبي الذي نجح المسلمون في إجلائه بالكامل بعد عنت كبير.

الآن نحن لدينا اسرائيل المتمددة المتحالفة مع أكبر قوة عسكرية في العالم (أمريكا) الأمر جد خطير (انه لقول فصل وما هو بالهزل). الصراع حول المستطيل ومن داخله، هو صراع على العقيدة والسيادة والحقوق الوطنية والشرف والعزة. وهناك من اختار الذلة ورأى ان الحل هو الارتماء في أحضان الغزاة، وأن نتعاون معهم ضد ايران، وهم أغلب حكام العرب.

بينما المستطيل القرآني هو أرضنا وبلادنا ومقدساتنا، والموت دونها هو أبسط ما نقدمه.

إذن مسألة "الاقليم المتوسط" أو "الشرق الأوسط" أو "المستطيل القرآني" ليست مسألة تاريخ ولكنه أيضا مسألة حاضر ومستقبل. والتاريخ الذي أشرنا إليه مهم جداً حتى نفهم مانعرض له في الحاضر ومخاطر المستقبل الماضي موصول بالحاضر والمستقبل.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الجغرافية السياسية- أو الجيواستراتيجي- أي الاستراتيجية الجغرافية، أو الاستراتيجية عموما.

الجغرافية السياسية موجودة في عقول القادة النابهين عبر التاريخ ولكن بدون هذه التسمية. وكما قال الزعيم الفرنسي شارل ديجول فإن (من لا يعرف الجغرافية لا يفهم في السياسة).

نتحدث في الفصل التالي ان شاء الله عن الجغرافيا السياسية، كعلم حديث، ولكنه موجود في الواقع في العقول عبر الزمن. وعلاقة الجغرافيا بالسياسة وحركة المجتمعات من سنن الله التي نكتشفها بالتدريج. فنحن لا نكتشف القوانين الطبيعية (كالجاذبية) فحسب، ولكن نكتشف أيضا العديد من السنن الاجتماعية.

{ملاحظة: أرجو أن يلاحظ القارئ أنني استخدم أسلوباً خاصاً في هذه الدراسة وهو التفكير بصوت عال مع القارئ، حيث أقلب الأمور على وجوهها. ولكني أستقر في النهاية على رأي قاطع واحد، عدا أمور الغيب بطبيعة الحال فلا أقطع فيها برأي (كمسألة أين نزل سيدنا آدم).

أقول ذلك بمناسبة استخدام مصطلح المستطيل القرآني والشرق الأوسط والاقليم المتوسط. ولا أرى غضاضة في استخدام أي منهم للأسباب المذكورة أيضا. وكما سيأتي بعد في الحديث عن مصطلح الاستراتيجية}.

 الفصل التاسع
 انجيل أمريكا: مصر والشرق الأوسط أساس السيطرة على العالم
<< هتلر هُزم لأنه لم يدرك أهمية الاقليم المتوسط
<< التوسط الجغرافي ضروري لنشر الدعوة وبناء الدولة القادرة

 

ما الحكمة الالهية في مسألة المستطيل القرآني؟ سيقول قائل: انه لا يوجد نص صريح في القرآن يتحدث عن هذا المستطيل المزعوم ففيما نتحدث؟ّ!.

وأقول لهم هذا نوع من تدبر القرآن الكريم اللذي أمرنا به الله عز وجل: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)
إن اقتصار المواقع الجغرافية في القرآن الكريم على نفس المساحة التي تسمى الآن (الشرق الأوسط) والتي شهدت مطحنة عالمية واقليمية منذ الاسكندر الأكبر والبطالمة حتى الرومان والعرب والفرس والمغول والصليبيين ثم الاستعمار الغربي الحديث، والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة حيث كانت ولا تزال المواجهات شاملة وخطيرة وحاسمة وكانت نتيجتها هي التي تحدد مصير العالم في اللحظة المحددة. والآن وبعد 14 قرن ونيف من نزول القرآن فلا حديث في العالم (باستثناء كوريا الشمالية بين حين وآخر) إلا العراق وسوريا ولبنان وايران وداعش والأكراد وفلسطين واليمن وتركيا- هذه هي القضايا الأهم في العالم- وبعد ذلك تاتي أي قضايا دولية أخرى ثم القضايا الداخلية لكل دولة في العالم.

وقد كان أول من التفت لمسألة الخريطة القرآنية هو د.عبد العزيز كامل وزير أوقاف مصر في الستينيات من القرن العشرين، وهو مفكر اسلامي لامع كان منضماً للاخوان المسلمين وكعادة كل المفكرين فانهم يهجرون الاخوان أو يتخلص الاخوان منهم. وفي رواية أخرى أن حسن البنا كان يسميه صاحب العقل الذهبي.

وقد أخذت الفكرة من د. عبد العزيز كامل في دراسته المختصرة وطورتها في دراسة: السيرة النبوية (سنن التغيير)، ثم هذه الدراسة.

ومع ذلك فإن مسألة "المستطيل" أو "الاقليم المتوسط"، وكما تلاحظون فأنا لست متردداً ولكنني أفكر معكم (أيها القراء الأكارم) بصوت مرتفع.

وارى الآن ان الاسم الأكثر مناسبة هو "الاقليم المتوسط" وليس الشرق الأوسط. لقد كتبت في دراسة السيرة النبوية فقلت في البداية انه المربع القرآني ولكنني اكتشفت انه أقرب إلى المستطيل وقلت ذلك في الدراسة، رغم أن كلمة المستطيل ليست رومانسية!! ولكن سأظل أستخدم مصطلح "الشرق الأوسط" كمترادف ثالث حتى يتطابق كلامنا مع أحاديث الغرب عن الشرق الأوسط وحتى لا يتصور أحد أننا نتحدث عن مكان آخر!.

أقول ومع ذلك فإن مسألة "الاقليم المتوسط" أو "المستطيل" يمكن استنتاجها أيضا بدون تكلف أو لي لذراع الآيات من القرآن الكريم.

ويظهر ذلك كما ذكرت من الآيات العشر حول عربية القرآن فمن أين سينطلق هذا القرآن وتنطلق دعوته إلا من هذا المكان. ومنذ أنزل حتى يوم الدين (راجع فصل اللغة العربية).

كذلك هناك آيات ربما لا يلتفت إليها احد، فقد ذكر الله عز وجل وهو يخاطب سيدنا محمد ان هذا القرآن الكريم (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) الزخرف 44 وانه حديث مباشر عن مسئولية العرب عن نشر الاسلام وانهم سوف يسألون يوم القيامة عما فعلوا في هذه المهمة العظمى.

إذن نحن أمام مسئولية خطيرة وليس أمام مجال للفخر والافتخار والتعالي. وأيضا عندما يقول الله عز وجل (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ) الشورى 7.. ويشير بعض المفسرين إلى أن التبشير بهذا القرآن لا يقتصر على بعض القرى والقبائل حول مكة، بل هو انذار للناس جميعا ليوم الجمع أي يوم القيامة، وإذا لم نأخذ بهذا التفسير فكأننا نقول ان هذا القرآن نزل للأمة العربية وحدها!!.

كذلك هناك آية تتكرر بالنص 3 مرات تؤكد حقيقة الصراع العالمي وانه آت من كل بد.. وقد حدث بالفعل بعد وفاة الرسول بسنوات محددة بل حدثت بوادره في حياته صلى الله عليه وسلم في الغزوات ضد اليهود وبغزوة مؤته ثم تبوك ثم ما أمر به في فراش الموت (بعثة أسامة للشام) والتي أخرجها أبو بكر الصديق رغم كل الظروف الصعبة بوفاة الرسول وبدايات الردة.

وهذه الآية الكريمة تقول: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) التوبة 33- الفتح 28- الصف 9 مع خلاف في الخاتمة. بل كل ما ورد في القرآن في محور أساسي له عن صراع الكفر والايمان، مع النصارى (المقصود المحاربين منهم) واليهود وتحذير الله عز وجل من موالاة الكفار دون المؤمنين، سنجد أن هذا أهم موضوعات القرآن الكريم بعد الايمان بالله، وهو أيضا جزء لا يتجزأ من هذا الايمان.

إذن أين ستكون ركيزة المؤمنين في هذا الصراع، أليست دولة الاسلام التي أقامها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب، وما بشر به من القضاء على نفوذ الرومان وحكم الأكاسرة في فارس. لن تكون ركيزة دولة الاسلام في سيبريا (شمال روسيا)، رغم وجود مسلمين بها، ولن تكون في جنوب أفريقيا رغم وجود مسلمين بها.

الحكمة الالهية في مسألة "المستطيل المتوسط" تستند إلى مسألتين وفقاً لاجتهادي المتواضع:

(1) التوسط الجغرافي مهم جداً لنشر الدعوى.

(2) التوسط الجغرافي أساس لبناء دولة قيادية قوية قادرة على حماية نفسها أولا.. في الحد الأدنى، وقادرة على قيادة العالم أو المشاركة في قيادته  بصورة محكمة.

والحقيقة فإن المسألتين هما في الواقع مسألة واحدة.. لأننا لا نفصل بين الدعوى والدولة فهما هدفان متداخلان (ليظهره على الدين كله) وهذا يشمل الظهور المعنوي بانتشار الفكر والمفاهيم الاسلامية وانتشار الدخول في الدين الاسلامي، (وهذا ما يحدث الآن ومنذ فترة) والظهور المادي.. وهو ظهور دولة اسلامية عظمى لم يعد يفكر فيها إلا قليل من المسلمين!!.

(1) التوسط الجغرافي لنشر دين الله:

في هذا "الاقليم المتوسط" ولاحظ التسمية الدقيقة للبحر الأبيض بالمتوسط، وشرق البحر المتوسط لصيق تماما وهو المياه الاقليمية بالمستطيل القرآني.

في هذا الاقليم المتوسط وبعد كل ما ذكرناه ماذا بقى على الأرض مادياً؟! بقيت المراكز الروحية الأساسية للمسلمين.. مكة- المدينة- المسجد الأقصى- المسيحيون: كنيسة القيامة وكل أماكن حركة السيد المسيح وهي في فلسطين.

اليهود: يقيمون مزاعمهم حول هيكل سليمان في القدس، ويظهر حتى الآن انها كذبة كبرى. فلا يوجد ولم يوجد يوما هيكل لسليمان (سنناقش هذا تاليا ان شاء الله)، ولكنهم يرتبطون بكل الأماكن والمعالم التي ورد ذكرها في التوراة وهي كلها في فلسطين وسيناء.

إذن بين القدس ومكة والمدينة تتركز معظم أو كل الرموز والمراكز الروحية للأديان الثلاثة . وحتى الأديان الضامرة سنجد لها مجاميع قليلة في شمال العراق وسوريا كالصائبة وعبدة النار والزرادشت والأيزيديين. وطبعا معظم الطوائف القديمة والمعروفة لكل الأديان الثلاثة ممثلة في المستطيل القرآني (الاقليم لمتوسط).

وما يهمنا الآن هو المشيئة الالهية.. والتي لا دخل للبشر فيها، ولا للتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

 فالله سبحانه وتعالى هو الذي اختار هذا المكان لأقدم مسجد وضع للبشر في مكة (الكعبة) سواء كانت الكعبة قد بنيت قبل سيدنا ابراهيم وتهدمت على أحد الآراء، أو هو الذي بناها لأول مرة، ولكن الله حدد له القواعد والمكان تحديداً.

 ومن قبل فان الله هو الذي أمر سيدنا ابراهيم بأن يضع أهله عند المسجد الحرام الذي لم يكن ظاهراً (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ). وستنا هاجر هي التي ضربت بقدمها فخرج ماء زمزم الذي مازال يتدفق حتى الآن.

نحن إذن أمام ترتيب الهي عجيب لا يمكن أن يفهمه إلا من سافر للحج أو العمرة ولو مرة واحدة في فصل الصيف.. ربنا سبحانه وتعالى اختار هذا المكان القفر وكأنه محمي بالصحراء القاحلة والحرارة الشديدة، غلاف يحمي الكعبة بمئات الكيلومترات من الصحراء من كل الجهات. ولا يوجد في مكة ما يغري أي قوة عظمى أو استعمارية أن تاتي وتحتل هذا المكان، ولعل هذا من أهم أسباب عدم تفكير الرومان في غزو دولة المدينة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم. حقاً ان الله سبحانه وتعالى يعصم الرسول، ويحمي الكعبة (كما حدث في غزو أبرهة) ولكن الله سبحانه وتعالى وقد أعلنت مشيئته وقف المعجزات التي كانت تترافق مع الأنبياء وقد انقطعت مسيرتهم، فإن الله سبحانه وتعالى يضع من القوانين الطبيعية والاجتماعية الاطار الملائم لحركة المؤمنين، وعليهم أن يأخذوا بالأسباب.

إذن هذه هي أول وأهم ميزة للكعبة أنها محمية بالصحراء والمناخ القاسي، ولكن الله سبحانه وتعالى وفر الحد الأدنى من المياه للمعيشة والزراعة والرعي لتظل الحياة تدب في جزيرة العرب وحول مكة التي أصبحت مركزاً تجاريا (وهذا من دواعي الانتعاش الاقتصادي)، ونوعاً من العاصمة السياسية والاقتصادية والثقافية لجزيرة العرب. إذن فلم تكن الحياة في مكة ميتة بل تتسم بالحد الأدنى من الحيوية والتجمع السكاني، حتى يكون وسطا معقولا لاستقبال الرسالة التي ستغير مجرى حياة البشرية.

ثانيا: في اختيار مكان الكعبة ومكة نلاحظ هذا التوسط الجغرافي.

منذ سنوات بعيدة قرأت دراسة جغرافية في إحدى المجلات الاسلامية توضح كيف أن الكعبة بإحداثيات دقيقة تقع في الوسط من أي بقعة في العالم، وطبعا هنا لا يهم أن نبرهن على التوسط بهذه الدقة. ولكن ما يهمنا هو التوسط بشكل عام.

اليابسة تمثل حوالى 30% من مساحة الكرة الأرضية ووفقا لعلماء الجيولوجيا فانهم متفتحون على أن اليابسة كانت كتلة واحدة فكانت آسيا وأفريقيا وأوروبا كما هي الآن وكانت الأمريكتان ملتصقتان بأوروبا وأفريقيا وانفصلتا عام 1500 ق.م ويقولون ان هذا تم بسبب ذوبان الجليد، وقد يكون بفعل زلازل.

وبالمناسبة هذا موعد قريب وليس بعيداً بمقياس تاريخ الأرض والبشر. ولكن في علم الله أن هذا سيحدث، وفي علم الله أيضا أن تطوير وسائل النقل البحري والجوي لن يجعل من الأمريكتين بعيدتين جداً.

ولكن إذا ركزنا على الكتلة الأساسية لليابسة وهي القارات الثلاث (آسيا- أفريقيا- أوروبا) ويمكن أن تضاف استراليا التي انفصلت عن البر الآسيوي في وقت ما، إذا ركزنا على هذه الكتلة الأساسية لليابسة سنجد أن الكعبة قريبة جدا من التوسط بين مختلف البلدان والمحاور والاتجاهات. وحتى لا يقال أن الأرض ككرة القدم وأي نقطة منها يمكن أن تكون متوسطة . فهذا كلام غير واقعي فالأرض ليست كالكرة تماما بل هي بيضاوية وتعاني من التفلطح المتزايد في القطبين الشمالي والجنوبي. كذلك فإن المناخ ليس متساوياً، فهناك مناطق خط الاستواء حيث الهطول المستمر للأمطار والحرارة والرطوبة، وهناك خطوط الجليد (شمال أوروبا- شمال أمريكا- شمال روسيا)، أما القطب الجنوبي فهو يكاد يخلو من السكان.

وعلى سبيل تنشيط الذهن وضرب الأمثال، تصور لو كانت الكعبة في أندونيسيا أو في سيبريا أو في شيلي، فلا شك أن السفر إليها سيكون مشقة بالغة وربما تؤدي إلى الموت بالنسبة لكبار السن (إذا أخذنا مثال سيبريا!) كان الحجاج قبل وسائل النقل الحديثة يأتون سيرا على الأقدام أو على الجمال من مختلف أنحاء البلاد العربية ومن أواسط آسيا وأفريقيا. (السير على الأقدام كان مشهوراً في النطاق العربي) وبعض التابعين كانوا يفعلون ذلك تقرباً إلى الله. ولكن كان معقولاً أن يأتي الحجاج من أقصى المغرب وغرب أفريقيا بقوافل بالجمال وغيرها. ومن أواسط آسيا. وأيضا كان استخدام الوسائل البحرية ميسراً من البحر الأحمر. ومع تطور وسائل المواصلات فإن الشعور بالقرب الجغرافي أصبح واضحاً لجميع الحجاج عدا الصين والأمريكتين، وإن كانت رحلة الطائرة منها تأخذ حوالي 10- 12 ساعة، وهذه مسافة زمنية معقولة.

إن الله ييسر على الناس ويحب اليسر لا العسر، ومكان الكعبة الحالي أيسر السبل وأقربها للجمع الأكبر من المسلمين، خاصة وأن فقراء الحجاج يحملون معهم بعض الزاد للغذاء توفيراً للنفقات.

والقضية كما ذكرنا ليست مجرد أداء مناسك الحج والعمرة، فالتوسط هنا يفيد ويساعد وييسر في نشر الدعوة في كل الاتجاهات كما ذكرنا من قبل، لأن مكة والمدينة ستظلان تشعان للعالمين.

(2) التوسط الجغرافي أساسي لبناء الدولة الاسلامية القوية والقيادية:

هنا نود الاشارة إلى مثال محير ومثير للتساؤلات، وهو مثال الصين، فقد كانت الصين دوما مركزاً حضاريا قديما (علماء التاريخ مازالوا يركزون على أن مصر وبلاد الرافدين هما أقدم حضارة ويستبعدون الصين زمنيا).

كذلك فإن وقوع الصين في طرف العالم محاصرة أو محاطة بالمحيط الهادي من ناحية الشرق والجبال والتضاريس الصعبة من ناحية الغرب، ربما أدى إلى الميل الصيني التاريخي للعزلة حتى وصل بهم الأمر إلى بناء سور الصين العظيم لحماية الدولة من الغزوات الخارجية، وتأمين المملكة، حتى أصبح هو الرمز الأول للصين. بدأ بناؤه 264 ق.

 م وانتهى في عشر سنوات، طوله 2400 كيلومتر في خط مستقيم، يتراوح ارتفاعه بين 6 و 10 أمتار وعرضه 8 أمتار عند القاعدة. وقد حاولت الصين الخروج من عزلتها ولكنها سرعان ما كانت تعود لتنكفئ على نفسها. فهناك دراسات عن تنظيم رحلات بحرية للشاطئ الأمريكي قبل كريستوفر كولومبس، ولكن المؤكدد أن الصين طورت صناعة السفن وبنت أسطولا تجاريا متطوراً قبيل فترة النهضة الأوروبية وان هذه السفن كانت تسافر عبر المحيط الهندي إلى الساحل الشرقي لأفريقيا ولكنها لم تواصل وعادت وانكمشت.

والآن ربما نحن أمام محاولة معاصرة للخروج الحذر من العزلة في شكل تجاري- اقتصادي- استثماري مع كل دول العالم، ومع زحف تدريجي على الشرق الأوسط.

فيما يتعلق بموضوعنا نقول أن الصين حققت تقدما حضارياً كبيراً عبر التاريخ وينسب إليها صناعتات الحرير والبارود والطباعة والخزف الصيني (لاحظ اسمه الصيني) والمنسوجات ومصنوعات أخرى عديدة. وأن الصين بمعنى (عزوفها عن التوسع الاستعماري) فإن ذلك لم يعني عزلة اقتصادية فظلت الصين محوراً أساسيا للتجارة العالمية وهذا هو السبب الرئيسي لما يسمى طريق الحرير، حيث كانت هذه الطرق البرية تنقل مصنوعات الصين لباقي آسيا وحتى أوروبا والشرق الأوسط. وبعد اكتشاف أمريكا وما بها من ذهب وفضة فقد استخدمت هذه الثروة في شراء المنتجات الصينية.

ما يهمنا هنا أن موقع الصين المتطرف جغرافيا جعلها خارج بؤرة الأحداث العالمية الكبرى، وجعلها هي نفسها تميل للعزلة، حتى جاء زمن السيطرة على الكرة الأرضية القرن 19- 20 فبدأ الغزو الغربي الأمريكي للصين، لأن هذا الاستعمار الغربي لا يريد أن يترك بقعة في الأرض بعيدة عن سيطرته.

في العصر الحديث بدأ ينشأ علم الجغرافيا السياسية وهو لابد أن ينشأ عند الدول العظمى لأنها تريد السيطرة على العالم. وتضع الخطط لاحتلال العالم. وكان من أبرز هؤلاء ماكيندر (الانجليزي) وكان يرى أن السيطرة على قلب اليابسة (أوروآسيا) أي الكتلة البرية الأوروبية- الآسيوية يعني السيطرة على العالم. ولكن من أجل ذلك لابد من السيطرة على قلب أوروبا أولا ثم أوروآسيا ثم العالم. وهذه هي النظرية التي أودت بمشروع هتلر إلى الهاوية لأن علماء ألمان أقنعوه بها. ، وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية سار على نفس الخطة.

(1) السيطرة على ألمانيا. (2) السيطرة على أوروبا. (3) عندما تعثر احتلال بريطانيا أخطأ خطأ استراتيجيا واجتاح الاتحاد السوفيتي في وقت كان هناك اتفاق سلام مع نظام ستالين، وكان ستالين يقف على الحياد في الصراع الأوروبي. ولكن تأثرا بهذه النظرية الخاطئة ولأن الاتحاد السوفيتي يضم جزءاً من أوروبا وجزءاً كبيرا من آسيا (أي أوروآسيا) رأى ضرورة اجتياحه وضمه، فغرق في مستنقع لا أول له ولا آخر، وفرح الغرب بذلك وقدم كل المساعدات لستالين لإرهاق وهزيمة هتلر.

إذا كانت هذه النظرية خاطئة فما هي النظريات الصحيحة؟ النظرية الصحيحة- ولا تتعجب- هي نظرية المستطيل القرآني أو الشرق الأوسط!!.

إذن نظرية ماكيندر (التي ضيعت هتلر) تقول:
(1) من يسيطر على ألمانيا يسيطر على أوروبا
(2) من يسيطر على أوروبا يسيطر على الأوروآسيا
(3) ومن يسيطر على الأوروآسيا يسيطر على العالم.
أما النظرية الصحيحة:

فهي تلك التي كتبها ديفيد مستشار الشئون الخارجية للرئيس الأمريكي ويلسون خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها. وديفيد موظف بوزارة الخارجية الأمريكية وقد كتب مؤلفا كبيراً، خلاصته..انه يضع خطة لأمريكا كي تحكم العالم وهي رسالة ربانية أودعها الله لهذا البلد "العظيم" وخلاصة الخطة:

(1) أن من يحكم مصر يحكم الشرق الأوسط.
(2) ومن يحكم الشرق الأوسط يحكم العالم.

ديفيد لايبدو انه قرأ القرآن الكريم، ولم يصل إلى نظرية المستطيل القرآني، ولكن كما ذكرت في عدد من دراساتي، فإن البحث العلمي الدقيق والصحيح لابد أن تصل نتائجه إلى سنن الله التي أودعها في الكون وفي الأرض. لابد أن يلتقي الاثنان حتى وإن كان الباحث غير مسلم ولم يضطلع على القرآن.

هذا الكتاب يعتبر أنجيل أمريكا الحقيقي وهو موضوع في البيت الأبيض وعلى كل رئيس أمريكي جديد أن يقرأه ويعمل به.
(ونواصل الحديث)

 الفصل العاشر
رسول الله لم يسع إلى إقامة دولة اسلامية بالحبشة
** بعد الفرس.. الاسكندر والبطالمة والرومان يحكمون المستطيل
**مصر عندما كانت قوية امتدت من حدود تركيا حتى الصومال

 

لماذا الاقليم المتوسط (الشرق الأوسط) أهم مكان في العالم؟.

أولاً: ان الترتيبات الربانية تتواصل.. فالتشكيل الجغرافي لا دخل للبشر فيه، ووضع الكعبة في مكة لا اختيار للبشر فيه.. وأهمية المكان لا مجال لاختيار البشر فيه ولكن البشر يكتشفون هذه الأهمية بالممارسة الواقعية.

وفي إطار الترتيبات الربانية، فقد تم اكتشاف اكبر مكان واحتياطي للبترول في العالم في الخليج (وهو جزء لا يتجزأ في المستطيل القرآني) حوالي ثلثي الاحتياطي العالمي. والبترول كما نعلم- وحتى إشعار آخر- هو إكسير حياة الحضارة الحديثة، وأيضا أبرز وسائل الهيمنة الاقتصادية والعسكرية.

وتحول هذا المتغير الجديد الذي ظهر منذ أوائل القرن العشرين إلى سبب إضافي لكي يصحو العالم كل يوم ليطمئن على أخبار المستطيل أو الشرق الوسط: البورصات- رجال الأعمال- الجيوش- المراكز الاستراتيجية- الدول الصناعية...الخ وظهرت مسألة الطاقة الشمسية وبلاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أفضل مواقع انتاجها وهذه لا تنفذ!.

ولكن حتى قبل النفط.. وبعد نفاذه يوما ما.. لماذا يكتسب هذا الاقليم المتوسط أهميته في العالم؟! وهناك أشياء معروفة كنا ندرسها في المدرسة (لا أدري هل ما تزال موجودة في المناهج أم لا؟!.

نحن هنا أمام عنق العالم القديم كله (لندع الأمريكتين مؤقتا). في هذا المستطيل نجد عقدة كل الطرق العالمية البرية والبحرية. فهي نقطة إلتقاء القارات الثلاث الأساسية. فخط التجارة الآسيوي لابد أن يمر به من أجل تبادل المنافع مع المراكز الحضارية للشرق الأوسط وأيضا من أجل المرور لأوروبا وبعض مناطق أفريقيا. كذلك فإن خط التجارة الأوروبي يمر في نفس القنوات ولكن بالعكس..

خط التجارة العالمية أو خطوط التجارة العالمية كان أشهرها:

الطريق المشهور بالحرير لأن منتجات الحرير كانت من أهم البضائع التي يحملها من الصين وهو ليس طريقا واحدا كما يتصور البعض بل هو حزام من عدة طرق- فرع كان يصب في حلب وهذا ما أعطى لحلب أهمية تجارية منذ الزمن القديم. وفرع يصب في الخليج وفرع يصب في ميناء القلزم (السويس).

وهنا يتولى تجار الشرق الأوسط النقل البري حتى موانئ البحر المتوسط (وذلك قبل حفر قناة السويس). وكانت هناك خطوط بحرية تنتهي في موانئ شرق أفريقيا.

المهم هذه الطرق هي نفسها طرق تحرك الجيوش للاحتلال والسيطرة والضم.

الطرق الواصلة بين آسيا وأوروبا مباشرة طرق وعرة للغاية وغير آمنة وتوجد جبال الأورال أشبه بالحائط بين أوروبا وآسيا عدا الجزء الجنوبي المفتوح ولكنه ليس سهلاً. وهي مناطق أرمينيا والأناضول وما حول البحر الأسود. وبالتالي فإن طرق الغزو الرئيسية لم تمر من هذه المسارات.

إذن من يسيطر على هذه المساحة المتوسطة سيتحكم في حركة العالم الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولا غنى لأي قوى عظمى من السيطرة عليها.

أما بالنسبة لحالة الولايات المتحدة التي تحولت إلى قوة عظمى في أقصى الغرب فهي أشبه بالجزيرة المنعزلة، وما كان لها أن تتحول إلى دولة عظمى إلا بانشاء أكبر قوة بحرية في العالم.

كان هذا ما فعلته انجلترا من قبل عندما كانت سيدة العالم.

كما ذكرنا فإن مساحة المياه حوالي 70% من الكرة الأرضية وهي تمكنك من الوصول إلى أي نقطة في العالم في أسرع وقت ممكن بالاضافة لامكانية تطويق وحصار الدول من الخارج.

ولقد دارت الصراعات الكبرى تاريخيا في العالم عادة بين قوة عظمى برية وقوة عظمى بحرية، وكان النصر غالبا للقوة البحرية. وهنا تظهر مرة أخرى أهمية الشرق الوسط لأنه يضم أهم البحار الدافئة التي تربط بين القارات الثلاث (البحر المتوسط- البحر الأحمر- الخليج) + الاطلال على المحيط الهندي. إذن فهو طريق الوصول والسيطرة، وطريق الحصار والتطويق بأقل الامكانيات (نسبيا)، تخيل: هل كان يمكن لبريطانيا أن ترسل قوات برية لاجتياح العالم من أوروبا إلى آسيا ومن أوروبا لأفريقيا بالطرق البرية (مستحيل).

ونفس الشئ بالنسبة لأمريكا الآن، فأمريكا ترسل القوات البحرية رأساً إلى الهدف بالاضافة لظهور القوات الجوية والنقل الجوي، ولذلك أيضا ظهرت أهمية القواعد العسكرية في مختلف أنحاء العالم، ولذلك كانت القوى العظمى القارية (أي البرية) دائما في موقف الأضعف.

الفرس كانوا قوة برية واليونان كانت قوة بحرية، لم يستطع الفرس السيطرة على اليونان رغم أنهم حاولوا بناء الأساطيل (ولكنها لم تكن نقطة قوتهم وتخصصهم). ولكن اليونان (الاسكندر الأكبر تمكن من احتلال فارس. أيضا كانت روسيا القيصرية في الموقف الأضعف دائما لأنها قوة برية. ولعل هذا يوضح للناس لماذا تتكالب روسيا على موطئ قدم في سوريا. وتسعى لموطئ قدم آخر في مصر أو ليبيا. وهذا يوضح أهمية ما تفعله إيران بتطوير قواتها البحرية بإمكانياتها الذاتية.

وكانت الدولة العثمانية قوة برية في الأساس و لم تتحول إلى قوة عظمى إلا عندما برعت في البحر وفي بناء الأساطيل الحربية حتى سيطرت على البحر المتوسط ثم على البحر الأحمر. وعندما ضعفت وهزمت في البحر هزمت بعد ذلك في البر. وكذلك كانت ألمانيا قوة برية بالأساس وحاولت التوسع بحرياً بالغواصات: ولكن ذلك جاء متأخراً وغير كاف.

فكما ذكرنا القوة البحرية تعطيك قوة حركة وسرعة توزيع قوات وقدرة على التطويق والحصار والتدمير عن بعد ودون تلاحم.

والآن لنترك التاريخ، يشرح لنا أهمية هذا الاقليم المتوسط (الشرق الأوسط أو المستطيل القرآني) قبل نزول القرآن وأثناء نزوله وحتى الآن بأكبر قدر ممكن من الاختصار حيث سنأخذ من التاريخ ما يهم في توضيح فكرة أن من يسيطر على الاقليم يسيطر على العالم. سيقول البعض: يا أخي نحن لا نريد أن نسيطر على العالم ونريد أن نعيش في أمان ونأكل "عيشاً"!.

إذا كنت من هذا الصنف ننصحك بالهجرة إلى أطراف العالم في أي قارة من القارات. لأن هذا المستطيل لن يترك في حاله وإذا لم يسيطر أهله عليه سيتعرضون للاستعمار والاستعباد والاذلال. فإذا كنت تحب الاذلال وحياة العبودية يمكن أن تبقى وتحاول أن تبحث عن الخبز.
مصر القديمة:

نبدأ بمصر القديمة كأول دولة مستقرة في العالم، وهي بطبيعتها في قلب الاقليم المتوسط أو كان في ذلك الوقت الاقليم المركزي. وعندما تكون مصر في قوتها فهي تمتد لحدود الأناضول (تركيا) أي تضم الشام كله أو ما كان يسمى اقليم الشمال وتصل إلى حدود العراق وتضم شرق ليبيا وشمال السودان وبلاد بونت (الصومال) وكانت بعثات البونت إلى مصر تأتي لأداء قسم الولاء دون أن يصل أي جيش مصري إليها. وهذا ما يسميه الاستراتيجيون الآن القوة الناعمة. فالشعوب المحيطة كانت معجبة بالتقدم الحضاري المصري ومنبهرة به ولذلك أحبت مصر، وقد قامت التجارة مع بونت على هذا الأساس. وكان للحضارة المصرية نفوذ في بلاد اليونان حيث انتشرت المعتقدات المصرية هناك (كعبادة آمون) دون أن تأتي لمصر أي معتقدات من اليونان. والأهم أن الجامعة المصرية في هليوبوليس أصبحت محط أنظار العالم القديم وجاء كثير ممن أصبحوا نجوماً وعلماء كبار في اليونان ليتعلموا في الجامعة المصرية شتى أنواع العلوم. كذلك جاء أهل الشمال في بعثات وزيارات لمصر، كما نرسل نحن الآن بعثات علمية للدراسة في أمريكا وأوروبا. وبالتالي فإن اهل الشمال أحبوا مصر ولم يعتبروها قوة استعمارية أو غازية، ولكن حب السلطة والتفرد من سمات البشر وهو ما خلق الحروب مع الحيثيين والهكسوس وغيرهم. وعندما كانت مصر تضعف قليلاً فإن حدودها الشمالية تصل إلى القدس. وعندما كان يأتي حاكم يريد أن ينعزل في مصر ولا يهتم بأمر الشمال كان ممثلو مصر وقسم من أهل الشمال يبعثون الوقود لمصر كي ترسل مزيدا من القوات للحفاظ على الوحدة (كما حدث في عهد اخناتون). وعندما تضعف مصر أكثر تكون حدودها/ العريش.

هناك تداخل بين القوى داخل المستطيل، وكل سلطة تقوى تنظر إلى توحيد كل المستطيل تحت رايتها، فبدون وجود خطر خارجي، كان أهل المستطيل يشعرون انه اقليم واحد ويجب أن يكون موحداً. ولذلك فإن تاريخ ما قبل الميلاد يرصد مشهداً متكرراً، مد من الشمال يزحف حتى مصر. أو مد من مصر يزحف حتى الشمال. كموجات المد والجذر المنتظم. واشترك العراق (الآشوريين) في هذه الظاهرة ووصلو إلى مصر في إحدى المرات. ومن على أطراف المستطيل شرقاً جاء الفرس في أول غزو خارجي في عهد قمبيز واجتاح المستطيل كله، ونحن نتحدث هنا عن الشام والعراق ومصر، أما الجزيرة العربية فقد كانت خارج الصراع للأسباب التي ذكرناها آنفا. ووصل قمبيز وجيوشه إلى اقصى جنوب مصر، ووصل إلى الوادي الجديد، وحدثت أعجوبة من أعاجيب التاريخ حيث ابتلعت الصحراء الغربية قمبيز وجيشه كله واختفى في الرمال ولم يتم العثور عليه حتى الآن. لذلك لم يعد الفرس أبداً إلى مصر بعد ذلك. لكن ضم العراق لفارس كان أمراً يسيرا ومكررا.

وظلت حركة المد والجذر هكذا، وأحيانا لم تأخذ شكلاً عسكرياً سافراً في البداية فهناك رواية قوية عن أن الهكسوس تسللوا إلى مصر بالتدريج من خلال هجرات جماعية واستقرار واستيطان في  شرق الدلتا وهكذا تمددوا واقاموا فيما بعد دولة في شمال مصر!.

ما يهمنا الآن التأكيد على قانون المد والجزر لنقول لأصحاب نظرية عزلة مصر من أجل البناء والتنمية والرفاهية، نعم كلنا نريد البناء والتنمية والرفاهية ولكنها لا تحدث عموماً وفي مصر ومنطقتنا خصوصاً إلا بالقوة وتمدد هذه القوة، حتى بين الأشقاء أنفسهم لأن كل شقيق يتصور أنه هو الأحق بالقيادة.

وفي ذلك يقول المفكر الكبير د.جمال حمدان:

(مصر اليوم إما أن تحوز القوة أو تنقرض، إما القوة وإما الموت، فإذا لم تصبح مصر قوة عظمى تسود المنطقة، فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما كالقصعة أعداء وأشقاء وأقربون وأبعدون).

ما هذا الكلام الرائع؟ إنه أشبه بالقانون فعلاً. وهذا ما نتعرض له الآن. بل هو يصف بدقة ما تتعرض له مصر الان.

ولكن ما بالنا وقد أصبحت اسرائيل (القوة اليهودية الاستيطانية العدوانية المحاربة) هي المنافس الأول. وأن عدم التصدي لها معناه أن تتمدد داخل مصر كما يحدث الآن بالتطبيع والتنسيق الأمني ونشر قيم السلام الزائفة. وتمييع الأخلاق، والقضاء على الرجولة، إلى حد أن عملاء اسرائيل أصبحوا أبرياء ونجوما في المجتمع، ومن نعلم انه نشر السموم في أكل المصريين عن طريق اسرائيل لا نحاكمه، ولا نتوقف عن التعاون الزراعي مع اسرائيل!! وان اعطاء الغاز المصري مدعماً لاسرائيل ليس جريمة بل دعماً للأمن القومي المصري، وخرج الجميع براءة في المحكمة.

وعندما قامت الحضرة الهلينية (اليونانية) لم تفكر في التوسع إلا في اتجاه المستطيل ولأنه أيضا كان هو العالم القديم.

 جاء الاسكندر المقدوني وتعرضت مصر لأول غزو بحري، وسيطر الاسكندر على مصر واستمر فيها فترة طويلة من الزمن ربما عام أو عامين وكان يضع أسسا لحكمه وهو يدرك أنها ستكون الركن الركين لامبراطوريته الجديدة، وسار في نفس الطريق الذي جاء منه الغزاة من الشرق: الهكسوس- الآشوريين- الفرس، ولكن في الاتجاه المعاكس، نفس الطريق الساحلي في اتجاه العريش ثم غزة واحتل فلسطين وكل الشام وكل العراق أي القسم الحي من .

المستطيل واحتل فارس ووصل إلى الهند. وهنا بدأ جيشه يشعر بالارهاق وضغطوا عليه ليعودوا إلى ديارهم. وبالفعل عاد جيش الاسكندر بعد تثبيت دعائم الامبراطورية، وربما كان من بعض أفكاره أن يستقر في مصر. ولكن الغموض يكتنف نهايته فمن غير المعروف أين مات في الطريق ولماذا؟ وأين دفن؟ بل تجري الأبحاث الأثرية حتى الآن بحثا عن معركته في مصر.

وبعد موته استمر الحكم الهيليني باسم البطالمة نسبة إلى بطليموس الأول أحد معاوني الاسكندر، المهم أن البطالمة حكموا الامبراطورية في كل المستطيل بالاضافة لفارس والهند، ولكنهم انقسموا فيما بعد إلى بطالمة الشام وبطالمة مصر، حيث جرت بينهم المنافسات أحيانا والتعاون أحيانا أخرى.

ما يهمنا الآن أن المستطيل لم يعد يترك في حاله فالقوة العظمى لابد أن تحتله، وفي ذلك الوقت كان قلب العالم مشكلاً وموضوعا، أي ليس بسبب الموقع فحسب بل بسبب انه قلب الحضارة.

وبدون أي همسة فراغ، عندما تقوى الامبراطورية الرومانية فإنها تستلم المستطيل من البطالمة وتطردهم وتحتل مصر والشام...الخ

وظل العراق في أوقات كثيرة متنازع عليه بين الفرس والرومان ورأينا أن القرآن الكريم أشار لذلك في سورة الروم.
وبطبيعة الحال فإن الامبراطورية الرومانية امتدت إلى شمال أفريقيا وفي  أوروبا إلى فرنسا وأحيانا بريطانيا.
وهنا جاء الاسلام بنوره إلى المنطقة المُغفلة من المستطيل، ولم يأبه الرومان ولا الفرس لهذه الظاهرة في بداية الأمر ولم يخشوا شيئاً من هؤلاء العرب الحفاة العراة، رعاة الابل والماعز، ولم يأبهوا لهم!.
وهنانتوقف عند الاستراتيجية عند سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أيضا مصطلح "الاستراتيجية" مصطلح غربي لاتيني ولم أجد له كلمة عربية واحدة مناسبة تعبر عنه. وعلماء اللغة يوافقون أحيانا على استيعاب بعض الألفاظ الأعجمية، لأن القرآن ضم بعضاً من هذه الألفاظ (سندس/استبرق).
المهم الان أن نتفق على معنى "استراتيجية"، في الأصل اللغوي اللاتيني كانت تعني الخطة العسكرية في مواجهة عدو ما. ولكن تطور الفكر الانساني توصل إلى أنه لاتوجد خطة عسكرية ناجحة منفصلة عن الجوانب الأخرى: الاقتصادية- المعنوية- العقائدية.. والسياسة الخارجية والداخلية...الخ.

وأصبحت الاستراتيجية تعني الخطة العامة ضد عدو ما، خطة عامة بكل جوانبها وقد تكون ضد عدو ما، كالقول بالاستراتيجية العامة للتنمية أو للحفاظ على البيئة...الخ ونحن نستخدم الآن كلمة "استراتيجية" بهذا المعنى العام.
كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مطلعاً على أحوال دول الجوار، وهذا يؤكد أن السعي إلى التغيير في مجتمع ما لابد ألا يستبعد دراسة الأحوال الاقليمية المحيطة.

وعندما تم التضييق على المسلمين في مكة ولم يكن هناك من يأويهم في الجزيرة العربية فكر الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة الهجرة إلى الحبشة عند ملك (لا يظلم الناس عنده) وسافر عدد قليل، ولكن الاستقبال كان رائعاً ومبشراً مما شجع بعد فترة لارسال دفعة أخرى من المهاجرين. وقصة كرم النجاشي وحسن استقباله للمسلمين مفصلة في كتب السيرة، كذلك رفضه تسليمهمم لوفد مكة برئاسة عمرو بن العاص.

ومع ذلك لم يفكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لطرفة عين في مواصلة تهجير المسلمين جميعا أو هجرته هو شخصيا للحبشة، وجعل الحبشة قاعدة للدعوة الاسلامية وإقامة أول دولة اسلامية.. لم ترد هذه الفكرة إطلاقاً فالخطة كانت واضحة (الاستراتيجية) وهي إقامة الدولة الاسلامية في بلاد العرب والتوسع داخل المستطيل أولاً (طبعا لم يكن هذا إلا من وحي السماء). وهذا ما حدث بالاتفاق مع أهل المدينة (الأوس والخزرج). بعد ذلك بدأ المهاجرون في الحبشة في التوافد إلى المدينة. ورغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الغائب على النجاشي عندما مات مسلماً، فإنه لم يطرح أبداً فكرة الاستدارة للاهتمام بالحبشة أو إعادة المهاجرين لها لإقامة دولة إسلامية. بل أخذ أهم العائدين وأحبهم إلى قلبه جعفر بن أبي طالب وأرسله في غزوة مؤته حيث استشهد رضى الله عنه.

لم يوجه رسول الله أي قوة عسكرية خارج الجزيرة إلا في اتجاه الرومان.. في اتجاه الشام إلى قلب المستطيل وكان ذلك 3 مرات..

(1) غزوة مؤته (2)غزوة تبوك (3) بعثة أسامة.

ولنلحظ ونكرر ان بعثة أسامة للشام وإن كانت رمزية كحملة حدودية لتأديب من يعتدون على المسلمين من اعوان الرومان فإن هذا كان القرار الأخير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حريصاً عليه حتى عندما كان يعاني سكرات الموت، فإذا أفاق من الاغماء قال: هل أرسلتم بعثة أسامة؟ أرسلوا بعثة أسامة! ولذلك أصر أبو بكر الصديق على تنفيذ وصية الرسول الأخيرة. والحقيقة فهي توجيهه للمرحلة التالية:

وهكذا وبدون فاصل يذكر- إلا حروب الردة- تقدم جيش الاسلام وضم الشام والعراق وفارس في سرعة مذهلة، وقد كان من أسباب وضع الفرس على جدول الأعمال انهم كالرومان يرفضون الدعوة للاسلام في أراضيهم، وان حاكمهم السابق كان قد مزق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وانه أرسل لحاكمه في اليمن (التي كانت محتلة من الفرس) قازان أن يذهب إلى "محمد" ويلقي القبض عليه ويأتي به! (راجع القصة في كتب السيرة). وأثناء حركة الردة ساهم الفرس في تأجيجها ودعمها في منطقة شرق الجزيرة.

المهم انتقل المستطيل بدون أي استراحة أو فجوة صغيرة من دولتين عظميين إلى سيطرة دولة عظمى بازغة هي الدولة الاسلامية ولم يبق سوى مصر التي كانت لا تزال تحت سيطرة الرومان.

اقترح عمرو بن العاص على الخليفة عمر بن الخطاب فتح مصر فوراً بدون إبطاء لتامين الشام، وإلا فإن الرومان سيغزون الشام من مصر، بالاضافة لأهمية مصر في حد ذاتها (وكان عمرو بن العاص قد زارها من قبل).

نحن هنا أمام فاصل من الحوار الجيوبولوتيكي (أي الجغرافي السياسي) دون أن يكون هذا العلم أو المصطلح معروفا في العالم. ولكن تفكير العقول بشكل سليم يقود إليه.

فغزو الشام من مصر أسهل من غزوها من الأناضول لسهولة الأرض وأسهل من غزوها بالبحر.
نكمل الحوار الجيواستراتيجي والجيوسياسي بين عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص الفصل القادم.

 

 الفصل الحادى عشر
البابا يدعو لتحرير القدس من قبضة المسلمين الأنجاس
حوار بين الخطاب وعمرو حول فتح مصر
فتح مصر أدى إلى دخول أوروبا بعد 72 سنة

أما دخول أوروبا عن طريق الأناضول فاحتاج 8 قرون!!

قرار فتح مصر كان قراراً استراتيجياً ونقطة تحول كبرى في نشر الاسلام وتوسع الدولة الاسلامية الفتية. لم يكن مجاهدوا العرب قد التقطوا أنفاسهم بعد من أكبر انتصار ممكن أن يحدث خلال سنوات معدودة وهو هزيمة الامبراطورية الفارسية والقضاء عليها وهزيمة الامبراطورية الرومانية في معقلها الرئيسي خارج أوروبا (الشام). ولاحظ إدراك الرومان لأهمية الشام فقد كان الامبراطور يقيم في بعض الأحيان في الشام وله مقرات وقصور أساسية بها. ونعرف ان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أرسل رسالته لهرقل، فقد أرسلها له في الشام.
ما كاد مجاهدو العرب يلتقطون أنفاسهم من فتح الشام حتى عرض عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب فتح مصر لتأمين الشام، فقوات الرومان في مصر بأعداد كبيرة، وغزو الشام من مصر أسهل من الأناضول، الطريق منبسط ومفتوح، بالاضافة للاعتماد على عنصر المفاجاة في وقت يشعر فيه المسلمون بنشوة النصر. وكذلك غزو الشام من مصر أسهل من الغزو من البحر.
كان عمر بن الخطاب متردداً أو غير متحمس وأعطى موافقة مبدئية واعد عمرو بن العاص قوات تعدادها حوالي 4 آلاف مقاتل.
وفي إطار الحوار الجيواستراتيجي، أي الجغرافي الاستراتيجي عاد عمر بن الخطاب وارسل لعمرو بن العاص ألا يرسل قواته إلى مكان يوجد مانع مائي "بيني وبينه". وهذا يعكس الحس الاستراتيجي العالي لدى الخطاب، فهو يدرك أن الجيش  العربي حتى ذلك الوقت ما يزال قوة برية تماماً دون أي قوات بحرية.
وبالتالي إذا تعرضت القوة الذاهبة لمصر إلى اي متاعب فإن إرفادها بقوات أخرى أو أي محاولة للمساعدة ستكون صعبة.
كان عمرو بن العاص مصراً إصراراً غير عادي على فتح مصر لأنه قد زارها ويعرف أهميتها وكيف أنها جوهرة لا يمكن أن تضيع سدى ، فارسل إلى عمر بن الخطاب يؤكد له أنه لن يكون هناكك مانع مائي بين قواته وبين الجيش العربي في سوريا. والواقع انها إجابة مراوغة ففعلاً يمكن أن تدخل مصر لمسافة كبيرة دون موانع مائية ولكنك لا تستطيع ان تتوغل أكثر بدون عبور نهر النيل، وهو مانع ليس سهلاً. فأذن عمر بن الخطاب بالتحرك إلى مصر بهذا الشرط.
وتحرك جيش عمرو بن العاص بينما كان عمر بن الخطاب متردداً وغير مستريح تماماً لهذا القرار، فعاد بعد فترة وجيزة وأرسل رسالة لعمرو بن العاص يقول مضمونها: إذا وصلتك رسالتي هذه ولم تكن قد وصلت مصر فارجع أدراجك وتراجع عن غزو مصر.
 ووصل حامل الرسالة المغلقة إلى عمرو بن العاص وقد اقترب جيشه كثيراً من مصر حسب المعرفة السابقة بالطريق لعمرو بن العاص، واستنتج ما يمكن أن يكون بالرسالة فقال لحاملها دع الرسالة معك حتى أطلبها منك، وعندما تأكد عمرو بن العاص انه وصل العريش وهي العلامة الأولى على مصر، طلب الرسالة من حاملها وفتحها ووجد المضمون كما توقع، فقال الحمد لله لقد وصلنا مصر إذن لنواصل المسير!!
ولسنا هنا بصدد تقييم سلوك عمرو بن العاص ورغبته الدفينة في فتح مصر التي عرفها وشاهد حضارتها وشعبها السهل الكريم. ولكن دون شك وكما سنرى فإن فتح مصر كان فتحاً كبيراً لنشر الاسلام وتثبيت دعائمه.
*******
وهكذا تم إحكام سيطرة الدولة العربية الاسلامية على الاقليم المتوسط (المستطيل) كله عام 20 هجرية، نحن إذن أمام زمن قياسي مهول.
ولكن قانون المستطيل يعمل، وهو لا يعرف الفراغ ولا لشعرة واحدة، ولا يعرف الدعة والهدوء، وتنتقل فيه السلطة فوراً من قوة إلى اخرى.
والآن عاد حكم المستطيل، ومن ثم حكم العالم لأهله، بعد مرحلة طويلة من حكم اليونان والرومان. والذين يقولون ان الفتح العربي كان استعماراً سخفاء لا لموقفهم من الاسلام فهم أحرار فيه يحاسبون عنه في الآخرة، ولكن لأنهم لا يقولون حقائق التاريخ، فمصر كانت مستعمرة رومانية، وكان الرومان يضطهدون الأقباط وكان الأنبا بنيامين هارباً في الصحراء من الرومان عندما دخل عمرو بن العاص مصر وأعطاه الأمان...الخ
إذن عاد الاقليم المتوسط (المستطيل) إلى اهله بعد طول غياب ولكنهم لن يُتركوا طويلاً أو لن يُتركوا أبداً، حيث ستظل الهجمات الحدودية والمناوشات لا تنقطع مع البيزنطيين من جبهة الأناضول والحروب على اطراف الدولة الاسلامية وهجمات بحرية على شمال أفريقيا وبرية على الأن
الدرس الكبير في الجغرافية السياسية:
لا أعتقد جازما أن عمرو بن العاص كان يدرك هذه الحقيقة التي لم يلتفت إليها احد حتى الآن.
فتح مصر أدى إلى فتح أوروبا من الجنوب الغربي خلال 72 سنة فحسب (أعني فتح الأندلس) الذي بدأ في 92 هـ واكتمل فتح شبه الجزيرة الأيبرية كلها عام 94 هـ.
أما فتح القسطنطينية وهو بداية فتح أوروبا من ناحية الشرق فقد تم في القرن الخامس عشر الميلادي، أي بعد حوالي 8 قرون.. نعم 8 قرون. فإذا كان هذا القرار مقصوداً (وهو ليس كذلك) لكان أصوب قرار في التاريخ، ولكنه كان كذلك بتساهيل ربنا (كما نقول) أي بالمشيئة الالهية. ولكن علينا الآن ان ندرس هذه التجربة من الناحية الاستراتيجية والجغرافية السياسية.
أقول ذلك رغم ان عمرو بن العاص الذي تولى حكم مصركان يدفع بقوة في اتجاه الشمال الأفريقي.. في اتجاه ليبيا وتونس ولكن لم تكن (الأندلس في مخيلته) وفقاً لما لدينا من معلومات طبعا وهذا هو المرجح.
وكذلك من جاء من بعد عمرو بن العاص.. فقد ظل فتح الشمال الأفريقي هدفاً ثابتا لحكام المسلمين وحكام مصر عن طريق الغزو البري. ومن أسباب سهولة الانسياب العربي في هذا الاتجاه، هو انبساط الطريق، واستعداد السكان للدخول في الاسلام وبدون قتال في أغلب الأحوال.
ولا أظن أننا نخرج عن موضوعنا لتلخيص هذه الاندفاعة وهي خارج المستطيل لأنها تؤكد جانبا مهما من الأهمية الاستراتيجية لمصر. ومصر تشكل اقليما واحدا مع الشمال الأفريقي يجمعهم الصحراء الكبرى الممتدة من مصر إلى تخوم وجنوب المغرب بل وفي عمق أكبر فيما يسمى الآن حزام الصحراء.
كما أن شرق ليبيا كان في أوقات عديدة جزءاً لا يتجزأ من مصر. المهم تم دخول برقة في 21 هـ بدون قتال ثم بنغازي ثم إجدابية ثم سرت بدون قتال. ثم طرابلس بدون عناء كبير، ثم صبراته وكانت مدينة أعظم من طرابلس.
وحدثت بعض المصاعب في تونس والجزائر بسبب مقاومة بعض الأمازيج بالاضافة لتعاونهم مع الرومان وكانت لهم حاميات قوية على المدن الساحلية. لذلك كانت تحدث بعض التراجعات أثناء التقدم، وتم الاستقرار في تونس في 33 هـ ثم الاتجاه لشرق الجزائر: بجاية- تلمسان والوصول إلى طنجة وحدثت ردة في طنجة على ساحل المحيط الأطلنطي في المغرب ثم تم الوصول إلى فاس 82 هـ وفي الطريق تم فتح جزر صقلية وسيردينيا ومايوركا وكما ذكرت فإن طارق بن زياد غزا الأندلس في 92 هـ وأتم فتحه في 94 هـ وهذه اندفاعة سريعة لا يمكن أن توصف إلا بامتداد السكين في الزبد. بعض قبائل الأمازيج كانت عنيدة خاصة في الجزائر ولكنها كانت تتتصف بالشرف فهي لا تفجر في الخصومة عند الانتصار ولا تستبيح المدن والمدنيين. ولذلك كان من الطبيعي أن يدخلوا جميعا في الاسلام بعد قليل من الزمن.
والرومان كانوا يرسلون قوات بالبحر وسفن حربية وكانوا بالطبع هم العقبة الرئيسية في التقدم.
ومن الطريف أن اللغة العربية انتشرت بين الأمازيج بسرعة لأنهم لم يكن لديهم لغة موحدة مفهومة فيما بينهم خاصة في المغرب.
***********
انظروا إذن كيف أدى فتح مصر إلى قلب خريطة العالم. لقد تحرر كل الشمال الأفريقي من الوجود الروماني ودخل الناس في دين الله أفواجا دون أي نوع من الاكراه. وسكان هذه المناطق لم يدخلوا في المسيحية ولم تكن لهم عقائد راسخة فكان دخولهم الاسلام سهلاً ميسوراً.
وبالتالي حدث تغير ديموغرافي (سكاني) في آلاف الكيلومترات من مصر حتى طنجة. ودخل الاسلام أوروبا من الجنوب الأندلسي ووصل إلى حدود فرنسا حيث توقف الاندفاع الاسلامي بالهزيمة في معركة بواتييه عند حدود فرنسا (جبال البرانس) 114 هـ . وسيطر على معظم الجزر في المتوسط وإن ظلت تتأرجح بين الجانبين لعدم اهتمام المسلمين بها وهذه من الأخطاء الاستراتيجية. بل وصل الأمر في عام 212 هـ إلى وصول دولة الأغالبة المغربية إلى نابولي وحدود روما.
فتح مصر أدى إذن إلى حصر الامبراطورية الرومانية في أوروبا، وان ظلت تناوش هنا وهناك. التداعيات الاستراتيجية لفتح مصر مهولة كما نرى وأدت إلى التطويق الكامل للرومان ووضعهم في وضع الطرف الأضعف المهزوم.
اليمن:
حركة التاريخ لم تنسى اليمن أبداً. ورغم أن قلب الجزيرة العربية لم يكن مغريا (كما ذكرنا) للغزاة عدا المجنون أبرهة ولكن حتى هذا فقد كان قادماً لمجرد تدمير الكعبة انتقاماً من العربي الذي قضي حاجته في الكنيسة الرئيسية للأحباش في اليمن (كما تقول الروايات). ولكن اليمن كان محط أنظار الغزاة منذ القدم، رغم أن اليمن الحضاري لم يهاجم ويغزو احدا.
عندما نمت نهضة حضارية في الحبشة (أكسوم) 400 ق.م حيث تقول صحائف التاريخ انه في اكسيوم ضربت الثغور وشيدت المباني الكبار، وتم تعبيد الطرق وتطورت التكنولوجيا في الزراعة والنقل البحري.
ولنلحظ هنا ان الحبشة هي بداية وادي النيل حيث البيئة مهيأة للاستقرار والتنمية. في هذه المرحلة احتل الأحباش اليمن. واليمن كما ذكرنا مركز حضاري ومفتاح لباب المندب وهو طريق التجارة والحرب معا. وظلت الحبشة وفارس يتبادلان االسيطرة على اليمن حتى جاء الاسلام، حيث كانت فارس آخر المسيطرين. وستظل اليمن أحد المحاور الأساسية في تفكير أي قوة تسيطر على المستطيل أو جزء منه لأهمية موقعها الاستراتيجي.
وهكذا فإن فكر الجغرافيا السياسية لم يكن غائباً عن عقول القوى والأنظمة منذ فجر التاريخ.
الحملة الصليبية:
عاش المستطيل القرآني اطول فترة من الاستقرار حوالي 4 قرون وثلاثة أرباع قرن في إطار الحكم والسيطرة الاسلامية (10 هـ - 400 هـ) والتي امتد نفوذها حتى الأندلس وكل شمال أفريقيا وأواسط آسيا حتى حدود الصين. ولكنها لم تخلو من صراع وقتال الأشقاء في العهدين الأموي والعباسي، ولكن الاندفاعة الحضارية ظلت تحجم وتهمش هذه الصراعات رغم عنفها أحيانا ودمويتها وظل الحكم الاسلامي والحضارة الاسلامية في صعود حتى بدأ الضعف يعتري الخلافة العباسية في مرحلتها الثانية حيث تحولت تدريجياً إلى مجرد راية ورمز لوحدة المسلمين لا يخرج نفوذها الفعلي عن بغداد، بينما تتولى دول اسلامية أخرى القيام  بواجبات الخلافة نيابة عن بغداد.
لحظة الهجوم الصليبي كانت دولة السلاجقة تتولى مهمة حماية الخلافة العباسية وهي دولة فتية من عناصر تركية جاءت من وسط آسيا، تأسست عام 477 هـ/ 1056 م وشملت خراسان (أفغانستان) وما وراء النهر وايران والعراق والشام وآسيا الصغرى (تركيا حاليا) وكان مقر السلطنة في الرى أو أصفهان في إيران وكانت تعتبر نفسها تابعة لبغداد، رغم أن بغداد تعتمد عليها في الحماية العسكرية، وقد عاشت هذه الدولة وحكمت قرنين من الزمان وفي إطار مساندة الخلافة العباسية حتى عام 1128 م (549هـ). إذن عمليا دولة السلاجقة الفتية والتي جددت روح الحضارة الاسلامية عسكرياً وعلمياً وإدارياً وثقافياً وقدمت نخبة من الحكام الذين يُعتز بهم، هذه الدولة هي التي حكمت المستطيل القرآني (الاقليم المتوسط- الشرق الأوسط) طوال هذين القرنين عدا مصر التي كانت أيضا تحت مظلة الخلافة العباسية ولكن شكليا (في ظل الحكم الأخشيدي)، ثم استولى عليها الفاطميون كما سيأتي بعد. كما ظلت الحجاز تدعو للخليفة العباسي حتى جاء الفاطميون فأصبح الدعاء لهم.
إذن في هذه الفترة كان المستطيل في يد هذه الدولة البازغة التي قيضها الله لعلاج الشيخوخة العباسية. والتي توسعت ضمن أرمينيا وجورجيا في وسط آسيا وأكدت سيطرة العباسيين على القدس ووصلت حتى عسقلان. وتحول شريف مكة مرة أخرى (الذي يزن دائما ميزان القوى) من الدعاء للفاطميين إلى العباسيين وسلطان السلاجقة.
وقام السلاجقة بدور كبير في عملية تتريك آسيا الصغرى (الأناضول) وهو ما مهد الأرض لقيام الدولة العثمانية فيما بعد. وعلى هذا المحور كانت الصراعات الحربية على أشدها والكر والفر مع البزنطيين الذين كانوا يمثلون الجناح الشرقي للدولة الرومانية وانفصلوا تحت رئاسة كنيسة شرقية مستقلة وأصبح لهم مسار سياسي مستقل عن أهل روما وباقي غرب أوروبا. وهو ما تطور إلى ما يعرف بالكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية التي تشمل معظم شرق أوروبا وروسيا والأناضول.
وعندما بدأ البزنطيون يشعرون بالضعف وخسارة الأرض لصالح السلاجقة تعددت استغاثاتهم بالغرب وأخذوا يستحثون روح المناصرة المسيحية. ولا شك أن الأوروبيين كانوا يشعرون بعدم استقرار الأوضاع في الشرق المتوسط حيث لم تكن قبضة السلاجقة قوية تماماً، وكثيرا ما حدثت المناوشات بين حكام المدن الاسلامية في الشام والعراق ضد بعضهم البعض. كما ان مناطق وسط آسيا لم تكن تخلو من الاضطرابات.
رأى حكام أوروبا أن الفرصة قد تكون سانحة للعودة من جديد للسيطرة على مركز العالم الذي كانوا فيه في عز مجد الرومان، وبصورة مفاجئة وبدون أن يشعر الحكام المسلمون دعا البابا أدربام الثاني إلى مجمع ديني في كليرمونت بجنوب فرنسا (488 هـ/1095 م) إلى اجتماع يكشف أن الكنيسة لم تكن مجرد شريك في الحكم بل هى القوة الحاكمة الأساسية في هذه الفترة.
ومن المهم استرجاع بعض عبارات البابا في خطبته التاريخية التي يقال انه حضرها 300 ألف!!
{ياشعب الفرنجة.. ياشعب اللله المحبوب المختار لقد جاءت من تخوم فلسطين ومن القسطنطينة أنباء محزنة تعلن أن جنسا لعينا أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في البلاد وبلاد المسيحيين في الشرق، وقلب موائد القرابين المقدسة ودنسوا الأماكن المقدسة برجسهم.
فليثير همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا- الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة وغيره من الأماكن المقدسة التي لُوثت ودُنست.
هذه الأرض الأوروبية وجبالها، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز أن تجود بما يكفيكم من الطعام ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضا وتتحاربون في حروب داخلية وتتعرضون للهلاك.. طهروا قلوبكم من الحقد واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج. ان المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تسثغيث بكم وستنالون مجدا لا يفنى في ملكوت السماوات}
*************
في هذا الخطاب الذي يقطر سماً ووقاحة وعنصرية بغيضة.. يمكن أن نتوقف عند نقاط جوهرية:
(1) ادراك البعد الاستراتيجي لموقع القدس والاقليم المتوسط كمركز للعالم، حيث يصف القدس (أورشليم) بأنها المدينة العظمى القائمة في وسط العالم) والتي يتعين الاستيلاء عليها.
(2) استخدام نفس المصطلح اليهودي بوصف شعب الفرنجة بأنه "شعب الله المختار" وهي نفس الألفاظ التي أصبحت مشتركة بين اليهود والمسيحية الصهيونية في أمريكا الآن.
فإذا كانوا هم شعب الله المحبوب المختار، إذن يحق لهم أن يفعلوا ما يريدون!
(3) اعتبار المسلمين خاصة في الشرق المتوسط انهم جنس لعين- نجس وخبيث إذن هم العدو الأبدي إلى يوم الدين، وهي أوصاف لا تستدعي الدخول في أي حوار حول أي عقائد أو حتى صراع فكري، فهؤلاء يتعين اجتثاثهم من الوجود. وهذا الخطاب المنفلت- أو الذي يبدو منفلتا بسبب الرغبة في الحشد والتعبئة وإشعال الحماس، هو في الحقيقة دستور للغرب وظلت أدبيات الغرب تكتب عن المسلمين بهذا الأسلوب على مدار قرون، وحتى الآن فأثناء غزو العراق تم اكتشاف منشورات دعائية رسمية للبنتاجون موجهة للجنود الأمريكيين بهذا المعنى. وكانوا يكتبون على الصواريخ الموجهة للعراق: (إلى الله رب المسلمين)...الخ ولكنهم في العصر الحديث عندما سيطروا على بلاد المسلمين وليس المستطيل فحسب، بدأوا يعطون من طرف اللسان حلاوة (وهذا من حسن الفطن!) وهي الحالة التي وصفها القرآن الكريم (يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) التوبة
(4) الخطاب نموذج لاصطناع الاكاذيب لتبرير العدوان. فلم تنقل صحائف التاريخ أي معلومات عموما أو في ذلك الوقت عن انتهاكات غير عادية يتعرض لها المسيحيون في القدس أو يتعرض أحد للمقدسات المسيحية في فلسطين.
(5) وهذه نقطة بالغة الأهمية فالبابا- بمركزه الروحي- لم يخف أن سببا جوهرياً للغزو أن الحياة الاجتماعية قد ضاقت عليهم في أوروبا، إذن فليأتوا ليتمتعوا ويتملكوا في فلسطين. فليست المسألة إنقاذ قبر المسيح. ولن تفهم سلوك الصليبيون المعاصرين (الحلف اليهودي- البروتستانتي الأمريكي) إلا إذا أدركت أن المصالح المادية هي المحرك الأساسي وتأتي الدعاية العقائدية كغطاء روحي ومبدئ وكوسيلة لتعبئة الجماهير.
 
إذن لابد من الاستعداد الفوري لغزو المستطيل المتوسط وفي قلبه القدس، وأُعلن أن من يهرب من القتال ويعود فعقوبته الاعدام. وأن أحدا لن يتملك شيئاً في فلسطين، وان الكنيسة ستتملك كل الأرضي التي يتم الاستيلاء عليها!

 الفصل الثانى عشر
الفاطميون يندفعون كالاعصار من طنجة إلى مكة
وآل زنكي وصلاح الدين يوحدون مصر وسوريا والعراق

 

بالتوازي مع التحضير الصليبي لغزو قلب المنطقة العربية الاسلامية (الشرق الأوسط) بل وقبيل هذا الحدث كان "المستطيل" على موعد مع تطورات داخلية جديدة، وهو ظهور الدولة الفاطمية. وكما ذكرنا فإن القوانين التي تحكم المستطيل (الاقليم المتوسط) أن القوة التي تسيطر عليه إذا ضعفت تحل محلها قوة أكبر، فهذا مركز العالم ومن الترف أن يترك هكذا بدون دولة قوية، سواء من داخل الأمة الاسلامية أو من أي قوة عالمية أخرى، سواء من داخل المستطيل او من خارجه.

لعبة الشطرنج:

إذا كنت تلعب الشطرنج فستفهم بسهولة قانون اللعبة، فلعبة الشطرنج استراتيجية من الطراز الأول. أقصد لعبة الكبار المحترفين لا لعب الهواة على القهوة، فالهواة يلعبون بلا خطة وكل طرف يستهدف ملك الآخر مباشرة وكل طرف يعتمد على أخطاء الآخر ويستمرون في اللعب حتى النهاية!! أما لعب المحترفين فيعتمد على خطة استراتيجية عليا تستهدف السيطرة على المربع المتوسط على الرقعة، ومن يسيطر على المربع المتوسط يفوز بالمباراة، وينسحب الخصم لأنه يدرك كيف ستتطور الأمور ولا يحدث في أي مباراة دولية الوصول إلى  خطوة "كش ملك" فهذا لا يحدث إلا في لعب الهواة. القضية إذن هي السيطرة على المربع المتوسط (أو المستطيل المتوسط) طبعا إذا كنت تريد إقامة دولة عظمى أو تريد أن تحكم العالم. أما إذا كنت تريد إقامة دويلة صغيرة على قد الحل فلتفعل هذا في أطراف القارات أو في جزيرة نائية.

قامت الدولة الفاطمية في المغرب العربي استناداً إلى المذهب الاسماعيلي الشيعي الذي يؤمن أن اسماعيل بن جعفر الصادق هو الامام من بعده، أي وفق تسلسل آخر يخالف المذهب الجعفري الاثنى عشري. وقد أعلن عن قيام الدولة الفاطمية في 296 هـ بسقوط القيروان في قبضتهم. وفي عهد المعز لدين الله الفاطمي فقد أدرك هذا القانون وكان طموحاً في إقامة دولة إسلامية عظمى. إذاً عليه التوجه إلى المقر الطبيعي لهذه الدولة.. وهو مصر ثم المستطيل القرآني. ولا شك أن الأنباء كانت تتوارد له عن ضعف الحكم الأخشيدي في مصر بعد وفاة كافور الأخشيدي.

وكان الحكم في مصر تابعاً للخلافة العباسية وكانت قد وصلت أيضا إلى مسامع الفاطميين ما يعتري الخلافة العباسية من ضعف. ومن هنا كان الاندفاع بقوة كالاعصار، فالمكان جاهز لاستلام دولة إسلامية قوية جديدة فتية. وكان تخطيط المعز لدين الله الفاطمي عجيباً فقد أرسل القوات لتسبقه، أرسل قوات بقيادة جوهر الصقلي ودخل مصر عام 358هـ بدون عناء يذكر،وشرع في بناء القاهرة كعاصمة جديدة ثم شرع في بناء الجامع الأزهر 361هـ وبعد ذلك جاء المعز ودخل مصر عام 362هـ واستقبل استقبالا طيباً من كبار الشخصيات والأعيان. وكانت رسائل المعز الأولى وبياناته مطمئنة ومنفتحة على المسلمين بدون تفرقة مذهبية. ولا شك عندما يخطط سياسي ليحكم العالم الاسلامي لابد أن يدرك غلبة التوجه السني وإلا فإنه لن يستقر في هذا المشروع. وخلال فترة قصيرة حكم المعز من سبتة في المغرب (سبتة خاضعة الآن لأسبانيا) حتى مكة حيث دعا له شريف مكة الذي كانت حنكته تتركز في إدراك موازين القوى ليدعو للأقوى وقد كانت هذه "سنة طيبة لأنها تجنب مكة الاقتتال بين المسلمين.

كما ذكرنا فإن الشام والعراق كانا تحت حماية وسيطرة السلاجقة لحساب الخلافة العباسية. وهذه الاندفاعة الفاطمية وحدت أمراء السلاجقة ولكن الفاطميين تمكنوا من بسط سيطرتهم على الشام من عام 358 حتى 477هـ حيث استعاد السلاجقة في التاريخ الأخير السيطرة على أجزاء واسعة من الشام والقدس. وكان الفاطميون يعتمدون على أسلوب آخر وهو نشر الدعوى، وباعتبار أن الفكر الشيعي متوطن في العراق تمكنوا من استقطاب قادة عسكريين في بغداد حتى وصل الأمر إلى عزل الخليفة العباسي ووضعه في السجن، واستمرار خطبة الجمعة  للفاطميين 40 جمعة في ظل ولاية المستنصر بالله الفاطمي، حتى تمكن السلاجقة من إعادة الخليفة العباسي.

استمرت الدولة الفاطمية 280 عاما أي قرابة 3 قرون. ولسنا بصدد التأريخ لكل هذه المراحل التاريخية، ولكن نركز على نقطة الصراع حول المستطيل المتوسط.

عندما جاء الصليبيون للمنطقة كان شمال الشام في يد السلاجقة وكان الفاطميون يسيطرون على معظم ساحل الشام والقدس.. ولكن غلب على الفاطميون الموقف الدفاعي لأنهم ادركوا أطماع الصليبيين في مصر (مقر الخلافة). وعرض الفاطميون على الصليبيين وهم يتقدمون في اتجاه القدس، أن يسمح لهم بزيارة القدس على أن يأتوا بالملابس المدنية وبدون سلاح! ولكن الصليبيين سخروا من هذا العرض. وتجنبوا الاشتباك مع المدن الساحلية واتجهوا من أنطاكية (الامارة الثانية للصليبيين بعد الرها) إلى يافا التي دخلوها بدون قتال، وكانت خالية من المقاتلين ثم إلى القدس. حيث دافعت القوة الفاطمية الموجودة بالمدينة عنها لمدة 5 أسابيع ظلت خلالها تحت الحصار حتى تمكن الصليبيون من اقتحام الأسوار، وقاموا بفظائعهم المعروفة في المدينة المقدسة حيث قتلوا قرابة 70 ألف من العسكريين والمدنيين المسلمين. ووصف مؤرخو الغرب الفرنجة بأن الدماء جرت في القدس حتى ركب الخيول!
وكان الفاطميون قد استعادوا السيطرة على القدس عام 491هـ من السلاجقة، ولكن ذلك قبل قدوم الصليبيين بعام واحد.

ويهمنا الآن أن نوضح أن المستطيل انقسم بين المسلمين. بين الفاطميين والسلاجقة وأيضا بين أمراء السلاجقة  كثيري التناحر فيما بينهم على أطماع سلطوية بين المدن المختلفة. والوضع الطبيعي للمستطيل أن يكون تحت سيطرة قوة واحدة.

وجاء الصليبيون في أوائل القرن السادس الهجري فكان اختراقهم سهلاً بسبب عدم توحد المسلمين وتمكنوا خلال فترة قصيرة نسبياً من احتلال ساحل الشام كله وإمارة القدس وإمارة الرها في العمق. وأصبح الممستطيل منقسماً بين قوتين متعاديتين حتى الموت، وكان الغزو الصليبي استيطانيا يستهدف توطين امراء وتيارات ومحاربين وأيدي عاملة أوروبية بهدف البقاء الأبدي. وفي المشرق حيث الهجوم الصليبي كان دور السلاجقة في المقاومة هو الأساس، وكانت سلسلة عماد الدين زنكي- نور الدين زنكي- أسد الدين شيركوه- صلاح الدين الأيوبي، سليلة هذه الدولة. وكان عماد الدين زنكي أول من تمكن من بداية توحيد الامارات المتنافرة في الموصل ودمشق وحلب وما حولها لمواجهة الصليبيين وتمكن بالفعل من إسقاط اول امارة لهم في الرها. وتابع ابنه الطريق من بعده (نور الدين زنكي) وكانت المعارك لا تتوقف مع الصليبيين مع حدوث خيانات واتصالات من الصليبيين من بعض الأمراء. فالمعركة كانت على الوجهين، ولكن التقدم كان يبدو ملحوظا وتمكن عماد الدين من الحفاظ على معاقل المسلمين في دمشق وحلب بعد الموصل. وهنا حدثت فترة من التداخل مع الفاطميين..
المرحلة الأولى:

قام الفاطميون بمحاولات جادة للتعاون مع نور الدين زنكي (الذي بدأ حاكما لتكريت والموصل) وأصبح المسيطر على الجزء المحرر من الشام، التعاون معه ضد الصليبيين، وكان رئيس الوزراء الفاطمي (الوزير) سنياً وأرسل مع مبعوث خطة للهجوم على الصليبيين بصورة مزدوجة من الجانبين (نظرية كسارة البندق) على ان يركز الفاطميون على البحر بمهاجمة المدن الساحلية في الشام ويهاجم نور الدين من البر. ولكن نور الدين كان متردداً ولم يستجب. ثم جاء وزير آخر (طلائع بن رزيك) وهو سني أيضا وحاول الاتصال مراراً بنور الدين زنكي لتدبير خطط عسكرية مشتركة ضد الصليبيين وتأكيداً على جديته أرسل هدايا وأسلحة بـ 130 ألف دينار لزنكي، وعينيات تقدر بـ 70 ألف من أجل دعمه ضد الصليبيين، ومع ذلك ظل نور الدين على تردده والاكتفاء بمجرد ارسال مبعوثين.
المرحلة الثانية:

لم  تتوقف المناوشات والمعارك بين الفاطميين والصليبيين ومن ذلك قيام الصليبيين بمهاجمة دمياط واحتلالها كمدخل لاحتلال مصر ولكن الفاطميين تمكنوا من صده ودحره في 565هـ. في المرحلة الأخيرة من عمر الدولة الفاطمية حيث ألمت بها أمراض الشيخوخة ودب الخلاف بين أطراف حكامها (ضرغام- شاور) وقعت قصة معقدة وطويلة نختصرها في التالي: أن أحد أطراف الفاطميين كان يتصل بنور الدين زنكي لينصره على الطرف الآخر مقابل انضمام مصر له، فيلجأ الطرف الاخر للصليبيين دفاعاً عن سلطته. وتكرر هذا الموقف 3 مرات وكانت القوات النورية والصليبية تأتي إلى مصر ثم تنسحب دون تحقيق نتيجة حاسمة، حتى تمكن القائد أسد الدين شيركوه خال صلاح الدين الأيوبي من السيطرة على مصر دون الصليبيين لحساب نور الدين زنكي ولكن في ظل وجود شكلي للخليفة الفاطمي "العاضد"، مقابل أن زنكي يمثل الوجود الشكلي للخليفة العباسي، وحكم أسد الدين شيركوه مصر كسلطان ومات بعد وقت قصير وتلاه صلاح الدين. المهم أن مصر في هذه اللحظة أصبحت في وحدة تامة مع سوريا والعراق فيما عدا البقاع المحتلة من الصليبيين واغلبها على الساحل. وهكذا أصبح الوضع مهيئا لتطهير الاقليم المتوسط (والحقيقة فقد كان الاقليم المركزي) من الصليبيين. فوحدة الاقليم خاصة مصر و الشام (وقد ذكرنا في البداية أنهما عصب المستطيل وعموده الفقري) هذه الوحدة ضرورة لهزيمة العدوان الخارجي. وعندما يكون العدو يحتل فلسطين فإن مصر وسوريا باتحادهما يتحولان إلى طرفي كسارة البندق جاهزين لتحطيم "البندقة"، أي العدو في فلسطين.

 الفصل الثالث عشر
صلاح الدين يغلق مضائق تيران ويحمي قبر الرسول

دور المصريين في موقعة حطين وفتح القدس

بوفاة نور الدين زنكي أصبح صلاح الدين مستقلاً وأعلن الدولة الأيوبية من القاهرة عام 569هـ وتمددت دولته في نفس الدوائر المعتادة لمصر عندما تكون حاكمة. فبعد شمال العراق والشام تم ضم أو إعادة ضم السودان والحجاز واليمن وليبيا وجزء من تونس. ورغم أن صلاح الدين لم يعلن تمرداً رسميا على الخلافة العباسية، إلا أنه اهتم بشكل خاص بالحرمين الشريفين، وسمي بهذا اللقب (خادم الحرمين الشريفين) واهتم بشكل شخصي بكل خدمات المسجد الحرام والحج وتأمين مساره خاصة مع تصاعد أعمال اللصوص وتهديدات الصليبيين. وهذا من أسباب دفعه لضم اليمن لتأمين طريق الحج والتجارة. وهكذا كما ترون لم تكن هناك وثيقة اسمها ا(المستطيل) عندما يأتي أي قائد للمنطقة يطلبها ويلتزم بها ولم يُستخدم أبداً لفظ المستطيل أو الاقليم المتوسط أو الشرق الأوسط في ذلك الزمان، ولكن تداعيات وضرورات الأمور هي التي تدفع قائد المنطقة إلى كل مواقع ما نسميه (المستطيل)، فقد كانت هناك هجمات فعلية متصاعدة من الصليبيين على حجاج بيت الله الحرام وقتلوا مرة عدداً منهم، وكان الصليبي أرناطو له مستعمرة قريبة من خليج العقبة بدأ يؤسس أسطولا- لأول مرة- في البحر الأحمر، ووضع خطة لاقتحام مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستيلاء على جثته الشريفة. وكان لابد لصلاح الدين أن يعزز أسطوله في البحر الأحمر ويحكم السيطرة على كل البحر وهذا يتطلب الوجود في اليمن. كما تمكن من قتل هذا الصليبي وإبادة قوته قبل تنفيذ مخططه الآثم على المدينة المنورة. وهذا العمل لصلاح الدين لا يقل أهمية عن تحرير القدس ولكن أحداً لا يذكره. وقد أدرك صلاح الدين أهمية مضائق تيران وجزيرتي صنافير وتيران باعتبارهما مدخل أي سفينة للصليبيين في اتجاه المدينة المنورة وكل البحر الأحمر. لذلك نجد قلعة صلاح الدين في هذه المنطقة من سيناء. وحرر صلاح الدين كل البحر الأحمر وجعله بحيرة اسلامية، واليوم نحن نفتحه لليهود والصليبيين من ايلات حتى أريتريا وما بينهما من قواعد أخرى. فهناك قواعد اسرائيلية أمريكية وفرنسية وصينية أما المسلمون فلا توجد لهم قواعد بحرية في جنوب البحر الأحمر إلا القوتين اللتين تزحفان على المستطيل (تركيا- ايران).

إذا كنا كما يزعم المنبطحون والمستسلمون نعيش في حالة سلام ووئام دولي وإقليمي، فلماذا أقيمت كل هذه القواعد في جنوب البحر الأحمر؟!

ولنؤكد مرة أخرى أن سواحل البحر المتوسط الشرقية والبحر الأحمر والخليج العربي أجزاء لا تتجزأ من المستطيل القرآني.

وفي حالة البحر الأحمر فهو أشبه ببحيرة بين الجزيرة العربية ومصر، وما هو إلا اخدود صنعه زلزال رهيب، وإلا فإن الأرض كانت متصلة بين أفريقيا وآسيا وبين مصر وجزيرة العرب.

إذن وحد صلاح الدين الاقليم القرآني وظل يعمل تحت القيادة الاسمية للخليفة العباسي في بغداد. وبعد كل هذه الحركات الالتفافية والمعارك والمناوشات المتقطعة في فلسطين والشام مع الصليبيين، جاء دور تحرير القدس، وكانت معركة حطين التي قصمت ظهر الحركة الصليبية وانتزعت الجوهرة التي ترمز لأهمية وجودهم واستيطانهم في المنطقة، فقد تم تشتيت وإبادة القوة العسكرية الضاربة لهم، لذا عندما تقدم جيش المسلمين نحو القدس بعد حطين كانت معركة يائسة بالنسبة للمحاصرين، فبعد بعض المقاومة رأوا أن يسلموا المدينة المقدسة. وما ترويه كتب التاريخ في تساهل صلاح الدين مع المستسلمين أكثر بكثير مما هو منشور ومعروف حاليا، فقد تجاوز الأمر فعلاً التسامح إلى حد التساهل فخرج الصليبيون بأسلحتهم وأصبحوا قوة احتياطية لهجوم مضاد فيما بعد. ومع ذلك سيظل يذكر التاريخ هذا التناقض الحاد (contrast ) بين دخول الصليبيين للقدس وقتل 70 ألف مسلم وإراقة الدماء حتى ركب الخيل. وهذا الدخول السلمي الحضاري لصلاح الدين، لقد كسب الاسلام والمسلمون كثيراً من هذه اللوحة المناقضة للوحة الدم الصليبي. وأسرع صلاح الدين فحرر كل أنحاء مملكة القدس والساحل الشامي كله عدا مدينة صور المحصنة.

والشائع شعبياً أن الحملة الصليبية انتهت تماماً في معركة حطين، ولكنها كما ذكرنا قصمت ظهر القوات الرئيسية في ظل وجود كبار قادة أوروبا كريتشارد قلب الأسد. وقد كانت ضربة مؤثرة إلى حد أن الأمر احتاج لحملة صليبية ثالثة أي حشد عسكري جديد من أوروبا تحت شعار استرداد القدس.

في الفيلم السنيمائي يستحسن الوقوف عند هذه النقطة وإنزال (تتر) النهاية. ولكن مع الأسف وفي الواقع فإن نهاية حياة صلاح الدين كانت محزنة إلى حد ما، وإن كان هذا لا يقلل مما فعله في تحرير القدس، وقد حماها وظلت تحت سيطرة المسلمين في حياته. ولكن الحملة الصليبية الثالثة نجحت في إستعادة معظم الساحل: عكا- يافا- حيفا- عسقلان، أما مهمة تطهير فلسطين من الصليبيين نهائيا فقد كانت على يد المماليك الذين يحب أخواتنا المثقفون أن يسبوا فيهم ليل نهار، بالحق والباطل. وسنأتي إلى ذلك.

إذن عند وفاة صلاح الدين في 589 هـ كان معظم المستطيل والقدس تحت سيطرته عدا الساحل الشامي (سواحل فلسطين ولبنان وسوريا حاليا) وكان بالامكان المواصلة من وضع قوي في الفصل الأخير من هذه الملحمة.

دور مصر في معركة حطين:

ليست مهمتنا التأريخ بل التحليل الاستراتيجي للاستفادة اليوم بهذه الخبرات. ذكرت فيما مضى عندما أشرت إلى أن مصر ذكرت في القرآن أكثر من الشام وأن الشام تم تمجيده في القرآن أكثر من مصر (الأرض التي باركنا حولها) والأحاديث النبوية سارت في نفس الاتجاه. وتشجعت وقلت ان أحداث التاريخ ستثبت أن المعارك الكبرى الحاسمة ستجري في الشام وأن مصر ستكون لها اليد الضاربة القيادية ومعركة حطين وكل معارك صلاح الدين في فلسطين تجسد هذا المعنى.

سيقال..ان صلاح الدين كان كردياً، ونعود لنقول، ما ذكرناه في البداية، أن الدور المصري الذي نستشفه من القرآن (ومن الواقع لا تعارض بينهما) ليس دورا عنصرياً عرقيا، بل هو دور عبقرية المكان الذي صنع ليس القدرة على التحكم الجغرافي فحسب، بل صنع مناخاً لنمو حالة حضارية خاصة وكل من يأتي لمصر ويستقر فيها يتشبع بها بعد حين. وإلا لماذا تذهب لأقصى الغرب والجنوب بينما الصليبيون أمامك مباشرة؟!

لقد أدرك الزعماء والقادة الناجحون الدور المفتاحي لمصر، قبل صلاح الدين وبعده. وقد رأينا الفهم العبقري لعمرو بن العاص. ولكن دعونا الآن نركز على الحالة الأيوبية!!

(1) عندما نقول أن مصر كان لها الدور الحاسم في هزيمة الصليبيين رغم أن القائد كردي يبدو الأمر غريبا. ولكننا نقول أكثر من ذلك ان صلاح الدين لم يكن كرديا وحده، فالأيوبيون كلهم أكراد (ولم يجر عليهم رق). وكان عماد الدين زنكي يحكم تكريت ثم الموصل (ومن بعده نور الدين زنكي). وكانت تكريت معظمها اكراد (على خلاف الوضع الحالي) وقد كان والد صلاح الدين يعمل مع زنكي ولذلك ولد صلاح الدين في تكريت وتربى في الموصل. وقد كان الأكراد عماد الجيش الأيوبي، وقد قاتل الأكراد والتركمان مع العرب في بداية التصدي للصليبيين في منطقة الجزيرة (بين دجلة والفرات) المقابلة لإمارة الرها الصليبية. إذن لم يكن صلاح الدين كرديا وحده بل كل أسرته وعائلته الكبرى وقواده العسكريين. ويعتبر الجيش الأيوبي مسئولاً عن إدخال نظام المماليك في مصر باستقدام مماليك من أصل تركي لدعم الجيش الأيوبي، وكان كل قائد كبير لديه مجموعة مملوكية خاصة به فهناك المماليك النورية (المرتبطة بنور الدين) والمماليك الأسدية المرتبطة بأسد الدين شيركوه (وكانوا 500 مملوك)..الخ

ومع ذلك ومع استمرار وجود صلاح الدين الأيوبي في مصر بدأ يرتاح للمصريين، وبدأ يعتمد عليهم بصورة تدريجية، ووصل الأمر إلى حد أن الحلقة الخاصة لصلاح الدين كانت من المصريين. والحلقة الخاصة تعني الحراسة الخاصة وهي أهم فرع في أي جيش وفي أي نظام أمني. وهذه القوة كانت تشارك مع صلاح الدين في كل الحروب. وكان قائد الأسطول البحري المصري حسام الدين وقد كان قائداً بارعاً مشهوداً له وهو الذي دمر أسطول أرناط الصليبي الذي كان يستهدف قبر الرسول. وقد كان كذلك وبتعاون صلاح الدين مع علماء الاسلام فقد كان هؤلاء يدعون الناس إلى التطوع للجهاد في سبيل الله، وبالتالي أقبلت أعداد كبيرة من المصريين على التطوع في الجيش وكانت لهم وحدات خاصة باعتبار أنهم أقل تدريبا. وفي معركة حطين تحديداً كانت أعداد المتطوعين المصريين كبيرة ثم لعبت دوراً مهما في فتح القدس، حيث قاموا بمهمة حرق الأعشاب المحيطة بأسوار القدس وقد أدت كثافة الدخان إلى إرباك المدافعين، وفقدانهم الرؤية والتركيز مما ساعد على بداية اقتحام الأسوار، وهو من الأمور التي عجلت بالاستسلام. وتواصلت مشاركة المتطوعين في الجيش الأيوبي.

(2) لاحظ أن صلاح الدين لم يستخدم نظرية كسارة البندق في معركة حطين (كما فعلنا في حرب اكتوبر ونجحنا في الأيام الأولى) بمعنى أن يهجم جيش من مصر وجيش من سوريا ويطبقان على الخصم. كان صلاح الدين يعتمد على الجيش المركزي القادم معه من مصر وإن كان يضم قوى من كل أنحاء البلاد الشامية والعراق. ولكن نظرية كسارة البندق ظلت تعمل من النواحي السياسية فالشام عمق الجيش.

(3) وهذه نقطة بالغة الأهمية، ان مصر كانت قاعدة مستقرة آمنة عادة. ونقول عادة لأنها لا تسلم من من بعض الاضطرابات هنا وهناك، إلا أنها  لا تقارن بكم وحجم الاضطرابات والمشاكسات والمناوشات بين أمراء الشام وشمال العراق (ونقول الشمال لأن جنوب العراق كان ساكنا مع الخليفة في بغداد!! أو لا يحرك ساكنا). وهي نفس المشكلات التي نراها الآن في سوريا والعراق. وكانت مواجهة هذه المشاجرات تأخذ من عماد الدين ثم من نور الدين زنكي مجهودات فظيعة تستنزف الطاقة بدلاً من التركيز على محاربة الصليبيين. فقد كان نور الدين أشبه بالأب كلما استدار أو خرج من المنزل، يتضارب الأولاد مع بعضهم البعض، ولا تحل المشكلات إلا بعودته!!

أما القائد الذي يخرج من مصر ليقاتل الأعداء فما كان له أن يتوقع هذا النوع من الاضطرابات في ظهره!!!.

 الفصل الرابع عشر
لماذا أقسم الله بالشام ومصر ومكة في سورة التين؟

<< قل لي: من يحكم القدس؟ أقل لك: من يحكم العالم!
<< شجرة الدر كانت أعظم من كثير من الحكام الرجال

 

توقفنا عند شرح أسباب الدور القيادي لمصر خاصة في المعارك الفاصلة، بمناسبة استخدام صلاح الدين لمصر كمقر للحكم وكقاعدة لمحاربة الصليبيين وقصم ظهرهم في حطين ثم فتح القدس، وأشرنا إلى (1) حجم مشاركة المصريين في المعارك. (2) الجيش الخارج من مصر هو الذي يقاتل الصليبيين في المعارك الكبرى. (3) مصر قاعدة مستقرة ونواصل في هذه النقطة الجوهرية، وكنا قد ذكرنا أن قول سيدنا يوسف (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) كانت تشير إلى معاني عامة عن مصر وإلا كان بإمكانه أن يقول لأهله أنتم هنا آمنون في ظل حكمي أو أي عبارة أخرى لا تشير إلى مصر. ونرى جازمين أن أي كلمة توضع في القرآن بميزان أدق من الذهب، بميزان رباني. ففي حياة البشر إذا أشاد الحاكم بوزير فإن هذا يكون من علامات سعده وتثبيته في الحكم. فكيف بالخطاب الرباني الذي يذكر بلداً بالاسم (وحدها)، ويقرنها بالأمان والأمن في مرة من المرات. ويقول المفسرون عادة أن القصص القرآني منزوع منه كل التفاصيل غير المؤثرة ولا يترك فيه إلا مواضع العبرة والتوجيه.
من أهم أسباب حالة الأمن والاستقرار في مصر هو حالة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي القديم حول النهر منذ آلالاف السنين. فالمصري غير قلق على قوُته كالبدوي الذي ينتظر المطر او يبحث عن المرعى هنا وهناك. وأيضا النهر خلق علاقة مصلحة مستقرة بين الحاكم والمحكوم، فالحاكم ينظم الري ويشرف على تقسيم الأراضي وهو مشتري للمحصول (دعك من أي مظاهر للظلم المقترن بالانسان فنحن نركز الآن على القواعد العامة) وهو أيضا يحفظ الأمن، ونهر النيل من أكثر أنهار العالم هدوءاً واستقراراً من حيث سرعة تدفقه وانتظام فيضانه والفيضان كان يغرق القرى فيذهب الفلاحون إلى أماكن مرتفعة، ثم يعودون بعد انحسار المياه لاعادة توضيح حدود الملكية بين الأفراد وهذا أيضا دور الدولة. تبدأ الزراعة الحيضية بعد أن غسل النهر الأرض وزودها بالمزيد من الطمي.
لا تخلو الحياة من مشكلات فالفيضان قد يكون عاليا أكثر من المعتاد او أقل من المعتاد ولكن هذه التقلبات التي تأخذ شكل الدورات (كدورة سيدنا يوسف او التي اكتشفها من خلال تفسير حلم ملك) هي اهون بكثير خاصة إذا تمت مواجهتها بهذا الأسلوب (الذي اتبعه سيدنا يوسف في تخزين الحبوب وقد كشفت الآثار بعض هذه المخازن)، أهون من مشكلات  حياة البداوة والقنص والاعتماد على المطر.
انبساط الأرض وانفتاحها على بعضها البعض ووجود النهر كوسيلة نقل وانتقال سريع. كل هذا ساعد على التوحيد الجغرافي ومن ثم النفسي للمصريين، والتوجه الجماعي بحثاً عن الله الواحد الأحد .
وفي التاريخ المكتوب لم نجد حتى الآن أي تراث يذكر للأنبياء رغم اننا على ثقة من تعددهم في مصر قد ذكر القرآن منهم: موسى وهود ويوسف وما يروى عن ادريس.
في مناطق الشام والعراق نجد واقعاً مختلفا رغم وجود نهري دجلة والفرات فإن عوامل معاكسة عديدة منعت الاستقرار (سنتحدث عنها فيما بعد ان شاء الله). وظلت حتى الان تعاني من حالة فسيفساء شديدة: ستجد كل المذاهب والأديان والملل في لبنان الصغيرة، كذلك في سوريا والعراق وحتى تركيا وإيران، كذلك في فلسطين وإن كانت أقلهم تشرذما وأقرب إلى مصر من حيث الانسجام الداخلي، بل لقد انتجت هذه المناطق مذاهب جديدة غير موجودة في العالم (مثل المارونية اللبنانية) هذا بالاضافة إلى التداخل العرقي: أكراد- تركمان (أتراك)- عرب- أرمن. وتساهم البيئة الجبلية في الحفاظ على هذا التعدد حيث تعتصم بعض الفئات في أعلى الجبال في مواجهة أعتى القوى وتستطيع أن تحيا وتبقى وتحمي نفسها من الفناء أو الذوبان (النصيرية كمثال) والخيرات كثيرة تغري أي طائفة أو حاكم مدينة ليعلن استقلاله ودولته الخاصة. كما حدث في مرحلة دولة المدينة في أوروبا في العصور الوسطى.
في العراق سنجد الفسيفساء في الشمال، أما في الوسط والجنوب فسنجد انقسام الشيعة والسنة كافيا- إذا لم يعالج على خير وجه- إلى احداث صراع وتصدعات إلى أبد الدهر.
في عهد عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي وصلاح الدين، كان جنوب العراق مع الخليفة العباسي أما الشمال فهو بين الأكراد والتركمان والعرب، كما أن كل مدينة ترى نفسها جديرة بالاستقلال.. سنجد الموصل أشهرهم، وفي الشام، دويلات دمشق وحلب، والدول الساحلية، فكل ميناء مشروع دولة! حتى الصليبيين حين جاءوا دخلوا في نفس المنظومة، فلم تكن لهم دولة موحدة، فكانت إمارات الرها- أنطاكية- القدس- إمارات الساحل ومستوطنات متناثرة هنا وهناك تتمترس حول أو داخل تحصينات وقلاع.
وهكذا كان اختلاط الأوراق في صندوق الشام مستمرا بشكل يومي أو اسبوعي أو شهري فتجد تحالف بين إمارة اسلامية وإمارة صليبية ضد إمارة إسلامية اخرى وهكذا. لذلك لعب عماد الدين ثم نور الدين ثم صلاح الدين دوراً رهيبا في توحيد هذا الشتات ضد الصليبيين، واحتاج الأمر لاستخدام القوة في العديد من المرات.
في مصر بعد انتهاء الصراع بين أجنحة حكم الفاطميين استقرت الأوضاع تماماً، فمصر تشهد صراعات سلطة أكثر من أي نوع آخر من الصراعات، وصراعات السلطة عادة لا تطول لأنها إذا طالت تؤدي إلى انهيار الدولة على رؤوس جميع المتصارعين، ولذلك نجد أن الحاكم الفاطمي (العاضد) هو الذي استدعى أسد الدين شيركوه ليحكم مصر وينهي هذه الصراعات، بعد ذلك لن نسمع عن أي مشكلات تذكر في الداخل المصري.
فالشعب المصري في ذلك الوقت أصبحت أغلبيته مسلمة سنة شافعية وقد عزز الأيوبيون المذهب الشافعي. والمسيحيون يمارسون حياتهم بصورة طبيعية لا تختلف اجتماعياً عن سلوكيات المسلمين والأصل لدى الكنيسة المصرية عدم التدخل في السياسة على عكس الوضع الراهن وهو جديد!
إذن لا توجد في مصر أسس للتناحر بين اقليم واقليم أو بين عرق وآخر او بين قبيلة وأخرى...الخ، والأغلبية الساحقة مزارعون وقلة شديدة بدو بالاضافة لقلة أخرى في العمل الاداري.
(4) من الناحية العسكرية مصر محمية بالبحار والصحراء ولا يمكن مفاجأتها بالغزو إذا كان نظام الحكم متيقظا وكانت حالة المجتمع متماسكة، (هذا على خلاف الأوضاع في العراق والشام) هذا من الناحية الدفاعية. ومن الناحية الهجومية يمكن ان تقوم بنفسها بدور كسارة البندق على مناطق الشام، فهي تستطيع الهجوم عبر طريق بري منبسط يجعلها فوراً في قلب الشام. ويمكن ان تستخدم في نفس الوقت أسطولاً بحريا لمهاجمة الشام (أقصد عندما يكون محتلاً بالصليبيين او غيرهم) من البحر، وقد استخدم الأيوبيين أسلوب الجمع بين الهجوم البري والبحري.
(5) من الناحية الاقتصادية مصر تملك مفاتيح التجارة العالمية فهي تملك إغلاق البحر الأحمر على من تريد من مضائق تيران حتى باب المندب (عندما تكون في حالتها الصحية الطبيعية)، كما أن معظم التجارة الآسيوية كانت تأتي عن طريق السويس ثم تنقل براً لدمياط أو الاسكندرية لتكمل طريقها بحراً إلى اوروبا، وكذلك بالعكس. وكان هذا هو الطريق الأساسي وليس طريق البر (الحرير) لأنه غير آمن دائما. وسنرى كيف استخدمت مصر هذا السلاح في الصراع الدولي في عهد المماليك. كذلك ففي فترات النفوذ المصري في الشام فإن مصر تتحكم أيضا في طريق التجارة البرية القادمة من الخليج أو من أعماق آسيا إلى موانئ الشام.
وسنرى كيف تتفاعل هذه العناصر كلها معاً في المراحل  التالية.
المهم أن العلاقة المثلثة بين الجزيرة العربية ومصر والشام قد تم الاشارة إليها في سورة التين، فالرأي الغالب لدى المفسرين  القدامى والمعاصرين ، أن التين والزيتون تشير إلى الشام، وطور سنين هي مصر بوضوح "وهذا البلد الأمين" تشير إلى مكة، وقد ذكرنا من قبل أن 3 أماكن في المستطيل يرد ذكرها مكرراً في القرآن أكثر من غيرها وهم على الترتيب: (الجزيرة العربية- ثم مصر ثم الشام. فالجزيرة عمود فقري العقيدة (مكة) وعلى أرض الشام تجري المعارك الفاصلة، والقيادة عادة تكون لمصر في هذه المعارك. ولقد أقسم الله بالثلاثة معاً في ثلاث آيات متتالية في إشارة إلى الارتباط العضوي بينها، وإلى أهميتها وقدسيتها عند الله.
*************
ضياع القدس بعد وفاة صلاح الدين:
ذكرت من قبل أن الفاصل الأخير من حياة صلاح الدين كان حزينا نسبياً لولا أهمية الموضوع بالنسبة لدراستنا ما تطرقت إليه، بالاضافة إلى انني أفرق بين نوعين من الدراسات:
(1) دراسة للشباب والنشأ والاعلام والمناهج الدراسية المدرسية فهذه تركز على الجوانب المضيئة لأنها هي الأساس. (2) دراسة للمتخصصين لابد أن تتناول كل شيئ، بالدراسة والتحليل. وأنا أعتبر أن قراء مثل هذه الدراسة في الانترنت هم من القيادات السياسية الجادة واعتبرهم من المتخصصين أو مشروع متخصصين وعموماً المستوى الثقافي الأعلى من القراء.
كما لن أتناول كل مظاهر الحزن في أواخر حياة صلاح الدين إلا ما يتعلق بدراستنا (المستطيل والرؤية الاستراتيجية)، باختصار فإن مظاهر ضعف الدولة الأيوبية ظهرت في أواخر حياة صلاح الدين عندما أضطر لمواجهة الحملة الصليبية الثالثة التي جاءت من أوروبا وهي fresh أي غير منهكة بالمعارك. وحدث ما ذكرنا حيث هزم صلاح الدين في معركة الرملة، وعقد صلح الرملة. وخلاصة الأمر أن الصليبيين استعادوا الساحل ولكن صلاح الدين ظل متمسكا بالقدس.
كانت عناصر ضعف الدولة الأيوبية في أشقاء وأبناء صلاح الدين الذين لم يكن معظمهم على مستوى صلاح الدين. المهم بعد وفاة صلاح الدين بفترة ما استعاد الصليبيون القدس لمدة 11 عاما، ولم يتم هذا بمعركة حربية ولذلك لم يشتهر الأمر في كتابات التاريخ المختصر. ولكننا فقدنا القدس في إطار عمليات مساومة وتفاوض وفي ظل خلل في موازين القوى بسبب بعض الخونة من أمراء الشام. ولكن الملك الصالح (وهو اسم على مسمى) نجم الدين وآخر الحكام الأيوبيين الكبار استعاد القدس عام 1244 م، بمساعدة الدولة الخوارزمية.
في هذه المرحلة أدرك الصليبيون بشكل متزايد أهمية مصر من الناحية الاستراتيجية فرأوا ألا يحاولوا من جديد استعادة القدس، لأنهم لن يستقروا في الشام أو في القدس إلا إذا تخلصوا من الصداع المصري. فلابد من احتلال مصر. وهذه الفكرة كانت موجودة دائماً، ولكنها أصبحت ملحة أكثر، كما بدا للصليبيين انها ممكنة أكثر في مرحلة ما بعد صلاح الدين. وتعددت الغارات الصليبية البحرية على مصر واستخدمت قبرص كمحطة صليبية لكل أوروبا، كما عمل ملك قبرص بالأصالة عن نفسه مجموعة من الغارات، عندما لاحظ الضعف المصري. فقام ملك قبرص (لاحظ الهوان الذي أصبحت فيه مصر) بالاعتداء عى مصر1204 م واجتاح مصر من خلال فرع رشيد حتى فوة، وهو لا يملك أن يحتل مصر، فيقوم بعمليات تخريب ويعود محملاً بالغنائم. وتظل سفنه تعتدي على السفن المصرية في البحر حتى وإن كانت سفنا تجارية، كان هذا في عهد العادل الأيوبي وفي عهده أيضا حدث هجوم صليبي آخر على دمياط 1218 وشاركت قبرص فيه، ولكن الحملة فشلت في تثبيت أي موضع لقدم. ثم جاءت الحملة الكبرى بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا عام 1248 والتي انطلقت من قبرص وشارك فيها ملك قبرص.
وهكذا نرى كيف أن جزر شرق البحر المتوسط كانت خنجراً في ظهر المسلمين، ونرى من الأخطاء الاستراتيجية لكل مراحل حكم المسلمين انهم لم يهتموا بهذه الجزر واستصغروا شأنها، وكانوا يضربونها وينسحبون، ولم يبذلوا أي جهد ملحوظ لنشر الدعوة الاسلامية أو توطين المسلمين بها: قبرص- مالطة- سردينيا- كريت- صقلية هي أبرزها. ولا نجد الآن سوى قسم مسلم تركي في قبرص. المهم لقد ظلت هذه الجزر محطات للحملات الصليبية والاستعمارية حتى العصر الحديث. ويأتي إهمال المسلمين لهذه الجزر في إطار عدم إعطاء أهمية كافية للقوة البحرية عدا الدولة العثمانية ولكنها ظلت حتى النهاية أقرب إلى القوة البرية منها إلى القوة البحرية.
المهم أن الملك الصالح دافع عن القدس والتواجد الاسلامي في الشام ودافع عن مصر، ولكنه سار في نفس الطريق الذي بدأ في عهد صلاح الدين وهو استجلاب المماليك من آواسط آسيا، وسميت في عهده المماليك البحرية لأنها كانت تتركز في قلعة الروضة بجزيرة الروضة. قصة حملة لويس التاسع معروفة وأحسب أنها تدرس في المدارس ولكن بدون تفصيل كاف ، فهي ملحمة رائعة للمقاومة الشعبية وتلاحم الدولة مع الشعب وظهور الدور الحربي للمماليك سواء احببنا ذلك أم لا، فهذا هو التاريخ. معارك المقاومة بدأت من دمياط وتواصلت حتى المنصورة، وتستحق أن تدرس بالتفصيل في المدارس وفي الكليات الحربية وأيضا لدى فصائل المقاومة. لست مؤرخاً وهذه الدراسة ليست للتأريخ ولكن وبهذه المناسبة أرجو لمن يتحدث عن شجرة الدر أن يتحدث باحترام ولا يحولها لمادة فكاهية كما يحدث بمناسبة الطريقة التي ماتت بها. لأن هذا من علامات احتقار النفس، حين تحتقر شخصية محترمة من تاريخك.
فشجرة الدر سيدة عظيمة كانت أمة (لم تكن حرة) وتزوجها الملك الصالح وأحبها، وعندما أصابه مرض عضال في ظل الهجمة الصليبية قامت بدور نادر في التاريخ وهو إخفاء موته حتى لا تتأثر المعنويات في القتال ولكنها أبلغت كبار القادة العسكريين (المماليك). وهي لم تكن متهافتة على الحكم، بل تصرفت بصورة عاقلة وأرسلت إلى ابن الملك الصالح (توران) ليأتي من الشام ويتولى الحكم رغم أن علاقتها به لم تكن جيدة، وقد جاء بالفعل وتسلم الحكم.
المعركة حسمت في المنصورة وهزم الصليبيون وتم أسر لويس التاسع ملك فرنسا. ولم يكن توران صالحا للحكم.
المهم حدثت تطورات عدة اضطرت شجرة الدر أن تحكم مصر حوالي 80 يوما بعد ان قتل المماليك توران. ومن الطريف أن الخليفة العباسي أرسل رسالة شديدة اللهجة لحكام مصر قال فيها: "ان لم يكن لديكم رجل يحكم البلاد فأرسلوا لنا كي نبعث لكم رجلاً".! ويطرب البعض لهذه الكلمة ولكنهم لا يتذكرون أن قائلها هو نفسه كان يحتاج رجلا ليحكم بغداد بدلا منه لأنه بعد 10 سنوات ستحدث كارثة اجتياح المغول لبغداد وسنرى موقفه المخزي. هذا دين لشجرة الدر في عنقي، أديته لها، ولا أرى خطأ شرعياً في تولي امرأة لإحدى الولايات أو المحافظات إذا كانت أهلا لذلك، أو ادت الظروف إلى ذلك ولو بصورة مؤقتة فهذه ليست الإمامة العظمى. وإذا كان الرأي الآخر أي رفض تولي المرأة لأي ولاية أو محافظة مطلقا هو الأرجح عند البعض فلا أرى إلا الحديث عن شجرة الدر باحترام بقدر ما قدمته لمصر وللمسلمين ولحسن تصرفها في واحدة من أكبر الأزمات. وسنرى ماذا فعل المماليك الذين ورثوها؟ وكيف قتلوا بعضهم بعضا حتى في ظل المعارك مع الصليبيين والتتار.
المهم لقد طويت صفحة الدولة الأيوبية بمقتل توران ابن الملك الصالح وبدأ عهد المماليك. ولكن الأيوبيين سلموا مصر ومعظم الشام والقدس في يد المسلمين واستلم المماليك المستطيل القرآني كاملاً عدا الساحل الشامي المحتل، وأعلنوا ولائهم للخليفة العباسي وهو ولاء شكلي وكان الحكم في المستطيل للمماليك حتى مجيئ العثمانيين.
لماذا ظلت القدس تتأرجح؟
هذه مقولة أذكرها وأنا مغمض العين.."قل لي من يحكم القدس..أقل لك من يحكم العالم!"
في هذه اللحظة كانت القدس تحت السطرة الفعلية لمصر، والتبعية الاسمية للخلافة العباسية بدون تعارض.
أقول هذا بمناسبة تأرجح القدس بين الصليبيين والمسلمين عقب وفاة صلاح الدين. فالصليبيون يعلمون أن السيطرة على القدس ضرورة لتثبيت حكمهم في المشرق وهذا التأرجح للقدس لسنوات معدودة بين الطرفين يؤكد وجود خلل في توازن القوى. ولكن عودة القدس إلى أحضان المسلمين كان علامة مطمئنة أنهم سيظلون يحكمون المستطيل الأوسط في المدى المرئ وهذا ما حدث.
عندما كانت مصر هي الدولة الأولى في العالم كانت القدس (أورشليم) تابعة لها. وعندما تعرضت مصر للغزو كان الغزاة يضعون تاج القدس على رؤسهم أولاً. (المعلومات التالية من كتاب (انحطاط وسقوط الامبراطورية الرومانية للمؤرخ الانجليزي إدوارد جيبون)
- عندما قام بختنصر ملك بابل في 546 ق.م باحتلال المستطيل أي مركز العالم- أحرق بيت المقدس وأسر اليهود وحملهم إلى بابل.
- عندما جاء الرومان بعد الميلاد استولوا على بيت المقدس في 70 م
- وعندما قامت ثورة لليهود في عام 132 م قمع الامبراطور هادرين الثورة وطرد اليهود من القدس وأنشأ مدينة على أطلال مدينة القدس المحترقة.
- انتصار الفرس الذي أشار إليه القرآن في سورة الروم كان في عام 616 م وأدى إلى أسر 50 ألف رومي واستولى الفرس على أورشليم (القدس) وأحرقوا كنيسة القيامة (مدفن المسيح وفقا لعقيدتهم) وكنائس أخرى ونهبت النذور والأوقاف الدينية ونقل الصليب الأصلي- كما يتصورون إلى إيران وقتل 90 ألف نسمة وسقطت انطاكية العاصمة الشرقية، وواصل الفرس فاستولوا على مصر (ليستكملوا السيطرة على المستطيل وامتدت حدود الدولة الفارسية إلى الحبشة وطرابلس الغرب ومختلف المستعمرات البيزنطية وكثير من مناطق أفريقيا. واستمرت المخيمات العسكرية الايرانية أمام القسطنطينية 10 سنوات. ولو كانت إيران تملك أساطيل لاحتلت ما تبقى من الولايات البيزنطية. وانحصرت الدولة البيزننطية في أسوار القسطنطينية (الحصينة والتي دوخت المسلمين بعد ذلك) وفي بعض مناطق اليونان وإيطاليا وأفريقيا بالاضافة لبعض القرى الساحلية مثل صور وطرابزون. وقد أدى سقوط مصر التي كانت تورد للرومان القمح وشتى أنواع الحبوب وكانت توزع مجانا على أهل روما وما حولها منذ عام 303 م ، أدى سقوط مصر إلى توقف هذا التموين بدءاً من عام 618 م.
وبعد 9 سنوات كما ذكر القرآن الكريم، وكما أوضح الرسرل صلى الله عليه وسلم لأبي بكر فإن "بضع" تعني من 3 إلى 9 سنوات. وكان أبو بكر قد راهن في البداية على 5 سنوات مع المشركين (راجع القصة في السيرة) بعد 9 سنوات بالضبط أي 625 م قام هرقل ( والذي كان في الأصل حاكم فاشلا) بهجوم مضاد عبر الأناضول وكردستان ونهر دجلة ونينوي والمدائن ووصل إلى قلب بلاد فارس!
وقد ورث الرومان - من اليونان – الصراع مع فارس حول القدس، فقد كان يتم تداول السيطرة عليها بين الطرفين في بدايات القرن الأول الميلادي كإغارة (أنطونيوس الرابع- أو أبيقانس) ملك أنطاكية اليونانية على بيت المقدس 168 م. بل ظل اليونان والرومان يتبادلان الهجوم على القدس وانتزاعها من الفرس. وقد حدث ذلك بين اليونان والفرس قبل الميلاد وكانت اليونان تسمى (الحضارة الهلستينيىة) هذا وفقا للتقويمات الغربية التي تستبعد فارس وغيرها من الحضارات من التصنيف التاريخي لتطور الحضارات. بل يصل الأمر أحيانا لاستبعاد الحضارة المصرية والعراقية، ويقولون أن الحضارة الانسانية بدأت بالمرحلة الهلستينية. وقد كان كارل ماركس مؤسس النظرية الماركسية يحتقر ما أسماه النمط الآسيوي للانتاج، ويعتبر الحضارات التي نشأت حول الأنهار في مصر والعراق والهند والصين حضارات استبدادية متخلفة لم تولد أي نوع من التقدم. أما ما ذكرناه عن التقارير الغربية التي تؤكد أهمية وأصالة الحضارة في مصر وبلاد الرافدين، فهذه من انتاج الأكاديميين غير المصنفين أيديولوجيا، والأمناء علمياً.
وأخيراً رأينا كيف كانت القدس أشبه بالكرة الملتهبة التي تتبادلها القوى المسيطرة على العالم. ونعود فنقول: قل لي من يحكم القدس.. أقل لك من يحكم العالم.

 الفصل الخامس عشر
المغول اجتاحوا آسيا وأوروبا وروسيا والمشرق..وهزمتهم مصر!
كيف سلم المستعصم بغداد بدون قتال!

 

هكذا إذن تولى المماليك حكم مصر ومن ثم حكم الشام والمستطيل وورثوا الدولة الأيوبية عبر قتل توران ابن الملك الصالح ثم زواج شجرة الدر من عز الدين أيبك حتى يحكم هو كرجل، ثم قتل أيبك ثم تولي سيف الدين قطز من كبار قادة ومحاربة المماليك.

في عهد المماليك كان يسمى حاكم مصر وتوابعها السلطان ليظل يعمل تحت شرعية الخليفة العباسي في بغداد. كما كان الحال في عهد الأيوبيين وكما كان وسيظل لقرون (!!) والطريف أن خلفاء العباسيين "استمرأوا" هذا الوضع منذ أيام السلاجقة، فهم يتمتعون بملذات الحكم ويتركون تبعاته ومسئولياته وآلامه لغيرهم، وقد كان هذا هو المناخ المناسب لاستشراء التحلل والفساد في مؤسسة الخلافة. فعندما بدأت طلائع الحملات الصليبية تنتقص المستطيل من أطرافه، وتعتدي وتقيم الممالك. كان المسلمون وعلماء المسلمون "الطيبين" يرسلون البعوث الاسلامية والاستغاثات للخليفة العباسي في بغداد وينتظرون منه المد والغوث بالمال والرجال والعتاد، وينتظرون منه إعلان التعبئة العامة وإطلاق نفير الجهاد، لم يحدث أي رد فعل على مستوى الحدث الرهيب والخطر الذي أصبح جاثما على الصدور. فبدأ العلماء والقادة الشعبيون يعتمدون على أنفسهم كل في موقعه ومكانه ومدينته، مع حث الحكام المحليين على القيام بدورهم.

وكان رد الفعل الأساسي الذي استنهض الأمة هو عماد الدين زنكي سليل حكم السلاجقة، في شمال العراق والموصل ثم ابنه نور الدين زنكي كما اوضحنا من قبل. وحتى عندما بدأت تتحقق بعض الانتصارات ويتراجع الصليبيون كما حدث في سقوط مملكة الرها فلم يفكر أي خليفة في بغداد في الخروج بنفسه لقيادة المعارك، كما كان يفعل الخلفاء من قبلهم ومن بعدهم. بل كانوا يكتفون بارسال "برقيات" التأييد لآل زنكي ثم لصلاح الدين من بعدهم!
أعني بالبرقيات إرسال رسائل التهنئة والتشجيع أو إرسال الحلى والهدايا!! فلم يكن لدى المجاهدين وقت للقيام بزيارات بروتوكولية لبغداد. وكانوا يكتفون بارسال تقارير عن أحوال القتال والجبهات المختلفة.

حتى عندما حرر صلاح الدين القدس لم يذهب لاهداء النصر للخليفة الذي يقاتل تحت لوائه، ليس تكبراً أو تعاليا، ولكن لأنه لم يكن بامكانه أن يترك أرض المعركة، وكان يواصل تحرير الساحل الشامي.

حتى أن الخليفة العباسي قد أصابه الامتعاض من عدم حضور صلاح الدين إليه ليهديه النصر!! وغضب على صلاح الدين ولكنه لم يحرك ساكنا ويكفيه ما هو فيه من خذلان وتقوقع داخل القصور.

وبطبيعة الحال فإن المماليك عندما ورثوا الحكم في المستطيل من الأيوبيين لم يكلفوا أنفسهم مؤونة السفر لبغداد واكتفوا بالاعلان عن الولاء للخلافة العباسية. أما شريف مكة فقد كان يعرف دوره وواجبه، فبينما ظل يدعو للخلافة العباسية فقد أضاف إلى الخليفة السلطان المملوكي في مصر كما  كان يدعو للخلافة العباسية وصلاح الدين الأيوبي معاً من قبل. وهكذا ترون أن المستطيل كان دائما أو على الأغلب مكتملاً تحت راية واحدة.
إعصار المغول يجتاح العالم الاسلامي:

وفي القرن الثالث عشر الميلادي كان مشروع قوة عظمى يتشكل في بلاد منغوليا على حدود الصين، وكانوا رغم البعد الجغرافي منجذبين إلى مركز العالم (المستطيل) والمغول (أو التتار) قبائل تعيش على الرعي في حزام الاستبس بوسط آسيا، وهي قبائل محاربة من أشداء الرجال، ولا يحكمها إلا الأقوى. وهي تجيد استخدام الخيول والقتال من على ظهرها حتى وهي في أشد حالات سرعتها، وهكذا يتحول هجوم المغول إلى إعصار مخيف يبيد من يقف  أمامه. وبالفعل فإن هجوم المغول تحول إلى إعصار بالمعنى الحرفي من حيث سرعة تقدمه ففي خلال فترة قصيرة اجتاحوا واحتلوا القرية الآسيوية الطويلة كلها تقريبا من الشرق إلى الغرب ومن خط وسط آسيا. وقد كان هذا هو طريق أو مسار العديد من الممالك الاسلامية. وقد قاتلت هذه الممالك ببسالة ولكن الاعصار المغولي كان أقوى، خاصة وان كل دويلة أو قلعة أو حصن كان يحارب لوحده بينما كان المغول كالجراد من حيث العداد وقوة التسليح ووفرة الخيول.
المغول بقيادة جنكيز خان وصلوا إلى آسيا الصغرى (تركيا الراهنة) واحتلوها ودخلوا أنقرة ثم اتجهوا إلى روسيا حتى وصلوا إلى موسكو، أي انهم احتلوا أجزاء مقدرة من أوروبا بعد آسيا وظل المغول على مدار 3 قرون يغيرون على جميع أراضي روسيا في السهوب وحتى الجنوب.(لماذا يزداد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا- مارك بوكانان- الدار المصرية اللبنانية- القاهرة-  2009 الطبعة الأولى) ولكن ظل المستطيل (لشرق الأوسط)/ مركز العالم هو حلمهم حتى يصبحوا قادة العالم بحق. وكان من أقوالهم المأثورة: إننا نحكم نصف العالم ونسعى لضم النصف الآخر!!
وقبل الاجتياح في اتجاه الغرب، وكانوا متركزين فيما يعرف الآن بدولة منغوليا الواقعة بين الصين وروسيا في أقصى الشرق، قبل هذا الاجتياح لم تكن الصين المجاورة بعيدة عن أطماع جنكيز خان وهي أشبه بقارة اقامت حضارة وثقافة متطورة منذ ما يقرب من ألف عام. ولكن جنكيز لا يهتم كثيرا بما يسمى حضارة أو ثقافة. فلم تكن الصين بالنسبة له إلا قطعة أرض كبيرة تصلح لنمو الحشائش ورعي الخيول. وقد بدأ جنكيز خان بالصين في أواخر القرن 12 م وقرر تدمير المدن لتحويل أراضيها إلى مراعي للخيل. لكن الصينيين بحكمتهم دفعوا له بشخص أقنعه بأن يعمل له كمستشار اسمه  "يالو تشو تساي" والذي اقترح عليه عدم هدم المدن وفرض ضرائب على السكان وأن هذا سيكون مربحاً أكثر له! وافق جنكيز خان. وفي مدين كاينفونج رفض السكان التسليم وقاوموا الغزو وتعرضوا للحصار وبعدما تمكن جنكيز خان من دخولها قرر ذبح السكان عن بكرة أبيهم ولكن المستشار تساي أقنعه بأن هذه المدينة هرب إليها أفضل المهندسين والحرفيين ومن مصلحته الاستفادة بهم حتى في الأعمال الحربية!
The 48 laws of power- Robert greene- Viking penguin u.s.a 1998
المهم لقد اجتاح جنكيز خان زعيم المغول الصين بلا عناء يذكر ولكن عقله ووجدانه كانا مصوبين نحو الشرق الأوسط/ مركز العالم/ المستطيل!.

لابد أن نأخذ فكرة سريعة عن المغول الذين ركعوا البشرية جمعاء والأمة الاسلامية لفترة من الزمن. هذه أمة لا تعرف إلا القتال والحرب دون أي رسالة اللهم إلا الرغبة في السيطرة على العالم. لا يحكمهم إلا المحارب الأقوى وهذا يتم عبر اختبارات جادة وقد أصبح جنكيز خان رئيسهم بعد أن فاز في واحدة من أصعب المسابقات القتالية. ولكنه كالعادة بين الأمم أراد استمرار الحكم في ورثته. المغول لا يمزحون في القتال بل يتدربون عليه على مدار السنة وبأقسى الأساليب. مثلاً هناك تدريب سنوي كل شتاء يستمر 3 شهور (لأن الشتاء فترة السلام) فيتم توزيع الجيش كله على مسافة 80 ميل في منطقة الاستبس بوسط آسيا (منغوليا) ويتم وضع علم (راية) على بعد مئات الأميال لتوضيح نقطة نهاية الصيد. فالتدريب عبارة عن عملية صيد غريبة، حيث يقوم كل خط قتالي وهو يعدو بمنتهى السرعة بدفع كل أنواع الحيوانات أمامه وفي النهاية يتم تشكيل دائرة حول الحيوانات ويتم قتلها مع ترك الأخطر (النمور) للنهاية. حيث يتم التدريب على الشجاعة، فالشجاعة لا تترك للطبائع الشخصية، لابد أن يكون كل مقاتل شجاعاً، لذلك يقوم فرد واحد وبمفرده بقتل النمر.

The 33 strategies of war Robert greene- A Joost Elffers production- penguin book 2006
بعد استيلاء جنكيز خان على الصين وحيث رأى منتجاتها الرائعة، رأى أن يعيد تشغيل خط الحرير إلى أوروبا كخط تجاري مربح وأرسل إلى الشاه محمد الثاني سلطان دولة الخوارزم، يعرض عقد معاهدة والقيام بعمل مشترك في تشغيل طريق الحرير. وأرسل مع المبعوثين هدايا ثمينة. هل كانت خطوة متحضرة من جنكيز خان؟ وهل كان محمد الثاني يسمع عن المغول ولا يحترمهم؟ فهو لم يرد عليه.

وكانت مملكة خوارزم مملكة كبرى عاصمتها سمرقند وتضم إيران وأفغانستان حتى تركيا الحالية. ولديها جيش يصل عدده عند التعبئة العامة إلى 400 ألف.

كان جنكيز خان صبوراً على غير العادة وأرسل بعثة أخرى للشاه محمد الثاني لإقناعه بالتعاون في إدارة وتشغيل طريق الحرير وأرسل معهم قافلة صغيرة تحمل سلعاً صينية بالغة الجودة. وعندما توقفت القافلة على حدود مملكة الخوارزم في ولاية أنالشيك قام حاكم الولاية الذي أصابته الريبة بالاستيلاء على القافلة وقتل قادتها. العجيب أن جنكيز خان كان صبورا أيضا واعتبر الموضوع خطأ غير مقصود فأرسل بعثة ثالثة للشاه محمد الثاني طالبا الاعتذار ومعاقبة حاكم الولاية وطالباً الرد في موضوع المعاهدة وطريق الحرير. ولكن الشاه محمد الثاني الذي يبدو أنه كان يحتقر المغول ولا يريد التعاون معهم قتل أحد أعضاء البعثة وأعاد الباقين. وبالتالي لم يبق أمام جنكيز خان إلا الحرب. ويبدو ان محمد الثاني كان واثقاً من جيشه القوي وحجمه الذي لا يملك المغول إلا نصف عدده. ولم يدرك التطورات "التكنولوجية" التي أدخلها المغول على قواتهم المسلحة والأساليب التكتيكية الجديدة: فالقوات يتم تقسيمها إلى فيالق منفصلة بحيث يتحرك كل فيلق بصورة مستقلة ولكن وفق الخطة الموضوعة، فينتشر الجيش في اماكن شتى، ولا يدرك الخصم من أي اتجاه يأتي الهجوم الرئيسي، كذلك فإن هذا التقسيم يعطي الجيش المزيد من الحركية والسرعة في الانقضاض والمناورة. (وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه نابليون في معظم حروبه الأوروبية ونجح فيه)، تدريب القوات على استخدام القوس والسهم أثناء ركوب الخيل، واستخدام أسهم مشتعلة بالنار. وارتداء القوات لنوع سميك من الحرير يحمي الجسد من أسهم الأعداء. ولأن السرعة من أهم مبادئ القتال المغولي، فإن المقاتل المغولي يكون لديه عدة جياد احتياطية بحيث إذا اجهد الحصان الذي يركبه استبدله بآخر اكثر نشاطاً. المهم لقد دخلت جيوش المغول من عدة منافذ واتجاهات ومزقت الجيش الخوارزمي شر ممزق واحتلت العاصمة سمرقند، الغزو كان في عام 1220 م واستمر سنة كاملة للسيطرة على المملكة، وهرب الشاه محمد الثاني ومات عام 1221 في إحدى جزر بحر قزوين. وبذلك امتلك جنكيز خان معظم شمال آسيا وطرق الحرير.

إذاً لم يكن الهجوم على بغداد مفاجأة لقد حدث بعد هذه المأساة بـ 37 عاماً وكان هناك فترة كافية للاستعداد والتعبئة لهذا الخطر القادم من الشرق.

كيف سقطت بغداد؟

كما ذكرنا- من قبل- فإن مقر الخلافة أصبح مقراً للملذات ومتع الحكم وليس لمتاعب وواجبات إدارة الدولة، وهذا مناخ يولد حكاماً مترهلين. لم تخلو بغداد من القوات المسلحة فقد كان بها عشرات الألاف من الجنود بالاضافة لقوات في مدن وبلدان حولها ولكن هذه القوات تحولت وكأنها مجرد حرس رئاسي أو ملكي لأنها لم تشارك في المعارك التي لا أول لها ولا آخر مع الصليبيين. وكان المغول إذا اجتاحوا مدينة أو قرية أبادو اهلها واستباحوا كل شيئ، لأن هذا هو أسلوبهم عموما كرعاة وكذلك من أجل إثارة الفزع في المدن القتالية حتى تستسلم بدون قتال، وكانت بعض المدن او الممالك أو القلاع تستسلم على امل النجاة بصورة شخصية ولأن المغول لا يوفون بعهودهم بل يستبيحون المدن المستسلمة كما استباحوا المدن التي قاومت رغم إعطائهم العهود للأولى، ويقدر المؤرخون عدد القتلى في هذه المسيرة الآسيوية المغولية بما لا يقل عن مليون معظمهم من المدنيين وبعض التقديرات ترتفع إلى 2 مليون.

وكان المستعصم بالله (آخر الخلفاء في بغداد) شخصاً مرفهاً يحب السهر والليالي الملاح مع الرقص والغناء ويعيش مترفاً في المأكل والملبس والمشرب، ولم يكن رجل جهاد أو قتال. وعرض عليه مستشارو السوء أن يستسلم لهولاكو قائد المغول (حفيد جنكيز خان) ليتجنب المجازر، وقد يقرر هولاكو أن يتركه في الحكم نيابة عنه. ورغم كل الأنباء المتواردة عن خيانة المغول للعهود فإن المستعصم لم يكن يفكر في أي احتمال آخر. وبالفعل أرسل المستعصم مندوباً لعرض هذه الخيانة وتظاهر هولاكو بالموافقة، وفتحت أبواب بغداد وأسوارها لجحافل المغول حتى أصبحت في وسط بغداد، ودخلت قصر الخلافة. وهنا مثل الخليفة المهزوم أمام سيده.

ولأن الكفر ملة واحدة فستعجب أن المغول تصرفوا كما تصرف الأسبان بعدهم في أمريكا اللاتينية. فقد كان الأسبان عندما احتلوا الأرجنتين وباراجوي وبيرو وبوليفيا (وفق الأسماء الحالية للدول) يعتقلون الملوك والزعماء المحليين ثم يحبسون الملك حتى يملأ لهم بيت أو اثنين بالذهب، وإذا قصر كان يتعرض للتعذيب البدني، وبعد أن يحقق لهم ما يريدون ربما كانوا يقتلونه أيضا (المؤرخ الأسباني دي لاكسا) .

قال هولاكو للمستعصم بعد ان دخل بغداد دون ان يخسر جندياً واحدا: أخبرني بمكان ثروتك حتى تنجو بحياتك أولاً ثم نرى ماذا سنفعل معك؟! وبعد مراوغات عدة حيث لم يقنع هولاكو بما تم كشفه من مخازن للأموال والذهب والمجوهرات واصل ضغطه على المستعصم حتى كشف الأخير عن مخزن ضخم أسفل القاعة الكبرى في القصر التي كان يقيم فيها الاحتفالات والسهرات، وكان المخزن بحجم القاعة وسعتها ولكن أسفل الأرض وكان ممتلئا عن آخره بالمال والمجوهرات وكل ثمين.

وقال له هولاكو ساخراً: لو استخدمت هذه الثروة في بناء جيش ما تمكنا أبداً من احتلال بغداد!
ومع ذلك فبعد فترة من التعذيب تم قتل المستعصم وهرب من تبقى من أسرته إلى القاهرة حيث عاشت الأسرة العباسية في كنف حكم المماليك الذين أحسنوا وفادتهم وإكرامهم وأسكنوهم في جناحاً في القلعة وظلوا يحكمون باسمهم دون ان يكون لهم من السلطة شيئاً.

وكان المماليك (أكثر من الأيوبيين) في احتياج لهذه "الشرعية" لأنهم وافدون من اماكن بعيدة (أواسط آسيا) وكعبيد في البداية.

حدث هذا عام 1258 م، لطالما نسيت تواريخ كثيرة، أحتاج للمراجع كي أتثبت منها، ولكن تاريخ سقوط بغداد (1258) ظل محفوراً في الذاكرة بأسى لا يمكن وصفه، رغم مرور القرون، منذ كتبه استاذ التاريخ على السبورة.
كان المغول يستهدفون (مركز العالم)- المستطيل، واحتلوا عاصمته لأنها كانت في بداية الطريق ولكنهم كانوا يستهدفون المستطيل كله، ويستهدفون جوهرته (مصر).وتقدمت جحافل المغول في الشام أولاً وبدأ المغول يشعرون بمقاومة جادة في بعض مناطق الشام بينما كان هولاكو يعول على إثارة الرعب من انتشار أخبار سقوط بغداد. فرغم أن الحكام استسلموا لهم إلا انه لم يرحم الشجر ولا الحجر ولا البشر ولا الورق، ورق وكتب الحضارة التي لا يعرفها المغول. فدمروا مكتبة بغداد و احرقوها وألقوا الكتب في نهر دجلة، وأحرقوا ما تمكنوا من حرقه عدة أيام كانت بغداد مستباحة بعد أن جمع هولاكو قوات المستعصم بدعوى التفاهم معهم فتم ذبحهم جميعا، ولم يكن هناك أحد ليقاوم ولم يجر أي إعداد لأي مقاومة، وهذا هو جوهر المأساة. والشعوب مظلومة دائماً فالحاكم هو المسئول عندما تقع هذه المساخر.

وسقطت معاقل الشام الواحدة تلو الأخرى: حلب- دمشق التي استبيحت عدة أيام...الخ ولم تخرج الجيوش لملاقاة المغول، بينما التحصن داخل الأسوار المحاصرة ليس حلاً. بينما كانت ممالك الصليبيين قائمة في سواحل الشام بعضها تعاون مع المغول وبعضها كان متردداً ويأخذ موقفاً حياديا لأنهم يعلمون أن المغول يسعون للسيادة المطلقة على المنطقة وعلى حسابهم أيضا.

وكانت هناك نقاط مضيئة فحيثما وجد الأمير المجاهد يكون الصمود ومن ذلك على سبيل المثال صمود بلدة ميارفقين ثمانية شهور أمام حصار المغول، حتى تركوها وتوجهوا إلى حلب!
المهم لقد دانت الشام أو معظمها للمغول ولم يبقى سوى مصر.

أرسل هولاكو بوفد إلى قيادة المماليك في مصر يدعوها للاستسلام التام حتى لا يحدث لهم ولمصر ما حدث لمن سبقهم من أواسط آسيا حتى بغداد وحلب والشام. وكانت رسالة صفيقة ملؤها التجبر والتعالي والصلف. كان السلطان سيف الدين قطز يحكم مصر وكان من المفترض انه يحكم الشام وشمال العراق، وكان العز بن عبد السلام هو شيخ الاسلام. وكان قطز وقادة المماليك خارجين لتوهم من معركة مظفرة مع الصليبيين في المنصورة وحيث أسروا ملك فرنسا لويس التاسع ودفع الصليبيون مليون دينار لفك أسره مع الانسحاب الفوري والتام من مصر. كان قطز وقادة المماليك واثقين من أنفسهم مؤمنين بالله مرتبطين بمواقف الشيخ العز بن عبد السلام. وأهم عنصر في هذا الموقف هو: صلابة القيادة. فلم يكن المماليك يمتلكون أسلحة أكثر تطورا من أسلحة المغول. ولكنهم كانوا يملكون روح الجهاد التي كانت قد ماتت منذ زمن في بغداد.. فماذا فعل قطز مع وفد هولاكو؟ لقد قام بما لم يقم به الأولون ولا الآخرون!

 الفصل السادس عشر
قطز ذبح سفراء هولاكو وعلقهم على أبواب القاهرة

<< عين جالوت صورة كربونية من حطين (دور مصر

<< مغزى مقولة جمال حمدان (مصر مجرد قرية واحدة

<< الشعب المصري "ثقيل" ولكنه ليس بعيداً عن الثورة

ذكرنا أن هولاكو أرسل رسالة صفيقة لسيف الدين قطز سلطان مصر والشام يهدده ويتوعده ويأمره بالاستسلام كما استسلم الذين من قبله. ووصلت بعثة هولاكو إلى القاهرة واستقبلهم قطز وعندما قرأ الرسالة قرر قتل البعثة الدبلوماسية كرسالة تحد لهولاكو ورسالة تعبئة للشعب المصري، والمستقر في الأعراف الدولية في ذلك الزمان وحتى الآن أن الرسل لا تقتل، ولكن المغول اللذين لا يعرفون العهود يجوز قتل مبعوثيهم. وبالفعل أمر قطز بقطع رؤوس أفراد البعثة جميعا عدا واحد تركه ليعود ليروي لهولاكو ما حدث. وعلق جثث المغول على أبواب القاهرة (وهذه رسالة قطز للشعب المصري: إنها معركة حياة أو موت) وكان هذا هو الرد على رسالة التهديد. ولم ينتظر جيش المماليك في مصر قدوم المغول ترتعد فرائضهم في الانتظار كما فعل الذين من قبلهم، بل بادروا بالخروج لملاقاة المغول في الشام. وكان اللقاء في عين جالوت على أرض فلسطين. وانتصر قطز وجيش المسلمين نصراً مؤزرا وقصم ظهر الحملة المغولية التي لم تقم لها قائمة بعد ذلك بنفس الأسلوب السابق الذي أرعب الناس منها، وانتهت أسطورتهم بأنهم الجيش الذي لايهزم، خاصة بعد ما فعلوه في بلدان آسيا بدءاً من الصين وفيتنام وكوريا وتايلاند ولاوس ومينمار ونيبال حتى روسيا كلها وآسيا الصغرى (تركيا الحالية) وأجزاء من أوروبا ومن أراضي بيزنطة. وبعد ما فعلوه في بلاد المسلمين من سمرقند إلى بغداد والشام وحلب. هذه الأسطورة المرعبة انتهت على أرض عين جالوت. حدث هذا في عام 1260 م بعد سقوط بغداد والخلافة العباسية بعامين مما أزال حالة الحزن والاحباط في العالم الاسلامي. وهنا لابد أن نشير إلى توفيق الله وهو أمر حتمي في أي انتصار ولكن أحيانا ترى علامات ظاهرة لا تخطئها العين: فكثيرون لا يعلمون أن هولاكو لم يحضر هذه المعركة لأنه تلقى نبأ وفاة أخيه زعيم المغول وتزايد احتمالات أن تدب الخلافات بين ورثة القيادة فآثر العودة السريعة وعين من يقوم بقيادة الجيش. ولا شك أن غياب هولاكو أثر معنوياً بالاضافة لغياب خبرته وتأثير ذلك على أداء المغول في معركة عين جالوت، طبعا كان يمكن لجيش المغول أن يهزم في وجود هولاكو، ولكن الله يهيئ أسباب النصر ويفتح لها الطريق بعد هذا العزم والاصرار والايمان لدى قادة المسلمين وكيف انهم أخذوا بالأسباب وتوكلوا على الله سبحانه وتعالى.
المهم لقد كان انكسار المغول في عين جالوت وما أعقبها من معركة أخرى حيث أباد المسلمون قوة من ألفي مقاتل من المغول أو أسروهم وقتلوا ابن هولاكو قائد القوة. وكان هولاكو يولول على البعد: هذه أول مرة يهزم فيها جيش بل ويهزم مرتين متواليتين: كان هذا الانكسار للمغول نهاية لتوغلهم في المستطيل القرآني/ الشرق الأوسط/ مركز العالم. بل لقد بدأ العد العكسي وبدأ المماليك معارك طرد المغول من الشام والعراق. ونلحظ هنا ان المغول رغم قلة ثقافتهم أدركووا كمحاربين وطامحين إلى حكم العالم أهمية المستطيل باعتباره مركز العالم. لقد حكم المغول نصف العالم على الأقل في لحظة من اللحظات وسعوا للسيطرة على النصف الثاني. لقد وصل جنكيز خان إلى روسيا واحتل موسكو وفرض على الروس دفع اتاوات منتظمة له. واحتل الأناضول كلها وعاصمتها أنقرة وقد كان يحكمها البيزنطيون واحتل أجزاء من أوروبا بالاضافة لمعظم آسيا كما أسلفنا القول، ومع ذلك فقد انهارت هذه الدولة العظمى سريعا  لأنها لم تتمكن من السيطرة على مفصل العالم (المستطيل) بل كان انكسارها في المستطيل ايذانا بغروب شمسها وبمعدلات متسارعة ولم يستمر استقرارها لفترة معقولة ولم تترك في ذاكرة الشعوب إلا الحرق والتدمير والتخريب.
من ألطاف الله.. المغول يدخلون الاسلام:

من ألطاف الله ومعجزات الاسلام أن يرق قلب هؤلاء الغلاظ ويؤمنون بالله إيماناً صادقاً ويدخلون الاسلام بل ويشاركون في بناء حضارته العظيمة. ولعل أبرز مثال على ذلك دورهم في الهند، خاصة في ظل حكم الامبراطور المغولي العظيم: أكبر (1556- 1606م) الذي اذدهرت الهند في عهده في مختلف المجالات. وقد عرف عنه تمسكه بحرية العقيدة في نفس فترة اذدهار محاكم التفتيش في أوروبا التي كانت تحاكم أصحاب الرأي والفكر والبحث العلمي. وكان من ضمن قراراته رفض تحويل الهندوس للاسلام بالقوة حتى وان في سن الطفولة. {التنمية حرية- أمارتيا صن- الهيئة المصرية للكتاب- 2010- القاهرة- ترجمة شوقي جلال} المؤلف هندي غير متدين، خبير في المنظمات الدولية. في الكتاب عقد مقارنة بين التقدم الحضاري في الهند الاسلامية والتخلف الأوروبي ذلك الوقت.
أما فيما يتعلق بالمستطيل نشير إلى المشروع الذي استقر نسبيا وكان له مسحة حضارية وهو دولة تيمورلنك الذي دخل الاسلام، وأصله من أذربيجان ويوجد قبره بها، وتحتفل به دولة أذربيجان (بوسط آسيا) حاليا كبطل قومي. أقام تيمورلنك دولته في خراسان (أفغانستان) وسمرقند حيث كانت قاعدته 1369 وامتدت من دلهي في الهند إلى دمشق إلى الخليج العربي واحتل فارس وأرمينيا وأعالي الفرات ودجلة في الأناضول، ومن بحر قزوين حتى البحر الأسود و العراق وأجزاء من سوريا.

وحارب العثمانيين للصراع على زعامة الترك وانتصر عليهم واعتقل السلطان بايزيد وفكك الدولة العثمانية وأعاد الحكم في الأناضول إلى الأمراء السابقين في عهد السلاجقة. ذلك حتى تمكن محمد الأول من إعادة بناء الدولة العثمانية 1413. وهكذا نرى أن تيمورلنك احتل أكثر من نصف المستطيل ولكن دولته لم تعش طويلا ربما لأنه لا يوجد قبول للتتار (المغول في المنطقة حتى وان أسلموا.

وهنا لابد أن نشير إلى مسألة مهمة فروايات التاريخ تختلف في وصف تيمورلنك هل هو تركي؟ أم مغولي؟ في هذه الروايات تداخل بين التتار (المغول) والترك، هل هما عرقان مختلفان؟ أم كلهم من أصل تركي، والأتراك قبائل ضخمة ومتنوعة. وأساس هذا الاختلاط ان التتار والترك يتحركون في حزام واحد، وهو الحزام المتواصل من تركستان الشرقية في الصين حيث قبائل الايجور حتى تركيا الحالية. ويطلق على الأتراك أيضا "القومية الطورانية" نسبة إلى جبال طوران في وسط آسيا. والتتار يعيشون في نفس هذا الحزام. وعلى امتداد هذه المساحة من شرق الصين حتى تركيا فان اللغة التركية سائدة بين هذه البلدان ولكن عبر لهجات متعددة ومتنوعة، ويمكن لشعوب وسط آسيا أن يتحدثوا مع بعضهم البعض باللغة التركية ويفهمون بعضهم بصورة معقولة.

والحقيقة فانني لا أهتم كثيراً بمسألة الأعراق، ومن الواضح ان الأتراك والمغول متداخلون مع بعضهم البعض وإن كان المغول هم الجناح الأقل تحضراً، إلا أنه يجمعهم عدد من الصفات أهمها: الروح والنزعة الحربية والاستعداد المستمر للقتال، والصلابة والخشونة والعناد والاعتزاز بالنفس والقبيلة. أما الآن فالكل مسلمون، والتتار من أفضل المسلمين في روسيا. ولكن تركيا قبل أردوجان وأثناء حكمه تولي اهمية خاصة لهذا الحزام التركي وتعتبره عمقاً استراتيجيا لتركيا. بينما التتار لم يعد يمثلون قوة إقليمية فضلاً عن عالمية، وذابوا واختلطوا بين عدة شعوب ودول مع وجود دولة منغوليا الصغيرة المحصورة بين الصين وروسيا بدون أي قوة تذكر.

ملحوظة: يطلق "التتار" على القبائل التي تعيش في منغوليا- ولكن سيطرة قبيلة المغول وهي منهم جعلت اسمها يطلق على الكل.

عودة إلى المماليك:

كان لابد أن نكمل سريعا قصة المغول وعلاقتهم بالمستطيل التي كانت قصيرة ومحبطة وغير مستقرة في أغلب الأحوال، فهم على قوتهم العسكرية لم يكونوا جديرين بحكم مركز العالم وبالتالي غير جديرين بحكم العالم. والآن نعود إلى المماليك ودلالة معركة عين جالوت التاريخية.

في معركة عين جالوت نجد صورة كربونية إلى حد كبير من معركة حطين ضد الصليبيين، فالقانون يعمل بشكل آلي (وكأنه كذلك): المعارك الفاصلة تجري على أرض الشام والقيادة التي تحسم المعركة تأتي من مصر.

كان المماليك يحكمون مناطق واسعة في الشام (كما كان الحال أيام صلاح الدين الأيوبي) ولكن حالة التشظي والتشرذم التي تصل إلى حد وجود العديد من الامارات الصغيرة حتى وإن كانت تابعة شكلاً لحكم القاهرة، هذه الحالة لا تخلق مكاناً راسخاً ثابتاً للتحضير للمعركة وإعداد جيش كبير حتى ولا في دمشق أو حلب كأكبر مدينتين، فقد كان حاكم كل مدينة أو بلدة مشغول بتعزيز مكانته وحكمه، أقول هذا كقاعدة عامة. أما في مصر فتوجد دولة مستقرة راسخة، وفي غياب صراع السلطة أو الأزمات الكبرى تكون كتلة واحدة من الحكام والمحكومين.
هذا حديث مهم للحاضر والمستقبل فالمسألة ليست مجرد تقييم تاريخي، فنحن نبحث عن الثوابت المستمرة لتنير لنا الطريق. وهذا الحديث استكمال لما كتبناه تعليقا على معركة حطين ودور مصر فيها، بمزيد من الاستفاضة والبحث والتنقيب.

إن مصر- عادة- كتلة واحدة موحدة ومتوحدة بين الحاكم والمحكوم. وهذا يتيح للحاكم الصالح- إن وجد!- المناخ الملائم لترتيب أمور الجيش والدفاع والحشد والتعبئة بل وأيضا ترتيب أمور الاقتصاد والمجتمع. أما في الشام ونحن نرى ما يحدث فيها الآن (2011- 2013) وكيف تحولت ثورة مدنية سلمية إلى مئات التنظيمات المسلحة المتعددة الولاء (وصلت بعض التقديرات إلى 1800 تنظيم) فهذه خاصية تاريخية وهذه أهمية دراسة التاريخ، فكما يقول المفكر الألماني الكبير (جوته): (من لا يعرف كيف يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة يظل يعيش في الظلام الدامس)!

فكما قلنا فإن الشام إمارات شتى وتكاد تكون كل مدينة نواة لدويلة صغيرة ولكن مصر في أغلب الأحوال، اي فيما عدا بعض الفترات الاستثنائية، كتلة واحدة. ومن التعبيرات الموحية والمهمة للمفكر جمال حمدان أنه وصف مصر بأنها "قرية واحدة تتكون من كتلة الدلتا مع ذيل رفيع في الصعيد"!! وهذه حوالي 4- 6 % من مساحة المليون كيلو متر مربع، وهذه المساحة المأهولة بالسكان قريبة من مساحة مدينة أمريكية واحدة (لاوس أنجلوس)! أما الباقي فهو غرباً وشرقا يكاد يخلو من السكان والنشاط (بالمناسبة فإن كثيرا من سكان الوادي الجديد منحدرون من الصعيد أو الدلتا ومثل هذا في مدينة مرسى مطروح والبحر الأحمر في القطاع الاداري بل وبعض الأنشطة التجارية والحرفية) وأيضا الكثافة السكانية محدودة في الشمال (سيناء) حوالي نصف مليون نسمة.

إذن المجتمع السياسي والاقتصادي والثقافي...الخ هو أساساً في هذه القرية الممتدة بذيل رفيع (الدلتا والصعيد) وهذه القرية متحلقة حول نهر النيل.

(مصر هبة النيل: تعبير علمي دقيق لهيرودوت) وهذا يساعد على مسألة توحد السكان مادياً ومعنويا وتوحدهم مع الحكام، وأشرنا من قبل لدور الاقتصاد النهري الزراعي في هذا الصدد. وعندما تكون مصر مستقرة فإن حاكم مصر يكون أسعد حاكم في العالم، وهذا ما يجعل البعض (منا نحن المصريين) ينحو باللائمة على الشعب المصري وانه شعب خنوع وخاضع لأي حاكم. بل ان بعض المصريين يسخرون من أنفسهم ويرددون هذا الكلام العبثي. ويصبحون مثل الشخص الذي يسب ويشتم نفسه علنا وسط الناس.

وأنصح بقراءة مقدمة الأستاذ/ أحمد حسين في موسوعته (تاريخ مصر)- دار الشعب، لأنه يشرح فيها رؤيته المتميزة لشعب مصر وقد تأثر بعض المفكرين والمؤرخين بهذه الرؤية مثل د.نعمات فؤاد في كتابها شخصية مصر. أحمد حسين الذي وصفه البعض بأنه (ذلك الرجل الذي ظن أنه العاشق الوحيد لمصر!) ورغم ما في هذا الوصف من مبالغة أدبية قد تحمل معنى التقريظ أو النقد، إلا أنه قريب من الحقيقة. فأحمد حسين في مقدمته للموسوعة (وفي غيرها) يجيد وصف بدقة الحالة التي عايشها وأحبها. فعندما يصف الشعب المصري بالهدوء أكثر من اللازم وامتصاصه لتصرفات الحكام، فهو ليس عيبا بالضرورة، فكثرة الاضطرابات والثورات تؤدي إلى نتائج عكسية في كثير من الأحوال. فالثورات ليست لعبة وليست مسألة رد فعل عصبي (راجع تاريخ العراق في مجال العنف والثورات والتمردات المسلحة والتصفيات الجسدية على سبيل المثال مع كل الاحترام لكل الشعوب ومع إدراك الظروف الخاصة التي دفعت إلى هذا السلوك أو ذاك وسنأتي لموضوع التاريخ المتميز للعراق في إطار حضارته العظيمة في  سياق هذه الدراسة إذا شاء الله). ومع ذلك فليس صحيحا أن الشعب المصري لا يثور أبداً، ولكنه من النوع "الثقيل" الذي يتحمل ويفكر كثيرا ويخزن ثم يثور. في المائة عام الماضية قام بـ 3 ثورات كبرى وهذا يكفي جداً!: ثورة 1919- ثورة 1951 في القناة وعموم مصر ضد الانجليز والملك والتي انتهت بتحرك الجيش في 1952- ثورة 25 يناير 2011.

وبين هذه الثورات لم تنقطع مئات- إن لم يكن آلاف- التحركات الشعبية ضد المحتل وضد الحكام: مظاهرات- إضرابات- أعمال عنف فردية ضد الانجليز والخونة قبل عام 1952. ولكن بالمقارنة فإن الشعب المصري أهدأ كثيراً من غيره في المنطقة (الشام- العراق- واليمن مثلا) وهو بين الثورة والثورة يجنح إلى الهدوء والسكينة حتى تسير الحياة، وهذا يحدث في كل بلد آخر ولكن بمعدلات ومستويات أقل.

لذلك كان المغناطيس المصري هو الذي جذب صلاح الدين الأيوبي ليكون مقر حكمه في مصر رغم انه قادم من العراق والشام. وهذا المغناطيس المصري (أي الظرف المواتي) هو الذي جذب المماليك ليكون مقر حكمهم في مصر لا الشام. وهذا الادراك لدور مصر هو الذي جعل الصليبيين يلحون على غزو مصر عدة مرات في المرحلة الأخيرة لهم.

إذاً كانت مشكلة المماليك عندما تولوا الحكم هي المماليك! أي الصراعات فيما بينهم. ولكن عندما يتمكن أحدهم من إحكام قبضته على الحكم تستقر الأحوال في البلاد تماما.
الدور المتميز لمؤسسة الأزهر:

في إطار الشخصية المصرية.. شخصية التدفق الهادئ لمياه النيل نمت مؤسسة الأزهر بصورة متميزة لا مثيل لها في دول المشرق. فقد تولت إدارة الصراعات أو المنازعات بين الحكام والمحكومين بصورة مؤسسية هادئة وهذا هو الدور التاريخي للأزهر الذي قام بتمثيل الشعب وإحداث التوازن بين الحاكم والمحكوم في إطار نظامي غير فوضوي.

 وهي مؤسسة لا مثيل لها في العراق أو الشام، بنفس القوة، من حيث الدور والهيبة، وليس من ناحية التعليم والفقه فهذه النواحي الأخيرة كانت موجودة في كل المدن الاسلامية الكبرى وربما تفوق مراكز الفقه في العراق مراكز الفقه في مصر، بل حدث ذلك عادة ولكن ليس في هذا العهد المنكود لبغداد الذي سبق سقوط الخلافة.

بالنسبة لمؤسسة الأزهر فبالاضافة لدورها التعليمي والعلمي والفقهي فقد أصبحت عندما يوجد بها شيخ إسلام ذو شخصية قوية وقدرات فقهية وتقوى- من قبل ومن بعد- تدرك أهمية دور الفقيه الحق في مواجهة ظلم وتجاوزات الحاكم أو من يلوذ به، ودور الفقيه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. في ظل مثل هذا الشيخ يتحول الأزهر إلى مؤسسة معبرة عن الشعب وطموحاته وآماله في الحد الأدنى من العدل! وأصبحت هيبة شيخ الاسلام المستمدة أيضا من مؤسسة الأزهر أداة ووسيلة نظامية لممارسة الضغط على الحكام، وقناة تواصل مؤثرة بين الشعب والحاكم بعيداً عن الاضطرابات أو أي شكل من أشكال العنف. كذلك فان حاكم مصر يمكن أن يتفاعل مع مثل هذا النوع من الضغوط السلمية لأنها أفضل من غيرها، وهو يحلم دائماً بأن يستمر الشعب على هدوئه، وهو يقارن أحوال مصر بغيرها، خاصة  في غياب أي شكل من أشكال التحزب أو القبلية أو المذهبية أو الجبهوية العائلية حيث يوجد في الشام وعموم الشرق مرتعا لها.

شيخ الاسلام في ذلك الوقت (في عهد قطز) كان العز بن عبد السلام وهو لم يكن مصرياً بل من أصل شامي، وهكذا نؤكد مجدداً أن المصرية هي "الشخصية" وليست "العرقية". ولقد كانت له صولات وجولات مع المماليك وكانت له شعبية بين جماهير الناس بسبب إخلاصه وعلمه وتواضعه وانحيازه لمطالب الشعب وحقوقه. وقد كان تولي الشيخ العز بن عبد السلام المشيخة في إطار صحوة استمرت بعده مع شيخين آخرين على الأقل، أولهما الامام تقي الدين (ابن دقيق العيد) والذي كان يتولى موقع قاضي القضاة.

ولابد أن نتوقف مع قصة العز بن عبد السلام مع المماليك ومع السلطان سيف الدين قطز، لأنها كانت من أسباب نصر الله للمسلمين على المغول..أي على المغول الذين أرعبوا بلاد المشرق والمغرب.

 الفصل السابع عشر
البابا يدعو البرتغال لـ (إطفاء شعلة شيعة محمد)

<< أمريكا سميت "أمريكا" على اسم القرصان "أميرجو"
<< بغداد تتضامن مع مصر وتقاطع التجارة الأوروبية
<< كيف أصبح شيخ الاسلام في مصر بائعاً للملوك

 

الشيخ العز بن عبد السلام شيخ الاسلام في مصر في زمن المغول شخصية فذة وتاريخية، فهناك شخصيات من علامات التاريخ بعضهم علماء وبعضهم قادة عسكريون أو حكام أو أصحاب رأي ومواقف، ونحن نقف قليلا أمام شخصية العز بن عبد السلام لأنه كان من أركان النصر على المغول، حتى لا يفهم أحد ان مصر تعويذة سحرية في حد ذاتها، وان مصر أو حاكم مصر إذا أراد شيئا يحققه لأنه حاكم مصر ولديه مصر بوزنها الحضاري والتاريخي وشعبها المتميز.

عندما نتحدث عن أهمية مصر في قيادة المستطيل القرآني/ الشرق الأوسط مركز العالم فإننا نعني أن الله حباها بخصائص مواتية لابد أن يكون هناك مجاهدون في الحكم حتى يستفيدوا من هذه الخصائص، وإلا إذا كان يحكمها عملاء وخونة أو ضعاف النفوس فإنهم لن يستفيدوا من خصائص مصر (الموقع والحضارة والموضع) إلا في تسويق التبعية لأي دولة عظمى. كذلك الشخص الذي ورث ثروة عظيمة فإما أن يستثمرها في الخير والعمران وإما أن يبددها على موائد الميسر وصالات الخلاعة والمجون والسفه.

أي لابد أن يكون واضحاً إننا حين نروج لأهمية مصر في المنطقة والعالم فيجب أن يفهم اننا لانفعل ذلك إنطلاقاً من تعصب وطني او قومي احمق أو جاهلي. مصر تقدم عبقرية المكان الذي يمكن على أرضه ومن خلاله أن تقوم القيادة المؤهلة بدورها التاريخي. أي لابد من توافر عناصر أساسية بعد المكان والشعب: قيادة مؤمنة صالحة مجاهدة تأخذ بالأسباب في امتلاك القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية وتعرف أهداف الأمة المشروعة وتسعى في طريق تحقيقها وتوفر لها أسباب النجاح.

عشية هجوم المغول على مصر- وكما حدث في عهد صلاح الدين- تجمعت كل هذه العناصر على أرض مصر، ففتح الله الطريق للنصر. ومن أهم هذه العناصر توفر القيادة الصالحة المؤهلة والمجاهدة وتفاعلها الصحي مع رجال الدين الأتقياء. حتى وإن كان الحاكم أصله من أفغانستان (قطز) ورجل الدين أصله من (الشام)!!

قلنا أن العز بن عبد السلام أصلا من الشام وقد ترك لنا مؤلفات في مختلف فروع الفقه، وهي مراجع يستنير بها العلماء حتى الآن. ولكن الأهم انه كان تقيا مخلصاً مدافعا عن أبناء الشعب من المستضعفين.. غيوراً على الدين والأخلاق.. في إحدى المرات عندما لم يستجب المماليك لمطالبه العادلة أعلن انه سيهاجر ويترك مصر ويذهب إلى الشام، أعلن هذا الموقف وحمل "عزاله" وبدأ في التحرك، وحدثت مفاجأة إذ بدأت مجموعت من المواطنين تنضم إليه في هذه الهجرة الاحتجاجية، وهونوع لا مثيل له من العصيان المدني لم نسمع به من قبل او من بعد، واضطر الحكام إلى إرسال مبعوثين إليه- وهو في بداية الطريق- لاسترضائه وإعادته إلى القاهرة مع وعد بتنفيذ مطالبه الخاصة بانصاف الشعب!!

وفي إحدى المرات اكد الشيخ المعز بن عبد السلام أن حكم المماليك غير شرعي لأنهم عبيد أرقاء، ولم يتم تحريرهم بصورة رسمية، وحتى يصبحوا أحراراً بصورة إسلامية صحيحة فلابد أن يشتريهم أي مشتر ثم يحررهم ولو تم الشراء بأي سعر، وتم تحريرهم بدون مقابل، لأن من شروط الحاكم المسلم أن يكون "حراً"! وهنا رأى المماليك أن الشيخ تجاوز كل الحدود، ولابد من ردعه على هذه الاهانة، خاصة وقد لاحظوا خطورة هذه الفتوى لأنها ستضرب شرعية حكم المماليك عموما. فأرسلوا إليه من يهدده بالقتل (وكان نائب السلطان) إذا لم يتراجع عن هذه الفتوى فوراً، وحاصروا بيته وطالبوا برأسه ان لم يتراجع.

وقال ابن الشيخ له : لقد جاءوا يقتلونك! فابتسم الشيخ بن عبد السلام وقال له هون عليك يابني فإن شأن أبيك أقل من أن يموت شهيداً. ولما رأوا اصرار الشيخ واستعداده للاستشهاد في سبيل الحق تراجع المحاصرون وعلى رأسهم نائب السلطان.

واضطر المماليك لتنفيذ الفتوى بصورة شكلية ما، ومن هنا أطلق على الشيخ العز بن عبد السلام لقب "بائع الملوك"!

كان المماليك يتم شرائهم صغارا ويتم تربيتهم في معسكرات تربية عسكرية وأيضا تربية إسلامية. وكل قائد أيوبي ثم مملوكي يستجلب مجموعة تابعة له ويتم إعدادها وتقسم هي بدورها إلى مجموعات. وكان المملوك يلقب باسم من اشتراه أو باسم قائده المملوكي القديم لأن المملوك كان يختطف أو يؤسر صغيرا ولا يعرف اسم أبيه.

المهم أن المماليك ليسوا مجرد محاربين بل يتمتعون بقدر من الثقافة الاسلامية والعقائدية وبالتالي فهم مؤهلون للمشاركة في حكم دولة اسلامية ومجتمع اسلامي.

وطبعا تتفاوت المستويات، فكان سيف الدين قطز يميل إلى الالتزام الديني وكان يعتبر نفسه تلميذا للشيخ العز بن عبد السلام. وكان شديد الحماس في التعبئة للجهاد لمواجهة التتار، ودعا الجماهير للمشاركة المالية وفرض رسوماً لدعم المجهود الحربي، ولكن الشيخ العز اعترض وقال للمماليك: عليكم أن تتبرعوا أنتم أولاً بكل ما تملكونه من أموال فائضة ومن الذهب والمصوغات المتراكمة لديكم ولدى نسائكم قبل ان تطالبوا الجماهير الفقيرة بالدفع، وتذمر المماليك من هذا الشيخ الذي أرهقهم كثيرا، ولكن كانت حجته بينة وما كان ليتراجع، كما ان قطز كان يتجاوب معه وتم تنفيذ الفتوى التي تحولت إلى أوامر!

ولاشك أن كل هذه الأجواء كانت من شروط النصر بالاضافة لحزم القيادة وصلابتها (قطز ومن حوله من قادة شاركوا جميعا في هزيمة الصليبيين في موقعة المنصورة) والتي اعدمت بعثة هولاكو كما ذكرنا.

ولكن ما نركز عليه هنا هو النمط الخاص للعلاقة بين الحاكم والمحكوم خاصة في ظل وجود حاكم صالح وقائد شعبي صالح، معارضة صريحة وحازمة تعبر عن نفسها بمنتهى الهدوء والسكينة، وتجاوب من الحاكم وإن على مضض!! هذا النموذج يندر أن تجد له مثيلا في المشرق العربي في الماضي اوالحاضر. في المشرق عادة من يعترض على الحاكم تقطع رقبته! وكذلك يتعرض الحاكم لاغتيالات بمعدلات أكبر وتمردات وانتفاضات مسلحة. الحاكم في مصر أقل دموية حتى وإن كان مستبداً، والشعب المصري مطوع أكثر، وهي معادلة يغذي كل طرف فيها الطرف الآخر.

فلأن الشعب أكثر ليونة فلا داعي للتوسع في القمع، ولأن الحاكم أقل دموية فلا داعي للتوسع في المعارضة! (معادلة البيضة الأول أم الدجاجة!)

طبعا في حالة قطز- العز نحن أمام حالة راقية: الحاكم الصالح- القائد الشعبي الصالح، ولكنها خرجت من المعادلة الأوسع الموجودة من قبل والتي تحكم العلاقات السياسية في مصر..ولأنها كانت حالة راقية: الاندماج بين السلطة التنفيذية والشعبية والشرعية معاً فهذا من شروط النصر. وإلا فليست كل معركة شاركت فيها مصر أو خرج الجيش منها لابد أن تنتصر. كل ما هناك ان مصر بها شروط طبيعية تساعد القيادة الصالحة- إن وجدت- على النصر.

عودة إلى كوارث المماليك:

عند عودة جيش قطز ظافراً مظفراً في طريقه إلى مصر بعد هذا الانتصار التاريخي في عين جالوت وما تبعه من استعادة عدة مدن من المغول على رأسها حلب والذي كان إنقاذا للعالم الاسلامي من هذا الاعصار المدمر (المغول) حدثت إحدى سخافات التاريخ (وسخافات المماليك) وهي قيام الظاهر بيبرس أحد أبرز قيادات الجيش المنتصر باغتيال قطز حتى يدخل بيبرس كقائد منتصر ويتولى حكم مصر. وليس من مهمتنا أن نناقش هذا الحادث المروع، ولكن نشير إلى أن التصفيات والاغتيالات بين قادة المماليك فيما يتعلق بمواقع الحكم كانت ظاهرة ممتدة ومستمرة عبر حكم المماليك أي حتى عام 1517، عام دخول العثمانيين لمصر. فكل قائد مملوكي ليس له شرعية موروثة كشرعية الملوك وأبنائهم، وكان كل واحد منهم يرى انه ند لأخيه وأنه الأحق منه بالحكم. وعندما كان المملوك يتمكن من إحكام قبضته على الحكم تستقر الأوضاع ويخضع له الجميع ويسعى لتوريث الحكم لأبنائه. وخلال هذه العملية كانت تحدث تصفيات وتصفيات مضادة بين كل فترة وأخرى. ولا يجوز أن نحصر مرحلة حكم المماليك التي استمرت قرابة 3 قرون أو أقل قليلاً في هذه النقطة، لأن هذه كانت سمة الحكم في العالم بأسره. وحدثت بين الأسر المالكة في النظم الاسلامية كافة: الأمويين- العباسيون- العثمانيون...الخ وكذلك حدثت في نظم الغرب اليونانية والرومانية. فإذا قرأت عن التصفيات الجسدية في عهد المماليك يصيبك الغثيان ولكن ستصاب بنفس الحالة عندما تقرأ تاريخ الامبراطورية الرومانية من تصفيات داخل الأسرة الواحدة بسبب الصراع على السلطة. وكان لابد من هذا التوضيح لتجنب تكرار الحديث عنه لأنه ليس موضوع هذه الدراسة.

الظاهر بيبرس:

ورغم شعورك بالحنق تجاه الظاهر بيبرس ولكنه بعد أن استقر في الحكم كان أداؤه جيداً في مواجهة التتار والصليبيين حيث وجه للطرفين ضربات موجعة في معارك متكررة في الشام. كذلك فقد اهتم بالنواحي العمرانية والتعليمية والثقافية وأنشأ مجمعاً متكاملاً جامع- مدرسة شرعية...الخ وهو اثر لا يزال موجوداً (جامع الظاهر بيبرس) بالقاهرة وغير ذلك كثير.

ومن الآن فصاعداً فإن المماليك سيحكمون المستطيل، ويمثلون العالم الاسلامي وسيواصلون تصفية تواجد التتار والصليبيين في المشرق. وسيظلون يحكمون باسم الخلافة العباسية حيث توجد- كما ذكرنا- الأسرة العباسية في القلعة ويوجد خليفة محدد بالاسم، وتضرب العملة على وجهين: وجه باسم الخليفة ووجه باسم السلطان المملوكي. وكلما جاء سلطان مملوكي يتم الدعاء له في الحجاز مع الخليفة العباسي.

وامتد الحكم في مصر كما هي العادة في لحظات القوة إلى شمال السودان: النوبة وحتى دنقلة، وفي عهد ابن طولون امتد الحكم بعد مصر والشام إلى مناطق في الفرات وحتى المغرب.

وظل عهد المماليك يتراوح بين لحظات القوة والضعف مثلا في 8 أكتوبر 1365 في عهد السلطان شعبان المملوكي، عادت قبرص هذه الجزيرة الصغيرة لمهاجمة مصر وقام الملك بطرس حاكم الجزيرة باقتحام الاسكندرية في غارة مفاجئة، وخلال ساعتين هرب الأهالي فلم تكن هناك قوة مسلحة لمواجهتهم، فنهبوا الحوانيت والفنادق وأحرقوا القصور والخانات واعتدوا على النساء والبنات وخربوا الجوامع والمساجد وقتلوا كل من صادفوه في الشوارع وذلك لعدة أيام، وتم نهب النفائس والبضائع ووضعها في السفن وتم ذبح الدواب وأخذوا 5 آلاف أسير وأسيرة. واحتفلت أوروبا كلها بهذا النصر. (وهذه مجرد لقطة من حضارة الغرب) واستمرت إغارة قبرص على سواحل مصر والشام وظهرها محمي بأوروبا. وفي المقابل نرى صورة رائعة من التضامن الاسلامي فحاكم بغداد (الذي كان مسلما في ذلك الوقت) رد على ذلك بمنع تجار إيطاليا من دخول بغداد للمتاجرة وقال لهم: (ارجعوا أولا إلى سلطان مصر واستدركوا ما أفسدتم في الاسكندرية وأتوني بخط ملك مصر بدخولكم تحت طاعته وحينئذ تبيعون ببلدي وتبتاعون منه) (النويري). وليس كما يحدث الآن الأمريكان والغرب يدمرون العراق ونحن نصادقهم ونتاجر معهم! وشعرت البندقية وجنوه بخسائر اقتصادية متصاعدة بسبب توقف التجارة مع مصر والشام والعراق، ومارس تجار المدينتين ضغوطاً من أجل ابرام الصلح وإلغاء قرارات ومراسيم بابوية تمنع التجارة مع المسلمين منعً باتاً. وقد رفض تجار أوروبا هذا التوجه لصعوبة الوصول للبضائع الآسيوية عبر آسيا الصغرى (تركيا حاليا). وهذا يعيدنا إلى التذكرة بأن مصر وبلاد المستطيل يتحكمون في عنق زجاجة التجارة العالمية.

صعود البرتغال واكتشاف رأس الرجاء الصالح:

وهكذا كانت أوروبا تشعر بالاختناق من سيطرة المسلمين (المماليك) على عنق زجاجة التجارة العالمية، خاصة في بلاد المستطيل (الشرق الأوسط) حيث تصب بضائع طريق الحرير البري وأيضا البضائع الآسيوية عبر البحر من الخليج العربي ثم براً إلى موانئ البحر المتوسط، أو من السويس ثم براً حتى موانئ البحر المتوسط في مصر، والعكس بالعكس.

وما تسمى الكشوف الجغرافية وهكذا قالوا لنا وعلمونا في المدارس لم تكن إلا حلقة من حلقات الحروب الصليبية ضد المسلمين.

وقد صوروا لنا كريستوفر كولومبس كبطل عالمي للانسانية جمعاء، بينما كانت أساس رحلاته التوجه غرباً عبر المحيط تحت رعاية الملكة الأسبانية الصليبية إيزابيلا لاكتشاف طريق آخر إلى الهند والصين للتخلص من طريق اللئام المسلمين في الشرق الأوسط، وعندما عثروا على الذهب في الأمريكتين أصبح الهدف جمع الذهب لمحاربة المسلمين.

المهم أن سفن كريستوفر كولومبس عندما حطت على سواحل ما أصبح أمريكا كانت في الواقع سواحل في الكاريبي (أمريكا الوسطى) وليس في أمريكا الشمالية.

زهذا السبب في تسمية سكان أمريكا الهنود الحمر، لأنهم تصوروا في البداية انهم وصلوا إلى الهند. ولأن بشرتهم البيضاء تميل إلى الحمرة فسموهم الهنود الحمر. ولكنهم في الحقيقة كانوا مجموعة متنوعة من القبائل ولم يكونوا أمة واحدة لها اسم واحد خاصة في أمريكا الشمالية. أما في أمريكا الجنوبية فقد تم العثور على مراكز حضارية عريقة الأزتيك والأنكا. أما الذي نزل على سواحل أمريكا الشمالية فعلاً فكان قرصان (من أصل ايطالي على الأغلب، اسمه أميرجو، وهذا هو سبب تسمية أمريكا، فمن مساخر الصدف أن تسمى أمريكا على اسم قرصان، وهو اسم على مسمى، وهي جديرة بهذا الاسم حتى الآن. الذي يهمنا إن هدف الالتفاف على الشرق الأوسط لم يتحقق، فلم تجد أوروبا وآسيا ولكن وجدت الأمريكتين وهذا حدث ضخم سيغير مجرى أحداث العالم ولكنه لم يحل لهم مشكلة المسلمين، إلا عن طريق جمع الذهب من أمريكا لقتال المسلمين. وهذا لم يحدث لأن أسبانيا كدولة عظمى ستتداعى كما سنرى.

وكان الفرع الآخر لما سموه الكشوف الجغرافية وهو اكتشاف رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا. واستخدام لفظ الكشوف خادع أيضا لأن هناك معلومات جغرافية وخرائط منذ عهود قديمة والقضية كانت دائماً وجود سفن قادرة على الابحار مدة طويلة.

أما الكشوف فهي في التفاصيل والمنحنيات والخلجان...الخ وقالوا لنا في المدارس أن الاستعماري الصليبي فاسكو دي جاما البرتغالي ليس إلا مكتشفا جغرافيا، وانه اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح حيث توجد دولة جنوب أفريقيا حاليا. وانه بالالتفاف حول القارة الأفريقية يمكن الوصول إلى آسيا بدون المرور على الشرق الأوسط. وهذا صحيح ولكن في الواقع فإنه طريق أطول من الناحية الزمنية ولا شك انه أكثر كلفة. ولكنهم فرحوا به في البداية، وبدأت بلاد الشرق الأوسط تشعر ببعض الكساد. ثم سرعان ما تبين انها حملة عسكرية وليس مجرد فتح طريق للتجارة، وبدأت حرب البرتغال الصليبية من الجنوب الأفريقي على بلاد المسلمين والمستطيل تحديداً وبدأ المماليك في التصدي لهم.

لم تكن- إذن- رحلة فاسكو دي جاما لاكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح رحلة علمية للكشوف الجغرافية لصالح البشرية جمعاء، كما علمونا في المدارس، حيث رأينا هالات التقديس تحيط بهذه الأسماء (دي جاما- كولومبس- كوك مكتشف استراليا التي تقع على بُعد خطوات من آسيا!) ولم يكن اكتشاف طريق آخر للتجارة هو السبب الوحيد وإن كان ذلك  يدخل في قضية الحرب على المسلمين (في المجال التجاري)، ولكن هذه الرحلات كانت حملات صليبية صرفة بالأساس لاحتلال بلاد المسلمين، وأن تتوج البرتغال نفسها كدولة عظمى، فمن يهزم المسلمين (وهم القوة الأعظم في العالم) ومن يحتل قلب بلادهم (المستطيل/ الشرق الأوسط) يصبح هو زعيم العالم وزعيم الغرب. وكان بابا  روما يرعى الحملة الصليبية البرتغالية (البرتغال دولة كاثوليكية) إذ أرسل خطاب مباركة وتأييد لأمير البرتغال نظراً لسعيه (لإطفاء شعلة شيعة محمد) وجاء في رسالة الرد من حاكم برتغاليا (لو انتزعنا تجارة ملقا هذه من أيديهم لأصبحت القاهرة ومكة أثراً بعد عين).

انظر إلى الخريطة .. خريطة جنوب أفريقيا ورأس الرجاء الصالح، فبعد عبور رأس الرجاء الصالح تكون المحطات الأولى: الساحل الأفريقي الشرقي- باب المندب- جزيرة العرب قبل الوصول إلى الهند. فلم يكن الهدف هو اكتشاف طريق آخر للتجارة فحسب، لأنه ليس بديلاً أفضل (بل أطول) ولكن أيضا الالتفاف من الخلف واحتلال الشرق الأوسط بدءاً من جزيرة العرب وموانئ البحر الأحمر والاستيلاء على الطريق الأقصر في النهاية. أما تجارة ملقا فالمقصود بها تجارة الصين والشرق الأقصى وهي المركز الرئيسي للتصدير في العالم في ذلك الزمان، وكانت تمر عبر مضيق ملقا في المحيط الهندي القريب من ماليزيا الحالية، حتى تصل إلى الخليج العربي وتمر من مضيق هرمز حتى البصرة أو تصل إلى باب المندب في الطريق إلى السويس. كان الحد الأدنى هو تحويل هذه التجارة قصراً عبر رأس الرجاء الصالح أو تسير في نفس الطريق القديم بعد احتلاله من البرتغال في الحد الأعلى، بل كان القضاء على الاسلام كدين هو الهدف الجوهري، نعم القضاء على الدين! كما سنوضح.

 الفصل الثامن عشر
البرتغال: هدفنا الاستيلاء على رفات "محمد" لنبادلها بالقدس

<< ضبط عملاء أوروبيين بمكة جاءوا لهدم الكعبة
<< سلطنة عمان تتسيد البحار الجنوبية 250 عاماً!
<< الناصر قلاوون هو الذي أنهى وجود الصليبيين والمغول
<< العثمانيون يطردون البرتغال من البحر الأحمر

 

كان القضاء على الاسلام كدين هو هدف الكشوف الجغرافية أو بالأحرى الغزوات البرتغالية على جنوب وشرق أفريقيا. نعم القضاء على الدين ! فهؤلاء الغربيون تعلموا وتعودا أن يبيدوا المذاهب والأديان المختلفة عن طريق إبادة أهلها وإبادة رموزها المقدسة، ونجحوا في هذا في بلادهم حيث أباد الكاثوليك البروتستانت في مناطق معينة وأباد البروتستانت الكاثوليك في مناطق أخرى، أما ما سموه العالم الجديد فقد كانوا يجبرون السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية على دخول المسيحية بعشرات أو الموت!! أما في أمريكا الشمالية فقد أبادوا السكان الأصليين أنفسهم بعشرات الملايين كحل جذري للمسألة!! فلن تبقى عقيدة مات كل أصحابها أو كما قالوا (الهندي الأحمر الجيد هو الهندي الأحمر الميت).

كان فاسكو دي جاما مجرد مفرزة استطلاع اعقبه إرسال قوات مسلحة ويقول القائد البرتغالي العسكري (كان هدفنا الوصول إلى الأماكن المقدسة للمسلمين واقتحام المسجد النبوي وأخذ رفات النبي محمد رهينة لنساوم عليها العرب من أجل استرداد القدس)!!

إنهم مجانين تحكمهم أساليب العصابات الاجرامية في التفكير، ولا يفهمون حتى معنى التبشير ونشر الفكر والصراع العقائدي. ومع ذلك فليس صحيحاً انهم يريدون المساومة برفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (التي يحميها اللله سبحانه وتعالى والذي يعصمه الناس حيا وميتا) ليحصلوا على القدس، بل هم يريدون إلغاء الدين الاسلامي نفسه، ولأنهم لا يعلمون ماهو الدين الاسلامي؟ فيتصورون انه لقمة سائغة كعقائد الوثنيين في أمريكا اللاتينية. والدليل على ذلك انه في عهد المملوكي قانصوة الغوري تم ضبط 3 جواسيس نصارى في الكعبة أتوا بهدف تدميرها!! ولا يعلم هؤلاء الحمقى أن الكعبة وإن هدمت فإن الاسلام حي لا يموت وسيعاد بناؤها من جديد كما حدث من قبل. ونذكر مرة أخرى أن الصليبي أرناط كان أيضا يستهدف هدم قبر سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وأخذاه اللله في عهد صلاح الدين الأيوبي، فحتى رفات سيدنا محمد تسبب هوساً في عقولهم.

لم تتوقف البرتغال عن التوسع في آخر عهد المماليك، فعندما وصلوا إلى رأس الرجاء الصالح عام 1487 م استطاع ألفونسو البوكرك إقامة دولة الشرق واستولى على مدينةة هرمز ثم سيطر البرتغاليون على الخليج العربي خلال القرن السادس عشر.

استولى فاسكو دا جاما (المكتتشف الجغرافي!)على موزمبيق على الساحل الشرقي لأقريقيا وفي 1502 سيطر على جزيرة زنجبار (وهي الآن جزء من تنزانيا) وفي 1505 قام أسطول قوامه 20 سفينة باحتلال ميناء ممباسا ثم مسقط وهرمز 1509 وفي عام 1519احتلوا السواحل الأفريقية وانتزعوها من يد المسلمين.

وهم لم يتوقفوا بل تمددوا إلى الهند المركز تاتجاري الأهم بعد الصين وكانوا يستهدفون دائماً الموانئ الساحلية دون التوغل كثيراً في البر حيث يحتاج هذا لقوات كبيرة. وقد بذل المماليك طاقتهم في محاربة هذا الهجوم البرتغالي وأرسل لهم الغوري أسطولاً إلى الهند عام 1508 وهزمهم ولكن عاد البرتغاليون لينتصروا على المماليك في معركة ديو عام 1509.

سلطنة عمان قوة اسلامية جديدة على الساحة:

كما تقول أسطورة اليونان أن هناك كائن خرافي كلما قطعت له رأس ظهرت له رأس أخرى أو أكثر من رأس. هكذا كانت أمة الاسلام وستظل، وهذا ما كان يحدث في المستطيل المتوسط/ مركز العالم، لأن أمة الاسلام لا يمكن أن تنهض إلا من هذا المرككز. وبعد سقوط المماليك ظهرت قوة اسلامية فتية (سلطنة عمان) لتحمي المستططيل وترد عوادي الزمن والبرتغال على جنوب المستطيل. وهذه صفحة خالدة مخفية لا يدرسونها لنا في المدارس ولا يتحدث عنها أحد، مثل الصفحات المخفية على الانترنت. ظهرت سلطنة عمان (مسقط) كأكبر قوة عربية بعد سقوط الأندلس ودامت نهضتها من عام 1000 إلى 1250 هـ (1579- 1829م) واستولت على ثغور البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج و أفريقيا الشرقية حتى رأس الرجاء الصالح وفي بضعة أجيال صار أهل عمان سادة جميع الثغور الهندية والفارسية والافريقية. واضطر الانجليز إلى محاربتها على مدى 80 عاماً واستخدموا الأساطيل لضرب المدن العمانية بالقنابل. وكان لسلطنة عمان فضل نشر الاسلام في شرق أفريقيا حيث كاانت زنجبار وتنجانيقا (واللتان اتحدتا وأصبحتا تنزانيا فيما بعد أحد مراكز امبراطورية مسقط وعمان وأرخبيل جزر لامو وغيرها.

وقبل أن نغلق ملف البرتغال الذي سيظل مفتوحا بين العهدين المملوكي والعثماني. لابد أن نغلق ملف المماليك أولا.

الناصر قلاوون البطل المجهول:

كما يحددث في عالم الفنون والسنيما والاعلام الحديث فإن هناك نجوماً ساطعة وتظل ساطعة وهناك نجوم تتحول إلى نجوم مجهولة لا يسلط عليها الأضواء. وقد ادت معركة حطين الفاصلة وتحرير القدس إلى وضع صلاح الدين في بؤرة الأضواء حتى الآن وهو يستحقها طبعا.

ولو انك سألت أي مواطن مسلم في الطريق عمن هزم الصليبيين فسيقول لك: صلاح الدين. ولو انك سألت أي مواطن عن الناصر قلاوون آخر حكام المماليك البارزين وكان يحكم من مصر كما حكم كل المماليك، وقد تعرض كغيره من المماليكإلى مؤمرات لخلعه واغتياله من رفقاء السلاح (المماليك) ولكنه كان شخصاً غير عادي او كان (بسبعة أرواح) لقد أطيح به من الحكم 3 مرات وحكم وعاد للحكم 4 مرات!! والأهم من كل ذلك انه في عهده وعهد ابنه أشرف، تم التطهير التام لبلاد الشام والعراق من الصليبيين والتتار وعاد المستطيل القرآني اسلاميا عربيا خالصاً فله كل الاجلال والاحترام والتقدير.

العثمانيون يتسلمون القيادة ويواصلون الحرب على البرتغال:

صعود وههوط الأمم سنة إلهية/ قانون اجتماعي، اختر أي المصطلحين فالنتيجة واحدة. القوانين الاجتماعية وضعها الله في خلقه للبشر، فهو سبحانه لم يخلق الانسان الفرد وكفى (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) سورة الحجر 29 ولكن وضع أيضا سنن الاجتماع البشري في علاقات المجتمع ببعضه، وعلاقات المجتمعات البشرية مع بعضها البعض. وفي القرآن الكريم نمر على عشراتمن القوانين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحكم حياة البشر وهي تعمل كالساعة الدقيقة حتى الآن وإلى يوم الدين بل هي بدأت العمل منذ بدء الخليقة. (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) آل عمران 140 + (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) محمد 38 فهناك قانون أو قوانين صعود الأمم وهبوطها والقانون الأساسي هو الايمان بالله، الايمان اللحق الذي يتضمن كل فضائل الاسلام: العدل والقوة والاستعداد للاستشهاد في سبيل الله، وان الهدف هو إعلاء كلمة الله لا التجبر ولا الفساد ولا التعالي على عباد الله (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)القصص 83. الهدف هو إعمار الأرض ونشر السلام والرحمة والتراحم بين البشر، لا إبادة الطرف الآخر حتى وإن كان كافراً!!

ومن المفارقات أن الغربيين لهم دراسات جادة في مسألة صعود وهبوط الامبراطورية الأمريكية.

وطبعا هؤلاء جميعا يركزون على الجوانب المادية وهي جزء حقيقي من المسألة، فالؤية الاسلامية تجمع بين الروح والمادة وإن رفعت شأن الروح دائما ولكن الحد الأدنى المكفول في حياته المادية. كما أن الايمان الحق على مستوى القوى المسيطرة (تجارب داود- سليمانن- ذي القرنين) لا تخريب البيئة ونهب الثرواتمن قبل القلة، كما فعل ويفعل الأمريكيون في بلادهم وفي أفريقيا وسائر المجتمعات الواقعة تحت سيطرتهم.

دراسات الغرب حول صعود وهبوط الأمم مهمة وأدعو لقراءتها، وهي لا تهمل الجوانب الروحية دائماً، فق ورد في بعض هذه الدراسات ان تفشي الانحلال الخلقي والجنسي كان من علامات وأعراض سقوط الامبراطورية الرومانية. بول كنيدي يركز على الاعتبارات الاقتصادية وكيف أن رغبة القوة العظمى في التوسع العسكري بلا نهاية يؤدي إلى استنزافها اقتصاديا، وكل هذه اعتبارات صحيحة، وهي جزء من حلة الطمع التتي تهيمن على أفئدة المستكبرين.

نحن لا نزال في مجتمعاتنا الاسلامية نركز على العويل والصريخ والندب على سقوط الأندلس، أو سقوط الخلافة في استانبول، أو سقوط بغداد 1258، انها ظاهرة انسانية عندما نراجع هذه الأحداث أن نتأثر وأن نبكي بالدمع الهتون. ولكن الأهم أن ندرس أسباب ودروس هذا السقوط وتلك الهزائم. ولا أقوول من أجل أن نحصن أنفسنا للأبد من الهزائم فهذا مستحيل، ولكن من أجل تقليل الهزائم، وتقصير فترات الهبوط، فالانسان لابد أن تكون نيته دائماً الطريق المستقيم. فعلى مستوى الفرد يتوب الانسان عن أخطائه دون ضمانة أكيدة بعدم التكرار في الوقوع في الخطأ، ولكن لابد أن تكون النية ضد العودة إلى الخطأ، وأن تكون النية دائماً للاستقامة (الصراط المستقيم) ولذلك فنحن نسأل الله (الصراط المستقيم) عدة مرات في الصلاة الواحدة.

وأيضا على مستوى الأمم يجب أن سعي النخب القائدة إلى بناء الدولة الاسلامية الحصينة ضد الذلل قدر الطاقة، في علاقتها بالشعي وفي علاقتها بسائر الأمم.

كان النظام المملوكي يتراجع وإن ظل يقاتل الصليبيين حتى النفس الأخير (المعارك ضد البرتغال حتى آخر الدنيا.. الهند!)

والنظام المملوكي به عيب أصيل واضح وهو فكرة الاعتماد على استيراد العسكر ومن ثم رجال الحكم من خارج البلاد، من خلال شراء العبيد، كان النظام المملوكي مسيطراً كما ذكرنا على مجمل المستطيل القرآني (الشرق الأوسط- مركز العالم). وقامت الدولة العثمانية على حدوده في الأناضول وكانت هناك محاولات متكررة لايجاد نوع من التنسيق أو التعاون أو التحالف بين القوتين الاسلاميتين (العثمانية- المملوكية) في مواجهة الصليبيين والتتار. وحدثت أشكال من التنسيق أو الترتيب ولكن بدون انتظام أو إحكام. كانت كل قوة تدرك أن القوة الأخرى صديقة. وكانت تضع ذلك في حساباتها وهي تحارب الصليبيين أو المغول. ولكن الدولة العثمانية أصبحت تشعر بنفسها كقوة عظمى جديرة بقيادة العالم الاسلامي بأسره بعد أن ثبتت أقدامها في الأناضول وطهرتتها من بقايا الصليبيين والمغول وبدات تتوسع في الأراضي الأوروبية. لذلك وبإدراك استراتيجي بسيط رأت أن المستطيل العربي (مصر والشام والعراق وجزيرة العرب) يجب أن يكون ضمن دولتها الصاعدة.

وتشير بعض كتب التاريخ إلى أن بعض العلماء والقادة في بلاد المماليك وقد ضاقوا ذرعاً بخلافات المماليك وحلموا بدولة إسلامية مستقرة، أرسلوا سراً للسلطان العثماني للمجيئ إلى الشام ومصر وتخليصها من حكم المماليك.

على أي حال فقد جاء العثمانيون في أوائل القرن 16 الميلادي وكان من الطبيعي أن يبدأوا بالشام حيث انتصروا على المماليك في معركة مرج دابق 1516 وكان الجيش المملوكي قادماً من مصر كالعادة، ولكن لم يكن العثمانيون أعداء الأمة، وظهرت ملامح تعاون وقبول شعبي لمجيئهم، وتكرر ذلك في مصر حتى أن أقسام من سلطة المماليك كانت تنقل ولاءها للعثمانيين القادمين. وقتل السلطان المملوكي في المعركة، وحاول نائبه في مصر طومان باي القيام بدور خط الدفاع الأخير عن مصر ولكنه هزم في معركة الريدانية، وهرب وحاول تنظيم نوع من المقاومة الشعبية ولكنها لم تفلح، وألقي القبض عليه واعدم. بدخول العثمانيين بقيادة سليم الأول وهو الخليفة الذي قاد الجيش بنفسه ولم يجلس في قصره كما فعل الخلفاء العباسيين في أيامهم الأخيرة في بغداد، بدخول العثمانيين مصر عام 1517 أصبح المستطيل عثمانيا، فالدععاء أصبح يرفع في مكة باسمهم واستكملوا فيما بعد العراق واليمن وليبيا وتونس وكردستان. واهتم العثمانيون بمصر واستمر سليم الأول بها قرابة العام. هل كان يفكر أن يجعل مصر مركز قيادة الدولة؟ لا أدري ولكن المؤكد أن بعض السلاطين في نهاية الدولة العثمانية ندموا على أنهم لم يتخذوا من مصر مركزاً للقيادة أو على الأقل لم يتخذوا من اللغة العربية لغة رسمية للدولة.

وهناك  قصة شهيرة علموها لنا في المدارس أن سليم الأول جمع كل الحرفيين الممتازين في مختلف المجالات ورحلهم إلى الآستانة ليستفيدوا بهم وانهم فرغوا مصر من الكفاءات لتأكيد أننا أمام غزو استعماري بغيض.

ولكن هذه الكتب المنحازة ضد فكرة الدولة الاسلامية لم تذكر أن الخليفة سليمان القانوني الذي جاء بعد سليم الأول، قد جمع هؤلاء الحرفيين وخيرهم بين البقاء في الآستانة أو العودة لمصر!!

وأذكر مرة أخرى أن هذه الدراسة لا تقدم تقييماً شاملاً للنظم الاسلامية وإنما تكتفي ببعض اللمحات ذات الصلة بموضوعنا. هذه الدراسة تركز على فكرة واحدة أساسية أن الدولة الاسلامية العظمى لابد ان تقوم في هذا المستطيل المتوسط (مركز العالم) الذي سموه الشرق الأوسط. وأن هذا المستطيل هو وحده المذكور في القرآن الكريم (بالمصطلح االلجغراافي) في إشارة إلهية لذلك ولأهمية هذا المركز في الصراع العالمي بين الكفر والايمان، بل وبين القوميات أو الدول الكبرى أيضا. وإذا لم نقم نحن سكان هذا المستطيل الدولة الاسلامية العظمى فستقوم الدول العظمى المعادية باحتلاله على جثة كرامتنا واستقلالنا بل وعقيدتنا.

وهذا المستطيل (للقراء الجدد)هو القسم الآسيوي من الوطن العربي+ مصر فهو مستطيل عربي صرف. (انظر الخريطة التي توضح المستطيل + خريطة رأس الرجاء الصالح.

مواصلة الحرب فوراً على البرتغال:

لم يأت العثمانيون لمصر والمستطيل للاستراحة والدعة والاستمتاع بملذات الحياة الدنيا، وإن كانوا يتمتعون بالحياة ولكن في بلادهم وفي العطلات بين أشواط الجهاد. بالفعل وتنفيذا لمصطلح (التسليم والتسلم) وهو مصطلح عسكري، واصل العثمانيون فوراً معارك المماليك البحرية ضد البرتغال الذين يغزون المستطيل من الجنوب وقام العثمانيون باسترداد بعض الموانئ الاسلامية في البحر الأحمر: مصوع وزيلع ومقديشيو ومميسة. وذلك في عهد سليم الأول.

وفي عهد سليمان القانوني تم طرد البرتغال من البحر الأحمر تماماً ونهائياً وطاردهم وحاربهم حتى في الههند وإن لم يحقق انتصاراً ناجزا هناك ولكن تم تأمين الأراضي المقدسة (الحجاز) التي كان يستهدفها هؤلاء اللئام.

الفصل التاسع عشر
كريستوفر كولمبس مكتشف أمريكا كان مجرد نصاب عالمي!
·رحلته كانت جزءاً من خطة صليبية لضرب المسلمين
·الأسبان يحتلون جزر المورو الاسلامية ويسمونها الفلبين
·والعثمانيون يطردون البرتغال من جنوب المستطيل المتوسط

 

قبل أن نقلب صفحة البرتغال التي لم يطل عمرها في المستطيل المتوسط من العالم (الشرق الأوسط) وبالتالي لم يطل عمرها كقوة عظمى، بل كانت مشروع دولة عظمى أجهض سريعا، نتوقف عند أسباب ذلك الهبوط السريع من الزاوية التي تهمنا في هذه الدراسة، كي نتأكد من دقة القانون الذي يعمل عبر التاريخ. ولا شك أن هناك أسبابا مركبة لصعود وهبوط الأمم. فمثلا البرتغال لم تتقدم في طريق التقدم الصناعي والتكنولوجي ولكن في ذلك الوقت كان هذا حال جميع الدول الأوروبية. ولكن من زاوية دراستنا فالبرتغال كان لابد أن تسقط  سريعاً كمشروع دولة عظمى عجزت عن التمركز في المستطيل القرآني (مركز العالم): الوطن العربي الآسيوي+ مصر، بل هي حامت حوله وعلى بعض أطرافه الجنوبية دون أن تتمكن من التوغل فيه. رغم أنها مدت نفوذها إلى العالم الجديد (بعض أجزاء من أمريكا اللاتينية) واحتلت بعض مدن وموانئ المغرب: سبتة- طنجة- أغادير لبعض الوقت، واستقرت كقوة مستعمرة في بعض دول أفريقيا الساحلية (أنجولا على الساحل الغربي- وموزمبيق على الساحل الشرقي) وبعض البقاع الصغيرة الأخرى. ووصلت كما رأينا إلى سواحل الهند واليابان. ولكن كل هذا لم يشفع لها أن تستقر كقوة عظمى، بل لا يكاد يذكرها التاريخ، وكأن اسمها كقوة عظمى كان مكتوباً بالقلم الرصاص وقام العثمانيون بمحوه سريعاً من كتاب التاريخ بأستيكة وذلك عندما طردوها شر طردة من جنوب المستطيل القرآني.. (الخريطة القرآنية). العثمانيون (الدولة العثمانية) أغلقوا مضيق باب المندب في أقصى جنوب البحر الأحمر أمام البرتغاليين، ودخلوا عدن وتعز وصنعاء وحضر موت والمكلا وساحل الحبشة (أريتريا)، سواكن ومصوع وطهروا الخليج العربي من البرتغال حتى البصرة، بل وأكثر من ذلك أمنوا طرق التجارة البحرية من مصر والخليج حتى الشرق الأقصى. وطبعا ما كان لهم أن يحققوا كل ذلك بدون الارتكاز على مصر وميناء القلزم (السويس حاليا) وامن العثمانيون بذلك الأراضي المقدسة في الحجاز (مكة والمدينة) من اعتداءات البرتغال بصورة نهائية. وعندما ظهر الأسطول العثماني في الخليج العربي 1585 قابلهم أهل الساحل بحماس شديد وترحاب. وظلوا يحرسون ويحمون ساحل شرق أفريقيا وشمال المحيط الهندي حتى مطلع القرن 18 م. ومع ذلك لا تزال كتب تصدر في مصر تتحدث عن الاستعمار العثماني، ولا تشير لدور العثمانيين في كسر شوكة الصليبيين البرتغال الذين استهدفوا مكة والمدينة.

والعجيب ان المناهج الدراسية في الأزهر الشريف تسير في نفس هذا الاتجاه الظلامي من ذلك مثلا كتاب الصف الثالث الثانوي الأزهري لعام 2012- 2013 الدراسي تأليف د. علي محمد حسن العماري الذي يتحدث عن 3 قرون تحت نير حكم المماليك (ثم أطبقت على مصر الظلمات بدخولها تحت الحكم العثماني 3 قرون أخرى كانت لياليها كلها سرار (وهي الليالي التي يختفي فيها الهلال) إلى ان بدأت أشعة فجر خافتة باهتة تسري مع قدوم الحملة الفرنسية! ثم أخذت هذه الأشعة تسطع وتتسع حتى غمرتها أشعة الشمس في آواخر القرن 19) أي عندما استقر الاحتلال البريطاني!! ويدعي هذا الكتاب العجيب أن العثمانيين أغلقوا المدارس!!

نعود إلى البرتغال.. فقوتهم البحرية أوصلتهم لشواطئ اليابان، وظنوا أنهم يمكنهم أن يغزو هذا البلد بالتبشير الكاثوليكي وترويج البضائع والسلع البرتغالية. ولكن اليابانيين كانوا أذكياء وخدعوا البرتعاليين حتى يتجنبوا الاحتلال العسكري فتظاهروا أنهم معجبون بالحضارة البرتغالية. في عام 1577 وصل قس برتغالي لليابان في إطار حملات التبشير بالكاثوليكية وعاش طويلا في اليابان وكتب في مذكراته أن الشعب الياباني راغب في تقبل كل شئ من البرتغال فهم يرتدون الملابس البرتغالية والحلى والأحزمة البرتغالية.

ولكن تبين مع مرور الزمن ، أن اليابانيين كانوا يتجنبون الغزو العسكري ويتخذون هذه الملبوسات والبضائع كنوع من الموضة في حين أنهم كانوا يخدعون البرتغال ويمثلون دور الضعفاء في حين أنهم ظلوا متمسكين في داخلهم بثقافتهم القومية. وأنهم أرادوا بذلك تجنب مصير الصين التي كانت نهباً للتدخلات الأوروبية العسكرية في ذلك الزمان.

وتتحدث كتب التاريخ- في مقابل الغباء البرتغالي الكاثوليكي- عن الذكاء الهولندي (وهم بروتستانت) حيث اهتموا عندما وصلوا لسواحل اليابان بالقيام بأعمال تجارية و"بيزنس" دون الانشغال بوهم التبشير بالمسيحية واستراح لهم اليابانيون أكثر. ولكن ما يهمنا أن نشر النفوذ الاقتصادي في أقصى الشرق الأقصى دون التمركز في المستطيل لا يصنع دولة عظمى.

في آواخر القرن الخامس عشر عندما توجه الايطالي كريستوفر كولمبس إلى ملك البرتغال وحاول إقناعه بمغامرة الرحلة البحرية إلى آسيا عبر الأطلنطي لم يستجب له، فتوجه إلى أسبانيا حيث أفلح في إقناعها وسنعود لتلك القصة، ولا شك أن البرتغال خسروا بذلك قصب السبق إلى العالم الجديد الذي اكتشفه كولومبس لحساب أسبانيا. ولكن التوجه للعالم الجديد لم يفلح في إقامة دولة عظمى حتى لأسبانيا.

ولكن البرتغال أخذت فيما بعد أجزاء من أمريكا اللاتينية لم تفلح في تغيير مصيرها. حيث تحولت وحتى الآن إلى دولة أوروبية متخلفة، ظلت تحتل أنجولا وموزمبيق في أفريقيا كقوة استعمارية غاشمة حتى بعد منتصف القرن العشرين حيث قامت حركات تحرر وطني مسلحة أجبرت البرتغال على الانسحاب.

حكم البرتغال قرابة 40 عاماً في القرن العشرين الديكتاتور سالازار (شبيه بديكتاتور أسبانيا فرانكو) حتى قامت ثورة شعبية أسقطته، ولكن لاتزال البرتغال من أكثر دول أوروبا تخلفاً، وكأنها لا تزال تدفع ثمن خياراتها الحمقاء عندما كانت تحاول أن تكون دولة عظمى.. في الستينات من القرن العشرين غادر البرتغال 500 ألف مواطن (10% من السكان النشيطين) والكثير من الشباب ذوي الشهادات العالية، وكانت الحكومة تشجع على الهجرة خوفاً من انفجار الأوضاع الاجتماعية، وفي اوائل القرن الحادي والعشرين تجددت مخاطر الهجرة خاصة وأن النمو السكاني بمعدلات متدنية مع نقص حاد في الكفاءات والمهارات.

أسبانيا دولة عظمى سقطت سريعا:

وهذا ينقلنا إلى أسبانيا فهي توأم البرتغال، ولكنها التوأم الأكبر الذي حقق نجاحاً أكبر. البلدان يشكلان معاً شبه جزيرة أيبريا التي شملها جميعا الفتح الاسلامي (الأندلس) خلال عامين (92 هـ حتى 94هـ) وقد اتحد البلدان عام 1581 م أي بعد سقوط الأندلس، ثم انفصلت البرتغال عام 1640م.

في الهزيع الأخير من ليل المسلمين في الأندلس حيث لم يتبق الوجود الاسلامي إلا في غرناطة، كان هناك مشروع زواج بين أكبر مملكتين أسبانيتين بين فردناند الثالث ملك أرجون وإيزابيلا ملكة قشتالة، فتم توحيد المملكتين عام 879 هـ، ولكن الملك والملكة أقسما على أن يكون حفل الزواج في قصر الحمرا في غرناطة وهذا ما تم عام 879هـ- 1492م عام سقوط الأندلس رسمياً ونهائياً في يد الصليبيين.

وفي القرن 16م أصبحت أسبانيا القوة السياسية الأعظم وبسطت نفوذها على الأراضي الواطئة (هولندا- بلجيكا) ومعظم أوروبا والبحر المتوسط وحكمت أمريكا الوسطى والجنوبية ونويات في أفريقيا، وجنوب شرقي آسيا: الفلبين على سبيل المثال والتي سموها باسم ملك أسبانيا فيليب، وكانت جزراً إسلامية (المورو) وعاصمتها "أمان الله" التي تم تحريفها إلى مانيلا.

وامتداداً لحرب الأندلس احتلت أسبانيا موانئ في الجزائر وتونس والمغرب (سبتة ومليلية). ولكنها ظلت بعيدة عن الشرق الأوسط (المستطيل القرآني) وظلت هذه نقطة ضعفها الكبرى.

القصة اللحقيقية لكريستوفر كولمبس مكتشف أمريكا:

صور الغرب لنا كرييستوفر كولمبس كبطل عالمي غير مجرى التاريخ لأنه اكتشف أمريكا، وانه صاحب رسالة انسانية، ويحتفلون في الولايات المتحدة بشكل سنوي به كرمز انساني عظيم ويضعون له تماثيل في العديد من الميادين بالمدن والولايات الأمريكية. وهناك روايات تاريخية عديدة عن وصول العرب والمسلمون إلى أمريكا قبل كولمبس وكذلك روايات أخرى عن وصول الصينيين ولكني لم أبذل جهداً في تقصي هذه المعلومات لأنها إن صحت فإنها لم تؤدي إلى ربط العالم القديم بالأمريكتين. وبالتالي فإن الواقع يؤكد أن الرحلات البحرية الأسبانية هي التي أدت إلى هذا الربط النهائي بين قسمي العالم، وبالتالي لا نقلل من شأنها. ولكن في المقابل لابد من توضيح الصورة الحقيقية لهذه الكشوف الجغرافية.

قلنا من قبل أن هذه الكشوف كانت جزءاً من الصراع الصليبي مع العالم الاسلامي، وان رحلات عبر المحيط الأطلنطي استهدفت الوصول إلى آسيا مباشرة من الناحية الغربية باعتبار كروية الأرض التي أصبحت ثابتة علمياً، وذلك للخلاص من طريق الشرق الأوسط الاسلامي للوصول إلى الهند والصين وشرق آسيا عموما. ولإنهاء السيطرة الاسلامية على مركز العالم.

كريستوفر كولمبس مغامر ونصاب عالمي، هو إيطالي وأشاع عن نفسه انه من الأرستقراطية الإيطالية وليس أي أرستقراطية بل هو سليل عائلة الامبراطور قسطنططين نفسه! وواقع الأمر انه كان ابن انسان متواضع يفتح محلاً لبيع النبيذ في جنوة بإيطاليا عندما كان كريستوفر صغيراً، ثم كان يقوم- عندما كبر- ببيع الجبن. عندما سافر من جنوة إلى لشبونة في البرتغال ادعى انه تاجر كبير من الطبقة الأرستقراطية الايطالية وركب سفينة تجارية إلى هناك وكان لديه قدرات على التمثيل جيدة بحيث تزوج من عائلة غنية واستطاع من خلالها أن يصل إلى البلاط الملكي البرتغالي، ومن خلال تجميع معلومات من هنا وهناك تقدم بمشروع رحلة بحرية إلى آسيا من الغرب إلى ملك البرتغال. وكان المشروع يتضمن تجهيزه بمجموعة من السفن وتحمل تكاليف الرحلة بما في ذلك أجور الربان والبحارة وأن يتم تعيينه برتبة أدميرال بحري كبير وأن يحصل على 10% من حصيلة التجارة التي ستنجم عن هذه الرحلة. ورفض الملك البرتغالي هذا العرض. بعد عدة سنوات اتجه كولمبس إلى أسبانيا المجاورة ومستفيداً من علاقاته بالبلاط البرتغالي تمكن من الوصول إلى البلاط الأسباني وقابل الملكة ايزابيلا عام 1487 وعرض عليها نفس المشروع ولكنها لم تقتنع به في البداية ولكنه تمكن من إقامة جسور شخصية معها وأصبح من زوارها ومن المترددين على البلاط. وتقول إحدى الروايات انه في عام 1492 عندما تمكن الأسبان من السيطرة التامة على الأندلس وطرد المسلمين، في هذا العام بالذات أصبح لدى ايزابيلا المال الكافي لتمويل رحلة كولمبوس، ولكن يبقى الأساس أنه في عام السيطرة على الأندلس بدأت ايزابيلا الصليبية في التفكير في المرحلة التالية، لمحاربة المسلمين فهذه الرحلة كما ذكرنا تضرب الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط كمعبر ضروري لآسيا، كما أن مكاسبها المالية التجارية يمكن أن تمول الحرب على المسلمين خارج الأندلس. لم يكن إذن من قبيل الصدفة أن يكون عام سقوط الأندلس هو نفسه عام رحلة كولمبوس (1492م). تم تجهيز 3 سفن بكل احتياجاتها لرحلة طويلة ومرتبات البحارة ووافقت على كل طلبات كولمبوس التي كان تقدم بها، في عقد مكتوب، عدا البند المتعلق بحصوله على 10% من ثمار وأرباح الرحلة. وسافر كولمبوس حيث قام بتأجير أفضل ملاح استطاع الحصول عليه لأنه لا يعرف أي شئ عن الملاحة!! ولم يسبق له أن قام بقيادة أي مجموعة من الناس في أي عمل! وكان لا يعرف الفرق بين الجزيرة والقارة، وكان يسيئ معاملة البحارة ، ويصفه المؤرخون بأنه شخص "متوسط الكفاءة" ولكنه كان يجيد تسويق نفسه للملوك والمجتمعات الراقية. وقد فشلت الرحلة الأولى في الوصول لطريق إلى قارة آسيا، بل وصلت إلى عدة جزر في أمريكا الوسطى، ولكنه نجح في الحصول على موافقة ايزابيلا على تمويل رحلة أخرى، خاصة بعد أن أغراها باحتمالات كبرى للحصول على الذهب في هذا العالم الجديد الذي لم يتصور حجمه ومساحته بعد، وأن هذا الذهب يمكن أن يمول الحملات الصليبية ضد المسلمين. (راجع كتاب أمريكا طاغوت العصر لمؤلف هذه الدراسة- الطبعة الثالثة).

في واقع الأمر كولمبوس لم ينجح في رحلتيه بين 1492- 1495 إلا في تأسيس مستوطنة أسبانية صغيرة في سانت دومينيجو على جزيرة هسبانيولا في أمريكا الوسطى التي تقع بين الأمريكتين الشمالية والجنوبية. ولكنه لاشك فتح الطريق لتوسع الامبراطورية الأسبانية في أمريكا اللاتينية فيما بعد. ورغم كل هذه الفتوحات الرهيبة في قرية بكر بأكملها، ورغم سيطرة أسبانيا على جزء كبير من أوروبا وبعض الأطراف في آسيا وشمال أفريقيا، إلا أن هذه الامبراطورية هوت سريعاً لأنها لم تدرك أن الأهمية الاستراتيجية الأولى للشرق الأوسط أساسي لإقامة دولة مستقرة عظمى. بل انها لم تنتقل من دولة عظمى أولى إلى دولة عظمى من الدرجة الثانية أو الثالثة بل هوت في جرف سحيق وأصبحت من أكثر دول أوروبا تخلفاً حتى وقت قريب. وفي ذلك دروس استراتيجية مهمة لنا حول مدى أهمية منطقتنا التي نعيش فيها- الشرق الأوسط!!.

الفصل العشرون
صدق أولا تصدق: اللبنانيون أقاموا دولة عظمى متوسطية

<<  جنون الذهب أصاب الأسبان وأدى إلى دحرهم
<< !الأسبان يستعبدون المسلمين المغاربة في مدينتين حتى الآن

 

دروس سقوط أسبانيا من الدولة العظمى الأولى إلى مجرد دولة من أكثر دول أوروبا تخلفاً، ولم تسقط إلى دولة عظمى من الدرجة الثانية كإنجلترا وفرنسا، دروس غنية نستكملها لأنها تفيدنا في تدبر أهمية موقعنا الجغرافي في مركز العالم (الشرق الأوسط) وإن كان بمفهوم المخالفة. فلأن أسبانيا غزت كل مكان في العالم عدا الشرق الأوسط، فقد كان ذلك دليلاً دامغاً على الجهل الاستراتيجي لدى حكامها، وبالتالي استحقت لعنة التاريخ. ولا أريد الحديث عن ما يمكن أن يكون عقاب القدر على جرائمهم ضد المسلمين في الأندلس التي فاقت الخيال، لأن الأنجلو ساكسون فعلوا نفس الفظائع في سكان أمريكا الأصليين، ولكنهم امتلكوا عقلاً استراتيجيا لا يزالون يحكمون به العالم حتى الآن!! وسنأتي لذلك ان شاء الله.

ماذا فعل الأسبان بسكان أمريكا اللاتينية؟

جرائم أسبانيا في أمريكا اللاتينية تنويعات من الفظائع، نوع من التنوع في ارتكاب جرائم الابادة كتلك التي فعلها الانجليز الأنجلوساكسون في أمريكا الشمالية. الأنجلوساكسون قاموا بحل جذري: الابادة التامة والكاملة لمن سموهم الهنود الحمر. أما الأسبان ، وربما لعدم قدرتهم، أو لاحتياجهم للأيدي العاملة لم يأخذوا خيار الابادة الكاملة.

فبعد احتلالهم لما يسمى الآن الأرجنتين وباراجوى وبيرو وبوليفيا كانوا يقسمون الأراضي بما تحويه من سكان وثروات على الأمراء (ضباط الجيش الأسباني أو موظفون مدنيون من أسبانيا) وحولوا السكان الأصليين إلى عبيد داخل كل مستعمرة من هذه المستعمرات وكانوا يركزون على استخدامهم في استخراج الذهب والفضة، وكما ذكرنا من قبل انهم ساروا على نهج المغول (وإن لم يعرفوهم) في إجبار الملوك المحليين على الكشف عن أماكن ممتلكاتهم الخاصة من الذهب ثم يعتقلونهم. أما الأنجلوساكسون في شمال أمريكا فقاموا بجريمة مزدوجة: إبادة السكان الأصليين وإحلال السود من أفريقيا كعبيد للعمل الزراعي واليدوي عموما. وجريمة اصطياد الأفارقة وتحويلهم إلى عبيد أدت إلى موت 50 مليون أفريقي أثناء عمليات النقل البحري اللا آدمية، وكان هناك جلب للأفارقة في أمريكا اللاتينية ولكن بنسبة أقل، في المقابل تصرف الأسبان ليس كرجال دولة ولكن كعصابات غير منظمة، واكتشاف الذهب بكميات كبيرة في أمريكا اللاتينية أصاب كبار العسكريين والمدنيين الأسبان بحالة جنونية فكانوا يتقاتلون مع بعضهم البعض للسيطرة على هذه المستعمرة أو تلك، ويمكن للحاكم الأسباني المبعوث رسمياً أن يُقتل، على أن يرسل المنتصر عليه بعض الذهب إلى حكام أسبانيا حتى يتحول إلى حاكم رسمي!! وهذا ما حدث على سبيل المثال في استعمار بنما وبيرو، من 1510 إلى 1513. وكانت بيرو واقعة على ساحل المحيط الهادي وهو الساحل المواجه لآسيا. والأهم أن بيرو موطن امبراطورية الأنكا (الحضارة الأصلية) كانت غنية بالذهب والذي بدأ يصب في أسبانيا. وكانت أي شائعات عن وجود ذهب في مكان معين كفيلة باندفاع جنوني إلى هذا المكان، وهو ما أدى إلى إزهاق ملايين الأرواح من الأسبان والهنود (السكان الأصليون الذين تم الاستعانة بهم) وذلك بسبب وعورة الطرق والأمطار الغزيرة والغابات الموحشة ونقص الغذاء وليس بسبب القتال، بالاضافة لقتل الهنود الذين يرفضون الادلاء بمعلومات عن الذهب!! وقد أدت هذه الحالة الجنونية إلى ضياع الذهب الذي تم الحصول عليه في نفقات عمليات البحث الفاشلة. أدت هذه الحالة الجنونية: حالة العصابات الباحثة عن الذهب لاستحالة إقامة أي نوع من الحضارة حتى وان كانت استعمارية، أدت إلى هجرة الأسبان بأعداد كبيرة إلى أمريكا اللاتينية بحثاً عن الذهب وأفقرت المدن الأسسبانية وانهار الاقتصاد الأسباني، وأبيدت المزارع في غياب المزارعين، الأمر الذي ادى إلى انهيار الجيش الأسباني وعجزه عن مواصلة حروبه في أوروبا!! ففي نهاية القرن 17 م انخفض عدد سكان أسبانيا إلى النصف وهبط عدد سكان مدريد العاصمة من 400 ألف إلى 150 ألف نسمة. وهبطت أسبانيا إلى حالة من الانهيار لم تخرج منها حتى الآن. (ربما في أواخر القرن العشرين بدأت أسبانيا تنتعش صناعياً وبسبب السياحة ولكنها لا تزال في آخر قائمة الدول الأوروبية لا يأتي بعدها سوى البرتغال واليونان!!).

الأرمادا.. الواقعة التي قضت على أسبانيا عسكريا

في آواخر القرن 16 م كان فيليب الثاني ملك أسبانيا يستعد لحرب فاصلة مع انجلترا في 1570م، وكان كاثوليكياً عقائدياً يحارب توسع البروتستانت. وكانت انجلترا قد تحولت إلى البروتستانتية قبل ذلك بعدة عقود. وكان الأسبان يحتلون هولندا وبلجيكا اللتين كانتا تعانيان من تمرد بروتستانتي، وكان فيليب يحارب هذا التمرد، ويحلم في نفس الوقت باستعادة الكاثوليكية إلى بريطانيا. وكانت ملكة انجلترا اليزابيث الأولى حكيمة فلم تنجر إلى حرب في هولندا وأرسلت قوة صغيرة لمناصرة البروتستانت وأخذت في تطوير البحرية البريطانية على مهل. بينما قام ملك أسبانيا بإعداد أسطول خاص كبير لغزو بريطانيا، وهذا الأسطول المخصص لغزو بريطانيا كان يُسمى الأرمادا. وتم بناؤه اعتماداً على اقتراض الأموال من بنوك ايطاليا وتسديدها من الذهب المجلوب من العالم الجديد، وقامت بريطاننيا- التي كانت تعلم بالخطة- باستخدام قراصنة لاقتناص السفن الأسبانية الحاملة للذهب، وهو ما ادى ببنوك ايطاليا لرفع فوائد القروض نظراً لزيادة المخاطر.

وهكذا تحملت أسبانيا أعباء مالية كبيرة حتى جهزت أسطول الأرمادا عام 1588 من 128 سفينة، وقام الأسطول الانجليزي بعمل كمين للأرمادا وهو راسيا في كاليه قبل الاقلاع لبريطانيا، وتم تدمير معظمه ولم تقم لأسبانيا قائمة بعد ذلك.

وعندما جار الزمان على أسبانيا لم يبق لها إلا المغرب المجاورة ، المغرب التي حملت إليها الفتح الاسلامي وهي لا تزال تنتقم من هذا الفتح وإن كان في شكل رمزي من خلال احتلال مدينتين مغربيتين حتى الآن (سبتة- مليلة). ففي عهد ايزابيلا المشئومة تم احتلال شمال المغرب عام 1497 أي بعد سقوط الأندلس بـ 5 سنوات. وكان البابا قد قسم سواحل المغرب فأعطى الساحل الأطلسي للبرتغال، وأعطى الساحل المتوسطي (على البحر المتوسط) لأسبانيا ومنه هاتين المدينتين.

في القرن العشرين اندلعت  ثورة بقيادة المجاهد محمد عبد الكريم الخطابي في ريف المغرب أي في شمال المغرب المحتل من أسبانيا وانتصر في معركة تاريخية (أنوال) ووعد الديكتاتور زانكو المغاربة بالاستقلال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ولكنه اتفق مع فرنسا وقسما المغرب بينهما. ورغم استقلال المغرب بعد ذلك إلا ان الأمم المتحدة ظلت حتى الآن لاتعترف بأن سبتة ومليلة مدينتان محتلتان. وقد تحولتا إلى مدينتين تحت الاحتلال الاستيطاني، وتظل سبتة تحدي أكبر للمسلمين حتى الآن لأنها لم تدخل قط تحت حكم إسلامي منذ الفتح رغم انها جزء لا يتجزأ من أراضي المغرب. وهما رمزان لعبودية المسلمين حتى الآن، وإن كان التمسك بسبتة مسألة استراتيجية لأنها تمثل الطرف الافريقي لمضيق جبل طارق (المدخل الغربي للبحر المتوسط)، أما مليلة فهي محاطة بسياج طوله 6 كيلومتر وإرتفاعه 4 أمتار وهي محاصرة بين البحر والسياج، ويحتاج المغربي لتأشيرة شنجي الأوروبية كي يزورها.

وهي نموذج لنظام الفصل العنصري (الأبارتيد) فرغم أن عدد المغاربة 45% إلا أنهم مواطنون من الدرجة الثانية أو العاشرة وعلى معابر المدينة يتعرضون عند العبور للشتم والضرب حتى سموا هذا المعبر: معبر الدموع (وأنا أتحدث هنا عن الوضع الحالي في القرن 21!!)، في عام 1983 اندلعت في مليلة ثورة شعبية تم على اثرها طرد 1500 مغربي من المدينة وكانت بقيادة عمر دودوح- مليلة مدينة طفيلية تعتمد على المغاربة وتضطهدهم، فالعمالة مغربية والبضائع ومغربية، ولكن المغاربة فيها كالأجانب المهمشين، عدد السكان 80 ألف أغلبهم مسيحيون، والمدينة مراقبة على أسوارها بـ 74 كاميرا ونظام انذار اليكتروني. ورغم أن هذه المعلومات خارج نطاق بحثنا (فما أبعدها عن المستطيل) ولكن أشير إليها في سياق الانحطاط الأسباني وكآخر علامة على التخلف الأسباني (ولكن في ظل تواطؤ الغرب الذي يهوى الحديث عن الحرية والاخاء والمساواة) وكدليل أخير على فشل العقل الاستعماري لدولة عظمى لم تفهم أهمية مركز العالم المستطيل، ولست نادما بطبيعة الحال أن الأسبان لم يأتوا إلينا في المشرق!! ولكنه تحليل بعقل بارد للجهل الاستراتيجي الأسباني، وإن دفع المغاربة ثمنه. فقد استخدم الغرب أسبانيا كمجرد مفصل لحراسة مضيق جبل طارق وهو مضيق استراتيجي فهو باب الوصول من أقصى الغرب إلى الشرق الأوسط وقناة السويس، وسنعود لأهميته في أحداث القرن العشرين.

لست حزينا بطبيعة الحال(!!) على فشل بعض المشروعات الاستعمارية الاوروبية ولكننا نأخذ الدروس الاستراتيجية في أهمية موقعنا: المستطيل القرآني/ الشرق الأوسط. وبنفس المنطق فإن مشروعات استعمارية أخرى هوت سريعا أو ظلت مهمشة لأنها لم تفكر ولم تقرب من مركز العالم (المستطيل). مثل هولندا التي أصبحت قوة بحرية في فترة قصيرة، واحتلت أندونيسيا والملايو (ماليزيا الآن) في أقصى الشرق، واحتلت جزءاً من جنوب أفريقيا وسورينام في أمريكا اللاتينية. وبلجيكا التي احتلت الكونغو في قلب أفريقيا. فقد ظلتا قوتين استعماريتين هامشتين حتى أفل نجمهما تماما وأصبحتا مجرد بيادق في المنظومة الغربية.

أعجوبة لبنان في المستطيل:

بما أن أسبانيا أخرجتنا من المستطيل فهي فرصة لسد نقص من الناحية التاريخية في هذه الدراسة، فلنقف هنيهة أمام تطور تاريخي مبكر يشهد بعظمة هذا المستطيل وأهميته، ولكنها عظمة وأهمية مقلوبة، حيث قام شعب صغير من المستطيل بإقامة دولة عظمى رهيبة ولكن خارج المستطيل لفترة غير قليلة من الزمن، ولعل ذلك سبب أساسي  لاندثارها بل لقد اندثرت حتى في ذاكرة التاريخ.

قبل أن تتعجب أيها القارئ أقول: أقصد الفينيقيين، جذور لبنان الحالية. ويشار إليهم عرضاً في كثير من كتب التاريخ القديمة دون اهتمام كاف في أكثر الأحيان. وقد كانوا قبل الميلاد، يوصفون بأنهم أول من ركب البحر وأول من صنع السفن البحرية، ولعل هذا سبب كل ما حدث، فهم أعطوا ظهرهم للبر (المستطيل) وانطلقوا في العالم الواسع عبر البحار.

ويوصف الفنيقيون بأنهم كانوا أعظم أمة تجارية صناعية من الشرق الأوسط حتى الهند، وهم أول من بنى الموانئ على البحر المتوسط حتى انطلقوا وأسسوا مدناً ساحلية في تونس وطرابلس وليبيا، في عام 1500 قبل الميلاد كانوا سادة البحر المتوسط وبعدهم ظهر الاغريق في البحر. ووصل الفنيقيون إلى المغرب وأسسوا مدناً هناك، وطبعا سيطروا على جزر البحر المتوسط وكانت مالطا محطة أساسية لهم واستوطنوا صقلية الايطالية. وأسس الفنيقيون (اللبنانيون) حضارة قرطاجنة في تونس عام 840 ق.م وأسسوا امبراطورية تشمل شمال أفريقيا وأسبانيا وجزر البحر المتوسط وساحل جنوب أوروبا أي حولوا البحر المتوسط إلى بحيرة داخلية لهم. ورغم كل ما يعلمونه لنا من أن اليونان هم مخترعوا النظام " الديمقراطي" (انتقاداتي للنظام الديمقراطي الغربي مكتوبة في دراسات أخرى) فإن الفنيقيين هم أول من أسس النظام  الجمهوري، يدار بمجلس من 100 عضو من الأعيان والتجار وله رئيسان ينتخبان كل سنة. وقد انفصلت قرطاج سياسياً عن لبنان (الفنيقيين) وقد أصبح مركزها في تونس وحكمت شمال غرب البحر المتوسط 7 قرون كاملة من القرن الثاني ق.م حتى القرن التاسع ق.م وتسيدت على روما وأشهر قادتها هانيبال الذي دخل التاريخ العسكري كواحد من أكبر القادة العسكريين الذي اقتحم روما أكثر من مرة ودخلها مرة عبر أسبانيا أي هاجمها من البر.. من الشمال وليس من البحر، وعُرف عنه استخدامه للأفيال في الحروب وكثير من الابتكارات الأخرى والخطط العسكرية الفذة. ولم يستطع الرومان الخلاص من هذا الخطر إلا باحتلال تونس وتدمير حضارتها في القرن الثاني ق.م بعد حرب استمرت 100 عام!! أما بالنسبة للأصل (أي الفنيقيين) فقد تعرضوا لغزو الاسكندر الأكبر (المقدوني) زعيم اليونان عام 334 ق.م حيث احتل صور أهم موانئهم ودمرها تماما. وذلك بعد احتلال مصر وفي طريقه إلى فارس والهند. ويقدر بعض المؤرخين حياة الأمة الفنيقية بـ 3170 سنة، وينسب البعض إليها أنها هي التي اخترعت الكتابة. لبنان في أوقات كثيرة كانت ضمن حدود مصر القديمة، والتاريخ لا ينقل أن المصريين القدماء كانوا يخربون ويدمرون المدن كالإسكندر.

بل واضح أن العلاقات المصرية- الفنيقية قامت على التعاون الحميم الحضاري والتجاري والعلمي والجغرافي سواء في فترات تبعية لبنان لمصر أو في فترات استقلالها. وقد تعاون الطرفان- وفقا لبعض المصادر- على تنظيم رحلات للدوران حول أفريقيا (3 مرات) وواضح أن مصر كانت تستفيد من الخبرات البحرية للفنيقيين، كما كانت تحصل منهم على الأخشاب لبناء السفن في مصر، كذلك فإن مؤشرات امتداد مصر الحضاري في الشمال الأفريقي مرتبط بهذه العلاقة الخاصة مع الفنيقيين، في تونس مثلاً تم اكتشاف آثار مصرية قديمة بل وحتى المغرب وجزر الكناري في المحيط الأطلسي حتى لقدد وجدت آثار تؤكد استخدام طرق الدفن المصرية وبعض العادات المصرية وكتابات مشابهة للهيروغليفية في كل هذه المناطق. وقصة سفر المصريين لأمريكا من المغرب يبدو انها مرتبطة أيضاً بالفنيقيين حيث تقول الروايات أنهم وصلوا للمكسيك حيث توجد أهرامات مشابهة لأهرامات مصر، بل وجدوا آثار باللغة الهيروغليفية. ما يهمنا من هذه الأخبار العجيبة أنها تثبت كيف كان مستوى التعاون بين دول المستطيل عندما كانوا في أوج المجد وكيف تحولوا في معظمهم الآن إلى أعداء ومجرد ألعوبة في يد أمريكا واسرائيل وكيف ارتبط ذلك بانحطاطنا الحضاري (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) يوسف 111.

الفصل الواحد والعشرون
معجزة زمزم الذي لا ينفد منذ 5 آلاف عام .. بناء الكعبة قبل ابراهيم مسألة حسمها القرآن

معجزة زمزم الذي لا ينفد منذ 5 آلاف عام

بناء الكعبة قبل ابراهيم مسألة حسمها القرآن

مكة في مركز المستطيل وهو مركز الدولة الاسلامية

علماء عالميون غير مسلمين يشهدون بمعجزة ماء زمزم

 

بما أن أسبانيا والبرتغال أخرجتانا من المستطيل لتتبع حالتهما وانحطاطهما، وبما أننا تراجعنا للوراء تاريخياً للحديث عن الفينيقيين قبل الميلاد لسد النقص في عرضنا التاريخي السابق في هذه النقطة، فقد رأيت أن أستغل هذه الوقفة في الحديث عن بئر زمزم أيضا لسد النقص في هذا الموضوع الذي فاتني الحديث فيه أثناء الكتابة عن مكة المكرمة والكعبة المشرفة. على أن نعود بعد بئر زمزم إلى السياق الزمني الذي توقفنا عنده وهو دخول العثمانيين إلى المستطيل القرآني والسيطرة عليه

ذكرنا من قبل أن مكة متوسط المستطيل بالضبط فهي على بعد 1200 كيلومتر من مصر و1200 كيلومتر من العراق و1200 كيلو متر من اليمن!!

أعجوبة بئر زمزم:

كما ذكرنا فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي اختار مركز العالم (المستطيل/الشرق الأوسط) وعلمنا ذلك من الخريطة القرآنية التي اقتصرت على الوطن العربي الآسيوي+ مصر. وقد اختارت المشيئة الآلهية ذلك منذ بداية الخليقة أي قبل نزول القرآن الكريم بردح طويل من الزمن، باختيار مكان الكعبة- البيت الحرام.. ولا يمكن الحديث عن بئر زمزم بمعزل عن الكعبة والمسجد الحرام ومكة: الكعبة هي المكعب الذي يطوف المسلمون حوله- والمسجد الحرام كل ما حولها من مكان للصلاة، ومكة هي المدينة كلها (أم القرى) وقد تحدثت في كل ذلك في فصل خاص عن مكة، ولكن لابد من استعادته الآن مع بعض الاضافات حتى نتحدث عن بئر زمزم أعجوبة الزمان.

الله سبحانه وتعالى هو الذي حدد مركز العالم هنا في المستطيل القرآن، فجعل بداية الخليقة هنا، وبداية الحضارة هنا، وحركة الأنبياء والرسل الأساسية هنا مع الكتب السماوية: موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وإذا كان هنا في مركز العالم ستكون محور أحداث الدنيا، ماضيها وحاضرها ومستقبلها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فقد كان من الطبيعي والمحتم أن يكون هنا المركز الروحي للعالم، والقلب النابض له، مكة أم القرى وما تفرع عنها (المدينة حيث مثوى رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام) ثم القدس والمسجد الأقصى، وحيث ربطت معجزة الاسراء والمعراج بين المركزين على سبيل التوثيق الالهي النهائي أبد الدهر.

قلنا نحن نحاول أن نتلمس بعضاً من حكمة الله وفق ما تدركه عقولنا، ووفق المعلومات التي تتأكد بين أيدينا، وقد أمرنا الله أن نتفكر في خلق السموات والأرض، بل أنني ومنذ بدأت هذه الدراسة وأنا أكتشف حقائق وأسرار قاطعة الدلالة من نصوص القرآن الكريم لم أدركها من قبل، وهذه هي أهمية التفكر. أعني حقائق وأسرار في موضوع هذه الدراسة. وسأعرض لبعضها الان وانا واثق أن معظم القراء لم ينتبهوا لها من قبل!!

تحدثنا من قبل عن اختيار مكة- المسجد الحرام- الكعبة كقلب تتدفق منه الدماء إلى مختلف أعضاء  الجسد البشري..أقصد نفس دور قلب الانسان كمضخة، وليس كمنبع للدماء، لأن الدماء هنا هي الايمان.. هي نور القرآن.. وحكمة الرسول عليه الصلاة والسلام في أحاديثه وسيرته، الدماء هنا هي المشاعر الفياضة التي تتجمع من أركان الأرض الأربع إلى مكة، ثم تعود تتدفق في كل شرايين الأمة..الدماء هنا.. هي مشاورات قادة الأمة في مكة التي تعود وتتدفق إلى أطراف الجسد الاسلامي في القارات الست. وتساعد على ذلك الآن القنوات الفضائية والانترنت التي تنقل وقائع الحج على الهواء، فهذه أشياء جديدة بالنسبة إلينا ولكنها كانت في علم الله.

قلنا أن اختيار مكة في هذا المكان المتوسط كان مقصوداً، فالحج شعيرة أساسية بل هي من أركان الدين الخمسة التي لا يقوم اسلام المرء إلا بها في حالة توفر الاستطاعة (الزاد والدابة والاستطاعة البدنية) فتح القدير- تفسير الشوكاني- المجلد الأول- دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان. {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران:97] لاحظ هنا (ومن كفر) أي امتنع عن أداء الحج وهو مستطيع، وينكر أن الحج فريضة، كمن ينكر الزكاة أو الصلاة، وليس مجرد كسل أو تراخي أو عصيان. فكان لابد لله أن يهون على الناس. وأشرت من قبل إلى افتراض أن تكون الكعبة في سيبريا أو أندونيسيا أو البرازيل، من زاوية المشقة على معظم الناس. أما وجود الكعبة في مركز العالم/ الشرق الأوسط فهو يجعل ذلك يسيراً وقريبا لمعظم سكان المعمورة، عدا الأمريكتين واستراليا، ولكن الطيران جعل السفر 12 ساعة ويمكن بطائرة واحدة دون تغيير.

وقلت فيما سبق أن وجود الكعبة هنا وفر إمكانية واقعية لمجيئ الحجاج من معظم اليابسة سيراً على الأقدام أو بالدواب وهذا ما كان حتى القرن العشرين. وعندما كتبت ذلك لم يكن أمام ناظري أو في تفكيري الآية الكريمة التي أعلمها بطبيعة الحال، لكنها لم تأت على بالي، خاصة وأنني لا أكتب كتابا شاملاً عن فقه الحج، بما يستدعي العودة لكل الآيات الخاصة بالحج، فما هي هذه الآية؟!

(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج 27)- رجالاً جمع راجل أي يسير على رجليه وضامر هو الفرس أو البعير المهزول من طول السفر.

وأشرت إلى التوسط الجغرافي بالمعنى العلمي الدقيق للكعبة في اليابسة، وأشرت إلى أن القرآن والسنة ثم الفقه سيتدفق في دفعاته الأولى من مكة ولا يزال رغم ما أصاب الجزيرة العربية من تردي الأوضاع السياسية. وأشرت إلى نقطة قد تبدو عجيبة عندما قلت أن الله- حسب اعتقادي المتواضع- وضع الكعبة في هذا المكان القفر الجاف شديد الحرارة وجعل الجزيرة منبع الدعوة في هذا المكان القفر الذي لا توجد فيه حضارة تذكر، وذلك ليحمي الكعبة والدعوة من أطماع البشر من الدول العظمى المحيطة بها حيث لا يوجد أي مطمع دنيوي في هذا المكان، وكأن هذا المناخ القاسي في هذا المحيط القفر كان لحماية هذا الوليد، كالغلاف الذي يحيط بالجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث. ولكن حتى فيما بعد عندما شبت الأمة الاسلامية عن الطوق، فإن الكعبة ظلت بعيدة عن الأطماع- عدا حادثة واحدة فريدة (هجوم أبرهة والذي جاء انتقاما لتدنيس أحد العرب الكنيسة في اليمن) أقصد حادث الفيل وتولى الله سبحانه وتعالى الدفاع عن الكعبة. وفي العصر الحديث حين ظهر البترول ظهر في أماكن بعيدة في أقصى شرق الجزيرة العربية، حتى ان أمريكا تفكر في إحدى خططها في تقسيم السعودية وإقامة دولة شرقية بترولية، وترك الكعبة لحكام الجزيرة!!

وظل الروم والفرس يستصغرون شأن العرب حتى قام الاسلام فجأة وانقض على الدولتين العظميتين في سنوات معدودة!

في إطار التركيب الالهي أو باستخدام لفظ القرآن (يدبر الأمر) أي في إطار التدبير الالهي لمنطقة أم القرى وما حولها كان من ضمن ذلك بئر زمزم، وهو معجزة إلهية بكل المقاييس. وكان بئر زمزم في البداية ضرورياً لأنه كان المصدر الوحيد للمياه فما كان الناس لتأتي للسكن حول البيت الحرام أو لتحج إليه بدون مياه.

وقد كانت هاجر وإسماعيل يتفطران عطشاً حتى تفجر ماء زمزم تحت قدميها بمساعدة جبريل.

كنت اتعجب من ظاهرة ماء زمزم الذي لا ينفذ، وقد تحول استخدامه إلى صنابير في الكعبة ولكنه تطور إلى عمل تجاري: عبوات صغيرة يشتريها الحجاج ويعودون بها إلى بلادهم، ثم تطور الأمر إلى تعبئة ماء زمزم في جراكن! ويمكن للحاج أن يحمل معه ما يستطيع خاصة إذا كان معه سيارة. هل توجد آبار في العالم يتم استهلاك ما بها من موارد بهذا الكم وتستمر تتدفق 5 آلاف عام بمياه صالحة للشرب بل هي أفضل مياه في العالم من ناحية تأثيراتها الصحية.

إن بئر زمزم لغز كبير وإن كان تحت أقدامنا في الكعبة. وقد كتب عنه الكثير ولكن أقتطف بعض المعلومات. لنتذكر ان الحجيج يصل إلى 4 ملايين سنويا إذا أضفنا حجاج من السعودية. ثم ان الاقبال على العمرات أصبح كبيراً جداً على مدار العام. وتكون الكعبة ممتلئة عن آخرها في الدور الأرضي ويزداد الأمر في رمضان. نحن أمام عشرات الملايين يأتون سنوياً. وأذكر انني في التسعينيات من القرن العشرين عجزت عن الوصول إلى الحجر الأسود وكنت في عمرة من شدة الزحام.

المعلومات التي تجمعت عن بئر زمزم تقول..ان عمقه 30 مترا- وأن الغواصين الذين نزلوا إليه لم يستطيعوا استكشافه وان البوصلات جميعها تتوقف عن العمل، ولم يتمكنوا من تحديد الاتجاهات التي تأتي المياه منها، ووضعوا كاميرات لم تفد كثيرا في إمكانية استكشافه.

يقول الله عز جل (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) 96-97

ولاشك أن بئر زمزم من هذه الآيت البينات. فكما يقول د. زغلول النجار: إن مكة مقامة على كتلة من الصخور النارية المتحولة ولا توجد بها أي مسام، بينما القاعدة الجيولوجية أن الماء لا يخزن إلا في صخور بمسامية عالية ونفاذية عالية، ولم تعرف أي خريطة جيولوجية واضحة لأصل هذا الماء، وكل ما تم التوصل إليه أن الماء يأتي عبر شروخ شعرية رفيعة عبر آلاف الكيلومترات من مختلف الاتجاهات. وقد تم اكتشافف هذه الشروخ في انفاق مكة.

وهكذا نرى الصخر الأصم يفيض شلالاً من المياه.

قد يقال انه في العصر الحديث يتم توصيل المياه إلى مكة فلم تعد هناك حاجة ماسة لبئر زمزم، بل لعل في الماضي ظهرت آبار أخرى في المدينة غيره. وبالتالي قد يكون بئر زمزم، الان مجرد ذكرى لنتذكر هاجر وسيدنا اسماعيل، وليس هذا بالقليل، فنحن نتذكرهما من خلال السعي بين الصفا والمروة. ولكن الله سبحانه وتعالى ترك لعباده هدية أجل من كل ذلك عندما يسعون إليه في مكة من كل أركان الأرض. وهي طبيعية ماء زمزم التي لا مثيل لها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له) فإذا دعوت قبل الشرب منه خاصة وأنت في الكعبة فإن دعاءك يستجاب له، وغالبا ما يدعو المرء عند شرب ماء زمزم في أمور تتتعلق بالصحة.

ولا أريد أن اتحدث عن تجربتي الشخصية وكيف تحقق ولا زال بعد قرابة ربع قرن ما دعوت الله قبل شرب ماء زمزم في الحج. ولكن لنتحدث عن رأي كبار العلماء، وتجارب البشر المختلفة. أوموتو مسارو عالم ياباني كبير في مجال الطاقة بل من اكبر العلماء في العالم في هذا المجال، وهو لم يدخل الاسلام وله كتاب كبير مترجم يمكن الرجوع إليه اسمه (رسائل من الماء) ويقول أن للماء ذاكرة، وانه يتأثر بأفكار الانسان وكلامه والدعاء يترك أثراً في التكوين المائي، وهذا عن الماء عموما. وأكد أن هذه الخصائص ظاهرة بوضوح في ماء زمزم، وقد أخضعه للدراسات والتحليلات المعملية. ويقول ان قطرة واحدة من ماء زمزم اذا أضيفت إلى ألف قطرة مياه عادية تصبح لها نفس خصائص ماء زمزم. وقد أثبتت دراسته ان تجميد قطرة الماء يجعلها تبدو فائقة الجمال كالبلور والكريستال، ولكن عندما تتعرض للبسملة تصبح البلورات أكثر جمالاً.

والأساس العلمي لذلك- وهذا الكلام من عندي- والمقصود هنا (علم الله الذي أخبرنا به) أن كل شيئ في الكون يسبح لله (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الاسراء- 44 وان الأدعية الايمانية تتفاعل مع هذه الخاصية.

وفي ألمانيا عالم كبير في مجال التشخيص والعلاج بالطاقة (فايبر) أكد أن الطاقة في الانسان تتحسن بعد 50 دقيقة من شربه ماء زمزم، وهو يحذر من الحلويات ومشروبات الطاقة المعروفة لأنها تدمر مستوى الطاقة على خلاف التصور الشائع. وقد برهنت التحليلات المعملية أن ماء زمزم أكثر نقاءاً من المواد الضارة بالمقارنة مع مياه "أفيان" الشهيرة التي تنبع من جبال الألب في فرنسا وتقدم على أنها المياه الأكثر نقاوة في العالم. وهناك حديث نبوي يقول (ان ماء زمزم أطهر مياه على الأرض) وقد أثبتت آخر التحليلات المعملية عدم وجود أي تلوث، أو أي ميكروبات في ماء زمزم وإن كان يتضمن تركيبة عجيبة من المعادن.

ويروي د. زغلول النجار قصة اسلام أستاذ جامعي أمريكي قابله بنفسه وعندما سأله عن سبب اسلامه قال له: ان ابني قد أصيب بشلل رباعي من جراء حادث سيارة، وكان في غرفة الانعاش وسألني الأطباء برفع الأجهزة عنه، حيث لا أمل في شفائه أو بقائه على قيد الحياة ورفضت، ثم زارني صديق مسلم وأعطاني جرعة  صغيرة من ماء زمزم لابني وبدأ في التحسن وشفي تماماً بعد سنة!

أم ابراهيم مواطنة أردنية كان لديها سرطان في الدم وقال لها الأطباء انها تنتظر الموت قريبا لا محالة، سافرت إلى مكة واغتسلت بماء زمزم، وبعد أداء العمرة شعرت بتحسن وعندما أجرت تحليلاً طبيا بعد 4 شهور جاء التحليل بأنه ليس لديها لوكيميا في الدم على الاطلاق!!

كما ذكرنا فإن ماء زمزم يحتوي على توليفة من المعادن غير مسبوقة، ولعل مرور الماء بمساحة هائلة من الصخور عبر عدة كيلومترات جعلها تمتص من هذه الصخور النارية انواع مختلفة من المعادن. وكلما أخذت عينة من ماء زمزم وحللتها فلن تكون مماثلة تماماً لتحليل سابق من عدة أسابيع أو شهور. هطول الأمطار على مكة أحد العوامل في تعديل تركيبة ماء زمزم وتخفيف المعادن ولكننا نعلم أن هطول الأمطار ليس غزيرا فى مكة. وجود هذه النسبة من المعادن جعل ماء زمزم مغذيا ولذلك وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه (طعام وطعم وشفاء). لذلك ينقل أن أبا ذر رضي الله عنه صام 30 يوماً متصلة لم يدخل جوفه إلا ماء زمزم. وهناك الآن نظم علاجية من خلال الصيام عدة أيام مع شرب ماء زمزم ولكن تحت إشراف الطبيب. وقد ثبت أن ماء زمزم يساعد في زيادة كرات الدم البيضاء (جهاز المناعة)- وتحسين أحوال الهيموجلوبين وصفائح الدم، ويقوي القلب ويهدئ الروح!

عودة إلى الكعبة:

ماء زمزم وبركاته جزء لا يتجزأ من المكان.. من الكعبة، كما تتحدث عن بحيرة جميلة في حديقة غناء، أشرنا فيما سبق إلى أن الكعبة أو بيت الله يوجد خلاف بين المفسرين حول موعد بنائها، هل بناها لأول مرة سيدنا ابراهيم أم أن حديث القرآن عن رفع القواعد معناه أن البيت كان موجوداً ومندثراً ويحتاج لاعادة بناء. والحقيقة فإنه لا يوجد داع لهذا الخلاف، لأن القرآن الكريم حسمه في صورة ابراهيم، في الآية المشهورة التي نعرفها جميعا حتى وإن لم نكن من حفظة القرآن كله.. لأنها آية مؤثرة وجميلة وإن كان لكل آية جلالها الخاص في مجالها.. سيدنا ابراهيم يدعو ربه (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) ابراهيم-37 في هذه اللحظة المؤثرة ابراهيم يترك زوجته وابنه الرضيع اسماعيل في هذا المكان القفر فيقول هذا الدعاء الجميل. ويستمر في الدعاء في آيات تالية. ولكن أتوقف هنا عند نقطة أن اسماعيل كان رضيعا في حضن أمه هاجر ولم يكبر بعد، حيث ساعد أباه في رفع قواعد الكعبة، بينما سيدنا ابراهيم يقول انه تركهما "عند بيتك المحرم" إذاً كان البيت موجوداً، وكان مندثراً، كان ظاهراً لعين ابراهيم أو أبلغه الله إذا لم تكن قواعده ظاهرة، وبعد ذلك فيما لا يقل عن 15 أو 20 سنة يبلغنا القرآن (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) البقرة 127

والحقيقة فإن الشيخ الشعراوي هو الذي لفت انتباهي لهذه الآية، أما الشوكاني فقد قال تلخيصا لموقف الخلاف بين المفسرين أو جمعاً لكل الآراء في جملة واحدة (وقد اختلف في الباني له في الابتداء، فقيل الملائكة، وقيل آدم، وقيل ابراهيم، ويجمع بين ذلك بأول من بناه الملائكة ثم جدده آدم ثم ابراهيم).

وتذكرون أنني برهنت في هذه الدراسة أن 24 من الـ 25 نبيا ورسولا المذكورين صراحة في القرآن كانوا يعيشون وينشطون في المستطيل القرآني/ الشرق الأوسط/ مركز العالم ولم أضع معهم سيدنا آدم لأني لا أملك نصاً قرآنياً ولا حديثاً صحيحا. ومع ذلك فقد رجحت أن آدم لابد ان يكون حام حول المستطيل أو كان قريبا منه، وأقصد حام حول الكعبة أو البيت. ولم أجد وسيلة لعصر الذهن في أمور غيبية بدون نص فهي أمور لا تصلح معها كلمة (قيل: كذا وكذا)، كما أن الموضوع لا يؤثر على رؤية ونظرية المستطيل لأن النظرية تقوم على الاستبعاد وليس على الاثبات فحسب. فالقرآن الكريم استبعد كل مناطق الأرض ولم يذكر أسماء مواقع جغرافية إلا في المستطيل. وفي حالة ذكر وقائع دون تحديد المكان كقصة الكهف أو ذي القرنين فهذا يعود ويؤكد نظرية المستطيل أو الخريطة القرآنية التي أفصح الله عنها بلا جدال ولا مراء. وبالتالي فإن عدم ذكر مكان هبوط آدم رغم أهميته يسير في نفس الاتجاه، أي اقتصار القرآن على المستطيل. (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) المائدة 97 هذه الاية توضح مكانة البيت الحرام في العقيدة فتقول: { جعل الله الكعبة، وهي البيت الذي عظمه وحرم الاعتداء فيه على الانسان والحيوان غير المستأنس وفيما حوله، جعله قائما معظما يأمن الناس فيه، ويتجهون إليه في صلاتهم، ويحجون إليه ليكونوا في ضيافة الرحمن، وليعملوا على جمع شملهم وكذلك جعل شهر الحج وما يهدى إلى الكعبة من الأنعام وخاصة ما يوضع في عنقه القلائد لإشعار الناظرين بأنه مهدى إلى البيت (حتى إذا ضاع أو فقد لا يأخذه أحد) ونتيجة القيام بذلك أن تستيقنوا أن علمه محيط بما في السموات التي ينزل منها الوحي بالتشريع ومحيط بما في الأرض فيشرع لمن فيها بما يقوم بمصالحهم. وأن علمه بكل شئ محيط}. (تفسير المنتخب)

قد يقول قائل ان المسلم قد يذهب للكعبة مرة واحدة في العمر فلماذا نعطيها كل هذا الوزن والأهمية. والواقع أن قلوب المسلمين متعلقة بالكعبة طوال السنة وطوال العمر فهي قبلتنا في الصلاة 5 مرات في اليوم بل في كل صلوات النوافل. كذلك فإن اختلاف التوقيت على طول خطوط الطول والذي يصل إلى دقيقة واحدة، يجعل الآذان يصدح بشكل دائم على مدى الكرة الأرضية وكذلك الصلاة وكأن المسلمين وردة لا نهائية تتفتح حول مركزها طوال اليوم وطوال العام وطوال العمر. القرآن نزل في هذا المكان واحداث السيرة جرت فيها بل لقد قام الفقه في البداية على أساس عمل أهل المدينة المنورة (الامام مالك)

وهذه الدراسة تركز على الأمور الاستراتيجية والسياسية وهذا الحديث عن المركز الروحي لبيت الله، ومركز العالم (المستطيل) الذي يسمونه في العالم الغربي الشرق الأوسط مهم جداً لأنه يربط ما هو روحي وعقائدي بما هو سياسي واستراتيجي. ومن أكبر أخطائنا أننا نفصل بين الجانبين أقول في عموم الأمة بما في ذلك الحركة الاسلامية. فهناك منا من يعرف وينشغل بما يسمى (العلم الشرعي) وهناك منا من يعرف وينشغل بأمور السياسة والاستراتيجية كموضوعين منفصلين. وكأن السياسة لا تنضبط بالشرع، وكأن الشرع لا يعرف السياسة. وهذا هو السبب الجوهري في عدم قيام الحركة الاسلامية بحسن إدارة الصراع محليا واقليميا وعالميا، وفي عدم قيامها بطرح المشروع الاسلامي بصورة جلية وضيئة تشعل القلوب بالحماس والالهام وتغذي العقول وتحفزها على الحركة والعمل (نحن نفتقد الآن أسلوب الكلام والكتابة كالذي كان ينتهجه أبو الحسن الندوي).

لقد برهن التطور العلمي في المجال الطبي أن ما ذكره القرآن عن القلب والفؤاد هو الكلام العلمي الصحيح، وان شخصية الانسان من قلبه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الاسراء 36 وأن العقل هو الأرشيف أي مركز المعلومات ومراكز البحث (think tanks!!) فقد ثبت بعد عمليات تغيير القلب أن شخصية الانسان تختلف عندما يزرع فيه قلب شخص آخر. وبالتوازي مع ذلك فإن أمور العقيدة لا تخلو من عاطفة، بل هي بلا معنى إن لم تكن مرتبطة ومشحونة بعواطف الايمان وحب الله والرغبة في الاستشهاد وعمل الخير والمشقة في سبيل الله ومساعدة العباد والشعور بالمتعة واللذة في ذلك أي استعذاب هذا الطريق مهما كانت أشواكه، وأيضا لا معنى لكل ذلك إذا لم يكن العقل يدبر أمور الحياة لتستقيم في اتجاه الخير العميم للمسلمين وللبشرية جمعاء. (أولوا الأباب).

بالتوازي، فإن المستطيل كمركز للعقيدة (مكة- المدينة- القدس) هو نفسه المستطيل الذي يجب أن نؤسس فيه دولة الاسلام العظمى بدلاً من أن يكون نهباً لكل شذاذ الأفاق عبر التاريخ من البرتغال والمغول والصليبيين أو حاليا من اليهود الصهاينة الذين يحتلون قلب المستطيل ودرته فلسطين والقدس وأجزاء من الشام بدعم أمريكي صريح ودعم عسكري سافر، بينما معظم حكام المستطيل العرب يسايرون هذا الاتجاه ويستعذبون العمل تحت لواء هذه الدولة الشريرة.

فبقدر سعادتنا بالكعبة وحبنا لها، فإننا نريد أن نسعى لإقامة دولة اسلامية عظمى لابد أن يكون قلبها ومركزها في المستطيل، فكما وضع لنا الله مركزنا الروحي في هذا الموقع المتوسط فإن الدولة الاسلامية لابد أن تكون في ذات الموقع، وهكذا نشأت أول دولة اسلامية، ولم تقم أي دولة اسلامية عظمى بعد ذلك إلا من داخل المستطيل أو بالمستطيل كما أوضحنا وسنوضح أكثر في أحداث التاريخ. وهذا الأمر يوضح التشابك العضوي بين ما هو عقائدي- إيماني- روحي وبين ما هو سياسي- إقتصادي- استراتيجي وطبعا هذا يحتاج لمزيد من الشرح والتوضيح وهذا ما أحاول أن أفعله في هذه الدراسة وسائر الدراسات الأخرى. وقد كانت فترات الاذدهار الاسلامي مرتبطة بهذا الوضوح في الرؤية. كما أن هذا هو الفهم الصحيح للاسلام. فما معنى وجود كل هذه الأحكام في سورة البقرة- آل عمران- النساء- المائدة وغيرها فيما يتعلق بأمور السياسة والاقتصاد والحرب والسلام وعندما نتحدث في السياسة ننسى كل هذه الأحكام، فهل حولنا القرآن الكريم إلى أيقونة..أو كتاب بركة أو كتاب للصلاة، وهل يمكن أن ننتظر خيراً إذا نحن فعلنا ذلك؟! والآن لنعد إلى مسيرة الدولة العثمانية لنتعلم المزيد من دروس التاريخ.

ملحق:

* قال الشيخ محمد الغزالي في إحدى مقالاته: (ثبت ان مكة مركز العمران في هذا العالم واستطاع د.حسين كمال الدين أستاذ الهندسة بجامعة الرياض أن يثبت بحسابات رياضية أن مكة تتوسط القارات المأهولة وان وضعها الذي قرره العلم الحديث تفسير حقيقي لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ) الشورى 7

* في إطار تخرصات بعض الغربيين الحاقدين على الاسلام عن تلوث ماء زمزم، قام الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز بارسال عينات من ماء زمزم إلى معامل في أوروبا وأمريكا لتحليلها، وجاءت نتائج التحاليل مؤكدة خلو بئر زمزم من أي سموم وخلو ماء زمزم من أي فطريات كما هو الحال عادة في ماء أي آبار وأثبتت التحليلات تفرد ماء زمزم بالثراء المعدني أكثر من أي مياه صحية أخرى. وعادة ما تحتوي المياه الصحية على ما يتراوح بين 130- 160 ملجم/ليتر من الأملاح المعدنية بينما يبلغ مجموع هذه الأملاح المعدنية 2000 ملجم/ليتر في ماء زمزم. كذلك اثبتت بحوث علمية فائدة ماء زمزم لمرضى الشريان التاجي بالقلب.

 الفصل الثاني والعشرون
العثمانيون أكبر امبراطورية في التاريخ: 23 مليون كم مربع

وأطول الدول الاسلامية عمراً: 624 سنة
العثمانيون لم يهتموا بمصر وكان فيها مقتلهم
ويستأصلون أول محاولة يهودية للاستيطان في سيناء


كنا قد تحدثنا بالفعل عن اندياح الدولة العثمانية في المستطيل القرآني/ الشرق الأوسط بسهولة نسبية وأشرنا إلى عملية (تسليم وتسلم) للجهاد في المنطقة أي تسليم المماليك، مكرهين طبعا، مقاليد المستطيل للدولة العثمانية وقد ظهرت عملية التسليم والتسلم الرائعة في مسألة جهاد البرتغال والذب عن حياض المستطيل القرآني من الجنوب حيث واصل العثمانيون عمل المماليك بلا انقطاع يذكر في حرب الحملة الصليبية البرتغالية التي كانت تستهدف مكة والمدينة وأشرنا إلى نجاح العثمانيين في تطهير وتأمين البحر الأحمر من دنس البرتغال وعاد بحيرة عربية اسلامية، وكذلك الخليج العربي وبحر العرب. ولم نتوقف عند أسباب اندفاع العثمانيين للسيطرة التامة على المستطيل (الشام- مصر- العراق- اليمن) والحقيقة فإن عدم مجيئ الدولة العثمانية للمستطيل هو الأمر الذي كان يجب أن يثير التساؤلات خاصة ودولتها قائمة في حدودها الشرقية الجنوبية على حافة المستطيل (الشام- العراق)، وهذا الموضوع قد يحتاج لدراسة طويلة، أي موضوع سيطرة العثمانيين على المستطيل. ولكنني أرى الموضوع سهلاً وبسيطاً (وأترك التفاصيل للمؤرخين) فنحن أمام قانونين من قوانين الاجتماع البشري: (1) أن القوة الأكبر والأقدر تنداح وتتوسع حولها في المناطق الأضعف منها، وهو أشبه بقانون الأواني المستطرقة: فالماء يهبط من المرتفعات إلى المنخفضات ولا يمكن منعه، حتى تصبح المياه على مستوى واحد. وهكذا فإن الدول الكبرى تبتلع الدول الصغرى. وهذا ما يحدث في كل مكان في العالم. وقد تبتلعها بالنفوذ وليس بالضرورة عبر الضم بالقوة، وهذا ما فعلته الدولة العثمانية، فهي لم تتوسع بالقوة العسكرية فحسب بل بالانضمام الطوعي لها من جانب دول اسلامية، أو حتى دول نصرانية خوفا وطمعا.
(2) القانون الثاني هو قانون هذه الدراسة، فالدولة العظمى في العالم لابد أن تضم المستطيل وتتمركز فيه باعتباره "مركز العالم" (وهذا هو الاسم الأصح وليس الشرق الأوسط) وهذا القانون عمل بانتظام منذ الاسكندر الأكبر واامبراطورية فارس حتى أمريكا والاتحاد السوفيتي (ثم روسيا).
وقد أصابني الاستغراب عندما قرأت للأستاذ راغب السرجاني، وأنا أقدر الجهد الذي يبذله في هذه الحبهة المنسية أو المغفلة، جبهة تاريخ الأمة الاسلامية، استغربت من اعتباره أن (دخول القاهرة أحد أكبر أخطاء سليم الأول)، رغم أنني في المقابل لا أعلن حماسي وتأييدي الشديد للقرار. فليس هكذا تناقش القرارات التاريخية، فالمهم هو التحليل وليس التأييد أو الرفض، فمن ناحية فإن الأمور قد جرت وانتهت ومن ناحية أخرى نحن لا نعرف كل تفاصيل ودقائق الظروف المحيطة، إلا في حالة واحدة أن يكون القرار يمثل مخالفة شرعية أكيدة، وهذا غير متوفر في هذه الواقعة، فإذا كان هجوم دولة إسلامية أخرى بدون تعرض الدولة المهاجمة لعدوان من الثانية أمر مرفوض والأولى هو التحالف والتعاون، ولكن توحيد المسلمين في دولة واحدة قوية هدف شرعي إذا كان يستهدف إقامة دولة اسلامية. وبالتالي فإن تحليل الموقف بين هذين الموقفين يحتاج لمعرفة كثير من التفاصيل ليست لدينا.
مع ملاحظة أن الدولة الأضعف قد لا تنضم طواعية للدولة الأقوى بسبب أطماع الحكام الدنيوية في صولجان الحكم وإن كان في دويلة هزيلة، وهذا حالنا الآن في المنطقة العربية.
المهم أن الدولة العثمانية الفتية وهي تبدأ قرنها الثالث رأت عن حق أنها الدولة الأقوى والأجدر بالقيادة وهذا ما أثبتته الأيام، وأدركت المكانة الاستراتيجية للمستطيل القرآني في إطار الدولة الاسلامية العظمى وفي إطار الصراع العالمي مع الغرب الصليبي. بالعكس فإن المعلومات تؤكد صحة القرار العثماني:
(1) ان الدولة العثمانية تميزت بأنها لم تصطدم ولم تحارب المسلمين على مدار 200 عام على الأقل منذ نشأتها، وهذا امر أشار إليه كثير من المؤرخين.
أثناء إحدى زياراتي لتركيا التقيت بمؤرخة تركية وقالت لي: ان توجه العثمانيين للتوسع في اتجاه أوروبا النصرانية كان سببه الأساسي أنهم لا يريدون محاربة المسلمين في الشرق.
(2) كان مؤسسو الدولة العثمانية الأوائل حريصين للغاية على وحدة المسلمين وظلوا يعملون تحت لواء الدولة السلجوقية التركية الاسلامية ولم يفكروا في الانشقاق عنها رغم كل ما تعانيه من ضعف وتراجع، ورغم انها لم تكن تقدم للإمارة العثمانية أي دعم مادي ملموس. وظلوا هكذا حتى سقوط الدولة السلجوقية في 1308، بل الأعجب من ذلك انهم ظلوا تحت حكم المملكة الإخانية وهي مملكة تتارية مسلمة عاصمتها تبريز حتى سقطت رغم أن التبعية لها كانت اسمية. ولم تعلن الدولة العثمانية عن نفسها كدولة مستقلة إلا عام 1335 بعد اندثار الدولة الإخانية التي حلت محل الدولة السلجوقية 1308 وكان ذلك في عهد أورخان ابن عثمان وحفيد أرطغرل.
(3) شهد نمو الدولة العثمانية ظاهرة رائعة، وهي انضمام الامارات الاسلامية لها طواعية بدون أي نوع من القتال، وهي الامارات المتواجدة في منطقة الأناضول، فقد انضم طواعية قرابة 13 ولاية صغيرة انجذاباً لنموج القوة والصلاح الاسلامي والنجاح الاقتصادي والاداري والعسكري. رغم أن الدولة العثمانية الوليدة كان بإمكانها أن تضمها بالقوة، خاصة وهي تحقق انتصارات عسكرية على الدولة البيزنطية غرباً، وهي الدولة العظمى الأولى في الغرب وقتئذ.
(4) بدأت الدولة العثمانية تعاني من تناقض غريب وصعب قبل دخول سليم الأول للمستطيل القرآني (بداية بالشام)، فقد كانت دولة إسلامية من الطراز الأول ولكن شعبها 80% منه من النصارى!! وإن كان هذا دليل دامغ إضافي على أن الدولة العثمانية لم تجبر النصارى على دخول الاسلام كما يفعل الغربيون مع بعضهم البعض في فرض مذهب واحد على السكان بالقوة.
وقد استمر هذا الوضع أكثر من قرنين من الزمان!! وهذا مثل مشكلة للدولة العثمانية إذ لم يكن لديهم عدد كاف من المسلمين لتوسيع صفوف الجيش، بل وحتى توسيع الاطارات الادارية لإدارة شئون الدولة المتسعة دوماً. والتي بدأت بألف كيلومتر مربع في بداية عهد أرطغرل حتى وصلت إلى 2 مليون كيلومتر مربع عندما استلم سليم الأول الحكم في 1512 م. وقد أدى هذا التناقض إلى تفكير الدولة العثمانية في نظام (الدوشيرمن) وهو نظام يقوم على تجنيد الأطفال المسيحيين بالبلقان، وتحويلهم إلى عبيد للسلطان، ولكنهم لم يكونوا عبيداً في واقع الأمر، بل تحولوا إلى نوع من النظام المملوكي، فكان هؤلاء الأطفال يتعلمون الاسلام واللغتين العربية والتركية وفق أحدث النظم التعليمية في زمانهم، وكانوا ينقسمون إلى نوعين وفقاً لمهاراتهم وقوتهم البدنية ، فالأقوياء يشكلون (الانكشارية) وهو جيش المشاة والأقل يتجهون إلى النظام المدني فيعملون في السلك الاداري والسياسي حتى يصلوا إلى مستوى الوزراء والمحافظين بل وموقع الصدر الأعظم (رئيس الوزراء).
وإذا قرأت التاريخ العثماني فستجد عدد الوزراء وكبار المسئولين من مناطق البلقان وغيرها من الممالك العثمانية ليس عدداً قليلاً. وقد كانوا بسبب هذه النشأة مخلصين للدولة العثمانية. ولذلك لم تكن عائلات البلقان المسيحية تجزع من عمليات التجنيد الاجباري هذه، بل كانوا يعتبرونها فرصة العمر كي يصعد ابنهم ويصبح من أبناء الطبقة الحاكمة المدنية أو العسكرية، وهو نظام عجيب لم يعرفه الغرب أبداً حيث كان النظام الطبقي صارماً. ولم يكن بمقدور شخص من الطبقات الدنيا أن يحلم بالصعود إلى الطبقات العليا. وكان هذا النظام مقصوراً على النصارى الأرثوذكس أي يستبعد الكاثوليك الأكثر عداءاً للاسلام وللدولة العثمانية. والمعروف أن منطقة البلقان معظمها في ذلك الوقت من الأرثوذكس. البلقان تشمل الآن: مقدونيا- صربيا- البوسنة والهرسك- كرواتيا- سلوفينيا- ألبانيا- كوسوفا- الجبل الأسود. وزيادة عدد المسلمين بها حاليا نظراً لوجود العثمانيين بها أكثر من 450 سنة، وربما ساهم نظام التجنيد هذا في زيادة معدل الدخول للاسلام من قبل عائلات المجندين. لذلك عندما دخل سليم الأول المستطيل العربي الاسلامي (الشرق الأوسط) انقلبت المعادلة لأول مرة وأصبح المسلمون أغلبية سكان الدولة العثمانية.
فكيف يقال أن هذا القرار كان من أكبر أخطاء سليم الأول!!
(5) أحيانا التاريخ يحسم المسألة فلا داعي لإثارة الخلاف في قضية خاسرة. فعندما تُهزم الثورة فالمسئولية تقع على عاتق الثوار لأن الحكام الفاسدين لا يسلمون السلطة طواعية في أي مكان أو زمان. وعندما تهزم دولة في حرب- ولا أقول في معركة واحدة- فهي تستحق الهزيمة والمهم هو البحث عن أسباب هذه الهزيمة. المماليك في الشام ومصر لم يأخذوا "غلوة" في يد العثمانيين ولم يقاوموا كثيرا، وكان نظامهم قد أصبح مخوخاً من الداخل وسقوطهم السريع برهان على ذلك. فكيف نأتي في القرن الواحد والعشرين ونقول ما كان ينبغي للعثمانيين أن يضموا بلاد العرب لهم لينشئوا دولة عظمى اسلامية واحدة ولتصبح مساحتها في نهاية عهد سليم الأول 6 مليون كيلومتر مربع وقد استلمها 2 مليوم ك.م.م ومنذ عهده أصبحت تسمى الامبراطورية العثمانية. وبالمناسبة فإن الولايات الصغيرة الاسلامية التي انضمت قبل ذلك طواعية للعثمانيين كان من بينها إمارات صغيرة تابعة للماليك. وكنت قد أشرت من قبل إلى أن بعض الأعيان والعلماء في النظام المملوكي قد أرسلوا للسلطان العثماني يستنجدون به ويدعونه لضم بلاد مصر والشام له وأن يخلصهم من الحكم المملوكي المتدهور.
(6) في الأناضول ورغم تسامح العثمانيين مع الامارات الاسلامية، وعدم السعي لضمها بالقوة فإن إمارة قرمان في وسط الأناضول كانت تملك جيشاً قويا (50 ألف) وحاولت هي ان تسيطر على الدولة العثمانية، ولكنها هزمت وتم ضمها وتم العفو عن قادتها!! (بالمناسبة هذه الامارات كانت بقايا وشراذم للدولة السلجوقية الغاربة).
(7) أخيراً نعود ونؤكد أن استخدام القوة لضم وتوحيد الدول الاسلامية يجوز شرعاً وقد فعل ذلك عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي، ولكن وفق ضوابط شرعية صارمة، وعلى رأسها أن يكون التوحيد لمواجهة الأعداء الصليبيين والتتار..الخ وليس لأهداف قومية أو لتحقيق مصالح دنيوية بل بهدف إقامة نظام اسلامي عادل وصالح وهذه مسألة يمكن أن نتبينها بسهولة. والعدوان الظالم ينكشف سريعا ويفشل.
ما يهمنا الآن أن الدولة العثمانية ظلت تتصاعد بعد دخول المستطيل القرآني حتى وصلت مساحتها إلى 23 مليون كيلومتر مربع (لاحظ أنها بدات بألف كيلومتر مربع) يقولون إنها أكبر امبراطورية في التاريخ. ولكن حسب الامبراطورية المغولية التي امتدت من كوريا حتى بولنده كانت أكبر، ولكنها ليست مسألة مساحات فامبراطورية المغول كانت امبراطورية خزي وعار لهم وللبشرية. كذلك عاشت الدولة العثمانية 624 سنة وهو أطول عمر لأي دولة اسلامية. أي تمثل 44% من عمر المسلمين.
توسعت الدولة العثمانية على محورين: (1) محور الضم الصريح المباشر وتأسيس ولايات عثمانية تابعة مباشرة للمركز (2) محور الدولة التابعة التي تدفع الجزية والتي تخضع عسكرياً للدولة العثمانية وهي علاقة أشبه ما تكون بما يسمى الوحدة الكونفدرالية في العلوم السياسية.
وكانت أحيانا تتحول الدولة التابعة التي يظل يحكمها أهلها من النصارى أو المسلمين، تتحول إلى ولاية إذا كثرت مشكلاتها وكان ذلك ممكنا، أي توفير القيادة المركزية.
توسعت الدولة العثمانية لتشمل في أوروبا وفقا للأسماء الحالية: اليونان- مولدافيا- المجر- رومانيا- بلغاريا- ألبانيا- البوسنة والهرسك- صربيا- مقدونيا- الجبل الأسود- كرواتيا- كوسوفا- سلوفينيا- تشيكوسلوفاكيا (حيث تم تخصيص دخل 2000 قرية لتغطية الجزية، مع ضم جزء مباشر للدولة العثمانية) كذلك روسيا وبولندة كانتا تدفعان الجزية، كذلك دفعت النمسا الجزية وكانت زعيمة الدولة الرومانية المقدسة (حسب اسمها أي غرب أوروبا وعاصمتها روم بالاضافة لجزر البحر المتوسط وعلى رأسها صقلية ورودس ومالطة- وقبرص وكريت. كذلك تم توقيع معهاهدة تحالف مع السويد ضد روسيا في وقت من الأوقات.
في المنطقة العربية والاسلامية تم ضم كل المستطيل: مصر والشام والعراق والجزيرة العربية واليمن. كذلك أقسام من إيران خاصة تبريز وهمدان ولكن بشكل غير مستقر وحيث كان يتم تبادل تبريز بين العثمانيين والصفويين .
وفي أفريقيا ضمت ليبيا وتونس والجزائر وأثيوبيا والصومال والسودان (تبعاً لمصر) وبقيت المغرب لفترة طويلة تحت المظلة العثمانية، وانضم إليها بشكل طوعي معظم غرب ووسط أفريقيا: وهو توسع أدبي معنوي لم يأخذ أشكالاً مؤسسية ولكنه لا يخلو من دلالة، ويعكس رغبة الأمة الاسلامية في التوحد خلف وحول سلطة خلافة واحدة.. وهي بلاد: تشاد والنيجر ومالي ونيجيريا والسنغال.
وهكذا تمددت الدولة العثمانية في ثلاث قارات وكانت توصف بالدولة العالمية لمدة 463 عاماً، بعد استبعاد فترة النشأة وفترة الانحدار والانحلال. والطريف أن الدولة العثمانية عندما دخلت في مرحلة الانحلال كانت مسيطرة على 9 مليون كيلومتر مربع!! وذلك عام 1774. وهي نفس مساحة الولايات المتحدة الأمريكية حاليا(!!).
مشكلة العثمانيين أنهم لم يعطوا الاهتمام الكاف للمستطيل:
عكس الرأي القائل بتخطئة العثمانيين في ضم المستطيل العربي، أرى على العكس إن من أبرز مشكلات العثمانيين انهم لم يعطوا الاهتمام الكاف للمستطيل، وكان مقتلهم بسبب ذلك، بل لقد انهارت الدولة العثمانية أساساً وأولاً في الشرق الأوسط/ المستطيل. حيث سمى الغربيون مشكلة العالم ب "المسألة الشرقية" منذ أواخر القرن 18م وهي بداية مرحلة انحدار العثمانيين. ولم تكن "المسألة الشرقية" إلا المستطيل القرآني!!
ورغم أن العثمانيين بدأوا بداية جادة كما ذكرنا في حماية جنوب المستطيل وتأمين البحر الأحمر وتطهيره من الصليبيين البرتغال. ورغم بقاء سليم الأول في مصر والشام أكثر من عام، إلا أن سليمان القانوني وهو من قمم السلاطين العثمانيين إن لم يكن أبرزهم جميعا فقد استلم الحكم بعده في 1520 لم يقم بزيارة مصر بينما كان يمضي الشتاء في حلب. وفي حدود علمي فإن أحداً من السلاطين لم يزر مصر بعد سليم الأول، ومن باب أولى لم يفكروا في نقل مركز السلطنة (الخلافة) إلى مصر أو الشام أو العراق، وكانوا متمسكين باستانبول (القسطنطينية) التي اعتزوا- عن حق- بأنهم قاموا بفتحها. وكان تمسك العرب بالاسلام ومن ثم بالخلافة العثمانية هو الذي حمى ظهر العثمانيين في المستطيل، بمعنى أن التزام أهل المستطيل بالدولة العثمانية كان أقوى من التزامها بهم، إلا في الملمات والأحداث الكبرى. كما حدث خلال الحملة الفرنسية على مصر والشام. وكما يقول عدد من المؤرخين فإن الاهتمام بمصر والشام تراجع بعد عهد سليمان القانوني الذي مات عام 1561م.
والحقيقة فإن نظام الولاة في مصر أي نظام تعيين الوالي العثماني كان سيئاً حيث كان يتم تغيير الوالي في المتوسط كل عامين، وهي فترة قصيرة فما يكاد يأتي من الأستانة ويفهم الأوضاع حتى يتم تغييره.
وأخطأ العثمانيين خطأ جوهرياً آخر، فقد رأوا أن يوفروا جنودهم في مصر أي يقلصون عددهم إلى الحد الأدنى، مع استعواض ذلك بالاعتماد على المماليك لحفظ الأمن والدفاع العسكري بل وحتى إدارة أوضاع البلاد مع الوالي، وهكذا تم إحياء نظام المماليك وإن يكن بشكل أكثر فساداً لأنهم لم يكونوا الحكام الرسميين، ولذلك سعوا لزيادة نفوذهم بشكل غير مستقيم، واهتموا بجمع الثروات وتحقيق المصالح المادية. ومع تطور الأيام كانت سلطات الوالي العثماني تتراجع وتتقلص لصالح المماليك. وكان من المفترض أن يكون الحاكم التركي أو العثماني كحاكم نظامي أكثر استقامة وعدلاً واحتراماً للقانون والمصلحة العامة من مجموعات المماليك، ولكن اختيار الولاة لم يكن جيداً في عدد غير قليل من الحالات (راجع موسوعة تاريخ مصر- أحمد حسين- دار الشعب). وأسوأ شئ أن يكون الحاكم (الوالي) طرطور أو شخشيخة. لأن المماليك يستخدمونه لتحقيق مصالحهم ويدفعونه لاتخاذ قرارات غير شعبية ان كانت لمصلحتهم، ووصل الأمر إلى حد أن زعماء المماليك إذا غضبوا على الوالى العثماني يطلبون مقابلته في القلعة، وعندما يجتمعون معه يقوم بثني السجادة ويقول له: انزل ياباشا وتكون هذه هي العلامة على الاطاحة به. ويتم رفع الأمر للأستانة لتغيير الوالي بوالي جديد، وكان الباب العالي العثماني يوافق عادة، فهو كما نقول في حديثنا الدارج (يشتري دماغه)، أي أن المهم هو استتباب الأمن واستمرار تبعية مصر للدولة العثمانية. ولا شك أن الدولة العثمانية كانت بين الفينة والأخرى ترسل شخصية محترمة لتولي إدارة البلاد مع تعزيز الوجود العسكري العثماني ولكن سرعان ما كانت الأحوال تعود لما أشرنا إليه.
كنت أتصور أن تعامل مصر (كقلب للمستطيل العربي الاسلامي) معاملة خاصة فإذا لم ينقل مقر السلطنة إليها، فكان لابد ان تحكمها شخصية نافذة وأساسية من العثمانيين وبصورة مستقرة أي لفترة طويلة نسبيا من الزمن وليس لمدة عامين. وسنرى كيف حاول العثمانيون التعامل مع محمد علي بهذا المنظور أي كقائد للمنطقة، بعد أن فرض نفسه فرضاً عليهم، وليس بسبب أنهم خططوا لذلك!
- مع احترامنا وتقديرنا الكبير لجهاد ودور الدولة العثمانية- ومع تأكيد أننا لا نراجع قرارات الدولة العثمانية وتوجهاتها لكن نوجه لها اقتراحات أخرى بأثر رجعي وكأن ذلك ممكنا الآن!! ومع ادراك ان ظروف نشأة كل دولة متميزة عن غيرها وتطبعها بطابعها، فتجد نقاط قوة ونقاط ضعف مختلطة في كل حالة، إلا أننا نشير لدروس أساسية للمستقبل (ولاستجلاء النموذج النظري الصحيح للدولة الاسلامية) وهي أساساً- من وجهة نظري- الاهتمام بالفتوحات العسكرية وبالطابع العسكري للدولة بشكل غير متوازن مع الجوانب الحضارية الأخرى وعلى رأسها الأمور العلمية الفقهية والأوضاع الاقتصادية والتكنولوجية المدنية (أي غير المتصلة بالعمل العسكري مباشرة). فسنجد ان التجربة العثمانية لم تقدم لنا علماء شرعيين ولا فقهاء من الطراز الأول، بقدر ما قدمت نماذج جهادية وصوفية بالمعنى الايجابي للصوفية المجاهدة، وهي شبيهة بالحركات الصوفية السودانية والأفريقية التي ارتبطت بالجهاد وضد الغزاة الغربيين، وبنشر الاسلام. وحتى في مجال العلوم الطبيعية فيبدو أن العثمانيين اهتموا أكثر بالعلوم التي تفيد العمل العسكري- لذلك فهم أول من استخدم البارود على نطاق واسع، وأول من أنتج المدفعية الثقيلة بعيدة المدى على سبيل المثال.
طبعا كان العثمانيين على علم ودراية كافية بالشرع الاسلامي، ولكن لم تنمو في كنفهم مراكز علمية كتلك التي في العراق والشام ومصر والحجاز وتونس. كانت الدولتان الآموية والعباسية أكثر توازناً، وان اتفق الجمع على خطأ خطير آخر وهو نظام توريث الأبناء وهو نظام وإن كان سائداً في العالم في ذلك الوقت إلا انه غير اسلامي بالقطع.
ولكن في المقابل كان العثمانيون عسكريين من الطراز الأول لا يشق لهم غبار، وقد خدموا الاسلام كثيرا بروحهم الجهادية وبنشر الاسلام، وصد الحملات الصليبية طوال وجود دولتهم، وكما أن كل إنسان ميسر لما خلق له، فيبدو أن الأمم والدول كذلك.
ونعود إلى مصر (قلب المستطيل)، فقد أضر العثمانيون بمصر وبالاسلام عندما سمحوا بتمدد المماليك من جديد. وقد تحدثنا في هذه الدراسة عن إيجابيات العهد المملوكي ولكنهم في هذه المرحلة كانوا في حالة اضمحلال وفساد ومضارهم أكثر من فوائدهم. وهذا ما أصاب البلاد بحالة من الجمود في القرون 16، 17، 18، وهم باستبقاء المماليك استبعدوا فكرة تأسيس فرع للجيش العثماني من المصريين، كانت انجازات العثمانيين في أوروبا وتحولهم إلى القوة العسكرية الأولى فيها، تعمي أبصارهم عن الاهتمام بهذه الخزانات الاسلامية العظيمة للبشر في المشرق. وإن كنا سنقرأ فيما بعد عن انخراط بعض المصريين في الجيش العثماني ودخولهم الكليات العسكرية في استانبول ولكن ليس في إطار مخطط كامل أو بأعداد مقدرة.
ظهرت في هذه المرحلة البروفة الأولى لتجربة محمد علي، حيث قام حاكم مصر علي بك الكبير بمحاولة جادة للاستقلال عن الدولة العثمانية وتأسيس دولة مستقلة في مصر والشام، ولكنه تعرض لخيانة نائبه محمد أبو الدهب الذي تواصل مع العثمانيين وقتله على أمل أن يحل محله. كانت تجربة قصيرة أجهضت سريعاً ولكنها أرسلت انذاراً بأن هذه البلاد يوجد بها فراغ أمني وسياسي وان تجربة على بك الكبير معرضة للتكرار ولكن احداً لم يتلق في الآستانة هذا الانذار بشكل جدي خاصة بعد أن تم تطويق المحاولة وإنهائها، إلى ان جاء محمد علي!!
العثمانيون يطردون اليهود من سيناء:
في أواخر القرن السادس عشر شهدت أرض سيناء محاولة مبكرة لليهود للاستيطان فيها وشهدت أيضا يقظة عثمانية مبكرة قبل 3 قرون من يقظة السلطان عبد الحميد الثاني تجاه أطماع هيرتزل الصهيونية. قد تسللت أعداد قليلة من اليهود بقيادة شخص يدعى (ابراهام)، إلى سيناء في منطقة جبل الطور تحديداً، وهو الجبل الذي تحدث فيه موسى إلى الله سبحانه وتعالى، واعتبروا أن هذه منطقة مقدسة لليهود كما انها تقع على موقع استراتيجي على البحر الأحمر، واستهدفوا الاستيطان فيها، وكانوا يفكرون كخطوة تالية في مد طريق إلى البحر المتوسط مع استدعاء المزيد من اليهود من أماكن مختلفة من العالم: وقد تنبهت الدولة العثمانية لهذا المخطط، ورغم قلة عدد المشاركين فيه إلا أنها قررت طردههم جميعا من سيناء ومن كل الأراضي العثمانية.
وهذه أيضا من بركات العثمانيين..

الفصل الثالث والعشرون
الحملة الفرنسية على مصر لاحتلال المستطيل وإقامة دولة يهودية في فلسطين

بعودة الآذان خرج الأتراك للشوارع يبكون ويسجدون لله

السلطان سليم يقترح العربية لغة للبلاد وشيخ الاسلام يرفض!
العثمانيون يقيمون الآذان على أساس المقامات الموسيقية


من النقاط الأساسية التي تهاجم بها الدولة العثمانية أنها غلبت اللغة التركية على اللغة العربية وأنها قامت بحملة تتريك، وهو ما أدى إلى إضعاف اللغة العربية ومن ثم الدين الاسلامي الذي يقوم على اللغة العربية وأنها غلبت العنصرية التركية على الاسلام.
ولابد من وقفة مع موقف العثمانيين من اللغة العربية فهي ممسألة عقيدة، مسألة تكشف مدى إخلاصهم للاسلام. ولابد من استكشاف موقفهم الحقيقي بانصاف تام في هذه القضية الحساسة والمحورية.
لا يمكن انكار حقيقة أن الدولة العثمانية جعلت اللغة التركية هي اللغة الرسمية في مجال الادارة والحكم والمكاتبات الادارية والأراشيف ولم يكن من المطلوب القضاء على اللغة التركية للتأكيد على الارتباط بالاسلام. وكثيراً ما لا ينتبه الأخوة إلى الآية القرآنية الكريمة التي ترفع من شأن كل اللغات (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) الروم (22)
فجعل الله جل شأنه اختلاف الألسن مساوياً لخلق السموات والأرض، وان هذا الاختلاف من آيات الله، وبالتالي لا يدعو إلى توحد الناس في لغة واحدة حتى وان كانت لغة القرآن ولا يذم تعدد اللغات، وإن كانت اللغة العربية لغة العبادة والفقه ولكن ذلك لا يلغي اللغات الأخرى، فهذا ضد سنن الله في خلقه ولذلك لا ينجح المستبد في محو لغة الأقلية. لاحظ مثلاً كيف بذل حكام ايران والعراق وتركيا وسورياعبر التاريخ من جهد لمحو اللغة الكردية، وكان الحديث باللغة الكردية جريمة في سوريا مثلاً، ولكن بمجرد ركوب الأكراد اتوبيسات السفر في مناطقهم حتى ينطلقوا لا يتحدثون إلا بالكردية، والحكمة في أهمية اللغات انها أوعية لحفظ المعرفة والثقافة وخبرات البشر وتاريخ الأمم.
والواقع أن العثمانيين تعاملوا مع اللغة العربية كلغة للعبادة والفقه بل وأكثر من ذلك، فاللغة العربية تعلم في المدارس مع اللغة التركية، بل يتم تعليم العربية للمجندين الأوروبيين في المعسكرات التي تعدهم للجيش (الانكشارية) أو للادارة المدنية. وبالتالي لا يوجد مسئول أو موظف عثماني لا يعرف اللغة العربية. النقطة التي يجب أن تثار هي أن تركيا أصبحت مقراً للخلافة الاسلامية، ولابد أن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية الأولى مع التركية ويمكن أن تصدر الوثائق والمكاتبات الرسمية باللغتين وهذا أمر عسير بطبيعة الحال، لذلك لابد أن تتقدم العربية بخطوات على التركية ولكن العكس هو الذي حدث وهو تقدم اللغة التركية على العربية، ولكن هذا لم يعني تجاهل أو إضعاف اللغة العربية تماماً خاصة بعد ضم البلاد العربية للدولة العثمانية.
السلطان عبد الحميد الثاني شخصية فذة ومحترمة فقد كانت له محاولات جادة لانقاذ الدولة العثمانية من السقوط، وقام بانجازات مقدرة في مواجهة فترة الانحدار والافول، أي انه كان يسبح ضد التيار، وكان يحقق أشياء مهمة فعلا على أرض الواقع. ولكن الحقائق على الأرض كانت أقوى منه، وقد ترسخت قبل اعتلائه العرش. وتم عزله في 1908 من قبل الاتحاد والترقي وسجنه في 1909 في سالونيك باليونان. السلطان عبد الحميد وسنعود إليه مراراً كان حكيما وباعتباره آخر السلاطين المحترمين هو أقدر الناس على تقييم التجربة العثمانية، وهو في مذكراته قال الكثير من الأراء القيمة. فقد أدرك- متاخراً طبعا- ضرورة تعريب الدولة وجعل العربية لغة رسمية للدولة، وان ذلك كان لابد أن يحدث منذ زمن بعيد، وكان من شأنه (أن يزيد ارتباطنا بالعرب).
ويروي المؤرخون رواية مذهلة في هذا الصدد تقول: ان سليم الأول عندما عاد من القاهرة، أي بعد ضم الشام ومصر وأراضي المستطيل للدولة العثمانية/ طلب أن تكون اللغة الرسمية للدولة هي العربية وهي رؤية سديدة وثاقبة. والطريف بل والمحزن أن الذي رفض ذلك وعارضه هو شيخ الاسلام (التركي)!! وردد آخرون أن العربية هي للقرآن فحسب! وتم طوي هذا الرأي المهم 4 قرون!! (من 1518- 1924).
ولكن من الانصاف أن نوضح مدى اهتمام الدولة العثمانية باللغة العربية، ولابد من الاشارة أولاً إلى أصالة السلاجقة الأتراك (الذين انبثقت منهم الدولة العثمانية) والذين اختاروا الحرف العربي في كتابة اللغة التركية بعد دخولهم الاسلام وتركوا لغتهم القديمة، وهذا ما ورثه وأخذ به العثمانيون (الحرف العربي للغة التركية) وهذا يذكرنا بجريمة مصطفى كمال أتاتورك الذي ألغى الحرف العربي وأدخل الحرف اللاتيني الذي لا تزال تكتب به اللغة التركية الآن أي منذ قرابة قرن من الزمان. وهذا أدى إلى فقدان التراث الكامل للدولة العثمانية لأنه مكتوب بالحرف العربي، وهي لغة لا يفهمها الأتراك الحاليون عدا مجموعة ضئيلة من الخبراء، وهذا يعطل قراءة وترجمة والاطلاع على ملايين الوثائق العثمانية.
(الثورة الشيوعية في روسيا قامت بشئ من هذا القبيل باستحداث لغة روسية جديدة وهذا أمر خطير يؤثر على ذاكرة الأمة). ومن المفترض أن يكون هناك سعي علمي مدروس لعودة اللغة التركية إلى الحرف العربي، لأن هذا يساعد أيضا على تواصل الأتراك مع اللغة العربية.
الدولة العثمانية جعلت اللغة العربية لغة رسمية ولكن بعد التركية. ولكن ظل السلاطين والمسئولون العثمانيون متعلقين باللغة العربية من زاوية حبهم للاسلام،واهتموا كثيراً بالخط العربي حتى أصبح أعظم الخطاطين المسلمين من الأتراك، وظهر ما يسمى (الرسم العثماني) ويتصور البعض أن ذلك نسبة إلى سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه على أساس نسخة القرآن التي جمعها ووزعها على الأمصار، ولكن المقصود بالرسم العثماني: أسلوب معين في الخط العربي يتقنه الخطاطون العثمانيون. وأصبحت الدولة تهتم بتدريس علم الخط العربي، ووصل الخطاط العثماني إلى مرتبة وزير!! وكان بعض السلاطين يتعلمون الخط العربي على يد الخطاطين. وتروي كتب التاريخ أن السلطان العثماني كان يحمل المحبرة للخطاط الشهير الحافظ عثمان، والذي كان يعلمه الخط العربي داخل القصر. فقد كان قصر السلطنة يستقطب داخله أشهر الخطاطين.
ومنذ تأسيس الدولة العثمانية أصبح تأليف الكتب باللغة العربية فهي لغة العلم والمعرفة، وصدرت باللغة العربية الكتب التي تتناول العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية على حد سواء، ولذلك كانت الأمور العلمية كلها من اللغة العربية. ولا ينتبه كثير من المثقفين حين يحملون على سياسة التتريك، في اطار عدائهم للدولة العثمانية، لا ينتبهون وربما يغفلون عن عمد انها كانت سياسة الاتحاد والترقي وهو الحزب العلماني الذي استولى على الحكم في 1908- 1909 وإن كان لم يلغ الخلافة الاسلامية رسمياً إلا في عام 1924. وأن سياسة التتريك ، أي تعميم اللغة التركية على حساب العربية كان في إطار التعصب القومي التركي وفي محاولة لتحويل الخلافة إلى امبراطورية علمانية، وهو الأمر الذي لم يسمح به الغرب الذي كان يعد لافتراس المنطقة العربية برمتها خاصة في المستطيل من خلال سايكس- بيكو كما سنوضح تفصيلاً إن شاء الله.
ومن آيات حب الدولة والسلاطين العثمانيين للغة العربية باعتبارها لغة القرآن، هذا الاهتمام غير المسبوق بالآذان وهو اهتمام لا يمكن أن تسمع به إلا في تركيا. فهم يرفعون الآذان في المساجد على أساس المقامات الموسيقية، فيستخدمون المقام المناسب لكل آذان ولعل هذا سبب المثل المصري المشهور (كل وقت وله آذان). فيستخدمون مقام الصبا في آذان الفجر ومقام العشاق في آذان الظهر ومقام الرصد في آذان العصر لأنه يتناسب مع عنفوان الحياة في ذلك الوقت. طبعا هم لا يستخدمون الآلات الموسيقية، ولكن يعتمدون على الصوت الجميل للمؤذن. وأنت إذا سمعت هذه الآذانات لا تملك نفسك من التأثر والبكاء.
وهذه الأمور لا مزاح فيها فقد أقيمت المدارس والدورات لتعليم الآذان في المساجد، وتعليم الأناشيد والتواشيح الدينية باللغة العربية.
السلاطين العثمانيون- كما يحتضنون الخطاطين- فإنهم ينزلون المؤذنين منزلة عالية، بل أقاموا مؤسسة للآذان داخل قصور السلاطين. إنهم صنف عجيب من البشر، انهم يستمتعون بكل مظاهر الايمان وكأنها متع دنيوية. وداخل قصر السلطنة يوجد آذان باشا، وهو كبير المؤذنين، فمن فعل ذلك من حكام المسلمين؟! (هل تذكرون المحاولة اللئيمة للآذان الالكتروني الموحد في عهد مبارك).
ولكن منظومة تعليم الآذان لا تقتصر على قصور السلاطين بل تمتد كما ذكرنا في كثير من المساجد، ولكن في القصور اسمه (سرايا تعويل)! أي آذان السرايا.
ولابد من توافر شروط عديدة في المؤذن وهم يعدونه وكأنه سيصبح عالماً شرعيا، فهو يتمتع بالعلم والصوت الجميل والقوي، واتقان المقامات (صبا- حجاز..الخ) ويحصل على دروس في الموسيقى ويتلقى دورات خاصة مع الدعاة رغم أنه لن يكون سوى مؤذن كما يجب أن يتصف بالعفة والصلاح الديني. وتم تخصيص أوقاف خاصة للمؤذنين. وكان العثمانيون يختارون مؤذناً جميلاً في صوته في مناطق التماس مع الروم والبيزنطيين للتأثير عليهم.
وفي عهد أتاتورك المجرم أصدر قراراً عام 1931 بمنع الآذان باللغة العربية وتمت ترجمة كلمات الآذان إلى اللغة التركية (وقد استمعت لتسجيل للآذان باللغة التركية وشعرت بغيظ شديد)، وكان الآذان باللغة العربية جريمة يعاقب عليها بالصعق والسجن والضرب والايداع في المستشفيات العقلية، ومن القصص المؤثرة أن احد المؤذنين في طرابزون أصر على الآذان باللغة العربية، وكان العسكر يأتون للقبض عليه ويبحثون عنه في كل مكان، ولكنه كان يهرب وينام في غابة قريبة، حتى يخرجوا من المنطقة، فيعود ليؤذن باللغة العربية. وسبحان الله. نوع جديد من حرب العصابات والمقاومة الشعبية!
في عام 1950 جاء رئيس جديد بالانتخابات: عدنان مندريس وكان من أول قراراته عودة الآذان باللغة العربية. وعندما سمعه الناس خرجوا للشوارع يبكون ويسجدون لله شكراً. وظنوا أن الاسلام قد عاد من جديد . وعادت نفس التقاليد القديمة للآذان.
وأنا أروي هذه القصص لتوضيح عمق ارتباط الأتراك بالاسلام واللغة العربي وهذا فضل يعود أيضا للدولة العثمانية. وأيضا فإن مسألة اللغة العربية وثيقة الصلة بالمستطيل القرآني لأن كله عربي، ومن باب أولى فهي مسألة وثيقة بالاسلام وقد تناولت ذلك من قبل في فصل خاص عن اللغة العربية.
الحملة الفرنسية على مصر وهي ولاية عثمانية:
ذكرنا أن الدولة العثمانية بدأت مرحلة التراجع والانحدار عام 1774 أي في آواخر القرن 18، وبالفعل فإنه في عام 1798 بدأت الحملة الفرنسية لنابليون بونابرت على مصر. وهذه الحملة تضعنا على مفارق عدة طرق.. فهي:
(1) من علامات التراجع العثماني. (2) بداية الغزو الغربي الجديد للمستطيل (الشرق الأوسط). (3) الصراع الفرنسي- الانجليزي على المستطيل. (4) نهاية الحالة المملوكية في مصر. (5) ظهور المد الشعبي في مصر. (6) مقدمات ظهور محمد على واستقلالية عصر. (7) المشروع اليهودي في فلسطين.
كنا إذاً على كل هذه المفارق للطرق وكنا في بداية مرحلة تاريخية عالمية جديدة، وكل هذه العناصر تفاعلت داخل مصر وداخل المستطيل.
كانت الدولة العثمانية تتلقى الضربات في أوروبا، وبدأت روسيا تدخل في الصراع ضدها وبدأت ملامح الثورة الصناعية في أوروبا وتطلع القوتين الأكبر (فرنسا-انجلترا) للسيادة على العالم ووراثة الدولة العثمانية في مركز العالم (الشرق الأوسط- المستطيل).
الحملة الفرنسية كانت اول هجوم صليبي على ولاية عثمانية اسلامية بل على أهم ولاية في الشرق الأوسط مصر ثم الشام، وكان هذا مؤشر على الصعود الأوروبي والتراجع العثماني.
كانت الثورة الفرنسية قد جعلت فرنسا متقدمة عن باقي دول البر الأوروبي التي كانت ما تزال تعاني من أدران الاقطاع المتخلف، في حين بدأت فرنسا خطواتها الأولى نحو النظام الرأسمالي وبداية الاهتمام بالعلم والصناعة والتكنولوجيا وكذلك كانت انجلترا، ولكنها كانت محبوسة داخل الجزر البريطانية، ولكنها سبقت فرنسا بعد ذلك.
كانت أهداف الحملة الفرنسية واضحة: (1) الحصول على قصب السبق في مركز العالم وإقامة امبراطورية فرنسية في الشرق (مصر والشام). (2) قطع طريقبريطانيا إلى مستعمراتها الأساسية في الهند، وتحويل بريطانيا هكذا إلى دولة من الدرجة الثانية أو وضعها على الأقل في المرتبة الثانية بعد فرنسا. (3) إقامة دولة يهودية حليفة في فلسطين، وقد عقد نابليون اتفاقاً مع اليهود على توطينهم في فلسطين باعتبارهم الورثة الشرعيين لهذا البلد، وأصدر بيانا وتعهداً بذلك رغم ان اليهود كانوا غير موجودين إطلاقا ً في فلسطين على أساس انه سيحتلها أولاً- بعد مصر- ويستقدمهم، وهو المشروع الذي دفن بسبب فشل الحملة الفرنسية وعجزها عن احتلال فلسطين ولا حتى البقاء في مصر. ومن العبارات الموحية انني قرأت يوماً لأحد المؤرخين: ان نابليون بونابرت جاء يبحث عن مفاتيح القدس في القاهرة.
(4) السيطرة على الثروات الاقتصادية المصرية. ولنابليون بونابرت قائد الحملة الفرنسية أقوال مهمة في هذا الصدد، فقد تحدث عن أن مصر هي "أهراءات العالم والغنية بالثروات".. وكانت سمعة مصر عالمية حيث كان معروفاً عنها انها مزرعة القمح للامبراطورية الرومانية. وفي تلك الفترة التي كانت تعتبر فترة انحطاط عام واقتصادي في مصر، تروي كتب التاريخ كيف كان ميناء بولاق توجد به على الأرصفة تلال الحبوب والغلال والمنتجات الزراعية في العراء بدون حراسة. أي خير وفير وأمن عميم!
وهذا الكلام مهم، فمنذ دخلنا في عهد التبعية لأمريكا واسرائيل منذ أكثر من ثلاثة عقود وفي ظل كامب ديفيد، والمسئولون المصريون والاعلام المصري لا يفتأوا يتحدثون عن موارد مصر المحدودة وفقر الامكانيات، حتى أصبحت هذه الكلمة مضغة في الأفواه يرددها الجميع وكأنها حقائق دامغة، وما ذلك إلا لتبرير مد اليد للأجانب والأعداء والحصول على المعونات والقروض وحتى أصبحت مصر المستورد الأول للقمح الأمريكي والمستورد الخامس للذرة الأمريكية. وعندما كنت في مجلس الشعب (1987- 1990) كانت المعارضة تستجوب يوسف والي وزير الزراعة (وأمين الحزب الوطني والنائب الأول لرئيس الوزراء) عن فشله الزراعي خاصة في عدم تحقيق نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي في انتاج القمح، وعندما عجز عن الرد في هذه النقطة، تدخل الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب (والمفروض انه استاذ اقتصاد) ليقول وكأنه ينطق بالحكمة (على فكرة يجب ان نضع في حسباننا دائماً أم مصر لا تقع في حزام القمح)!!
وهذا كلام فارغ تاريخيا كما أوضحت في كلام نابليون (أهراءات أي مخازن القمح والحبوب). ومن قبل تموين الامبراطورية الرومانية بالقمح، ومن قبل قصة سيدنا يوسف في القرآن الكريم.
بل وأكثر من ذلك فقد برهن العلم الحديث ان من رحمة الله وفضله فإن القمح تحديداً صالح للزراعة في مختلف أنواع الأرض والمناخ!
(5) شق قناة السويس: وهذا مشروع مشتق من هدف قطع الطريق على بريطانيا في اتجاه الهند، واستخدام هذا الشريان الحيوي (قناة السويس) لخدمة المصالح الفرنسية. وهذا ما يؤكد أن اكتشاف (أو ما يسمى اكتشاف) رأس الرجاء الصالح لم يكن ليكون بديلاً عمليا عن قناة السويس (أو طريق الشرق الأوسط) لأنه أطول وبالتالي أكثر كلفة. وسنتحدث عن مشروع قناة السويس عبر التاريخ عندما نصل إلى عهدي سعيد واسماعيل ولكن الآن نكتفي بالتالي: كان الملك الفرنسي لويس الرابع عشر يرى ضرورة احتلال مصر أولاً لشق قناة السويس. وكانت هناك دراسة حول هذا المشروع ووقعت الدراسة في يد نابليون بونابرت، وكان معه في الحملة على مصر مهندسون متخصصون في هذا الشأن، وقد سافرت البعثة الهندسية إلى منطقة قناة السويس في نفس عام وصول الحملة إلى مصر واستمرت بين 24 ديسمبر 1798 و6 يناير 1799، ووقع المهندسون الفرنسيون في خطأ علمي عندما تصوروا أن البحر الأحمر أعلى من البحر المتوسط ب 6 أمتار وأن شق قناة موصلة بين البحرين سيؤدي إلى إغراق المنطقة بالمياه. ومن الواضح أن نظرية الأواني المستطرقة لم يكن العلم قد توصل إليها بعد، وهي نظرية تنفي هذا الاحتمال نهائياً لأنها تتحدث عن تساوي مستوى المياه إذا كانت منفتحة على بعضها البعض، والبحر الأحمر متصل بالبحر الأبيض المتوسط ولكن عبر المحيط الأطلنطي ثم عبر بحر العرب (وهو جزء من المحيط الهندي) وبالتالي فإن كل البحار والمحيطات على مستوى واحد اللهم إلا البحار المغلقة (مثل بحر قزوين). وتم العدول عن المشروع.
وقناة السويس لا تولد أهمية المستطيل (الشرق الأوسط) بالعكس فإن موقع المستطيل هو الذي يعطي كل هذه الأهمية العالمية لقناة السوويس، بدليل ان المستطيل الأوسط كان له كل هذه الأهمية منذ فجر التاريخ قبل حفر هذه القناة. فقد كانت البضائع تنقل براً من موانئ البحر المتوسط إلى السويس أو العكس بين الشرق والغرب ونفس الشئ بين موانئ الشام والخليج العربي. كذلك فقد شهد التاريخ منذ القدماء المصريين حفر قناة بين النيل والبحر الأحمر كوسيلة أخرى لنقل البضائع بينالبحرين عبر النيل، وإن كان النيل لا يحتمل السفن الكبيرة التي تمخر عباب البحار. فإما أن تكون السفن الصغيرة أو طريقة لنقل البضائع عب سفن نيلية كبديل للطريق البري وربما يكون ذلك أسهل وأكثر أمنا. كانت القناة تعرف باسم قناة سنوسرت عند أقرب نقطة بين النيل والبحر الأحمر (غالباً عند قنا) وفي عهد عمرو بن العاص عرفت باسم قناة أمير المؤمنين. كانت هذه القناة تعمل وتزدهر في عصور الازدهار ثم تندثر في عصور التراجع والانحطاط لأنها مرتبطة بكثافة التجارة وكذلك حسن صيانة وتطهير مجرى القناة.
انهزام المماليك أمام الفرنسيين:
كادت في مصر أن تنعدم أي قوات عثمانية وربما كانت قليلة للغاية، ذلك أن كتب التاريخ لا تتحدث إلا عن تصدي المماليك لقوات الجيش الفرنسي، وحتى أن نابليون قال في بياناته: انه جاء لمصر لتخليص الشعب المصري من ظلم المماليك. وقد أظهرت الحملة الفرنسية حالة التخلف العلمي والحضاري في مصر في ظل السيطرة المملوكية والاهمال العثماني، وظهرت الفجوة التكنولوجية كبيرة. إذ تصور المماليك انهم يمكن أن يمنعوا الأسطول الفرنسي من دخول مصر بوضع سلاسل حديدية على احد فروع النيل، وهي السلاسل التي لم تصمد بطبيعة الحال.
أما في موقعة شبراخيت والأهرام فقد هُزم المماليك خلال ساعة واحدة حسب أحد الروايات. وكان نفوذ المماليك ينقسم بين مراد بك وابراهيم بك، فهرب أحدهم للشام والتحق بالعثمانيين، وهرب الآخر إلى الصعيد وحاول تنظيم نوع من المقاومة الشعبية هناك (مراد بك). كذلك فإن روح الجهاد دبت في الأمة وأشعلت المقاومة وردمت الفجوة التكنولوجية ولم يعرف الفرنسيون طعم الراحة في مصر على مدار 3 سنوات

 الفصل الرابع والعشرون
حروب السنة والشيعة 4 قرون: لم ينجح أحد!
 << حروب العثمانيين- الصفويين كانت لصالح انجلترا وروسيا
<< السلطان عبد الحميد: عدم التفاهم مع ايران يدعو للأسف
<< العلاقات العثمانية- الصفوية تحسنت بعد خراب مالطة


 

بينما كان دخول العثمانيين سهلاً وميسوراً في مصر والشام ومع إعلان الحجاز التقليدي الولاء للمنتصر إلا ان الأمر في العراق لم يكن مستقراً، فمنذ بدايات القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر، اي قرابة 4 قرون كان العراق أشبه بساحة المنافسة والصراع والصدام بين الدولتين العثمانية والصفوية الشيعية. ونحن أمام حالة نموذجية لكيف ينعكس الماضي على الحاضر بقوة، فالوضع الراهن في العراق في العقود الأخيرة هو انعكاس مباشر لهذا التاريخ. وهذه اهمية دراسة هذا الموضوع لنأخذ منه العبر في محاولة لتجاوز أخطاء الماضي.

كانت الدولة الصفوية هي الحد الشرقي لحدود الدولة العثمانية، والصراع معها كان له دور كبير في عددم انسياح نفوذ العثمانيين شرقاً إلى وسط آسيا والهند حتى أقاصي الشرق الذي دخل جزء منه في الاسلام قبل قيام الدولة العثمانية، وهو في أغلبه سني المذهب!

الملمح البارز للنزاع أنه كان عنيفا من الطرفين، وأن الدولة العثمانية باعتبارها الطرف الأكبر والأقوى كان يمكن أن تقود النزاع إلى حالة أقل حدة، ولكن مما يلفت النظر أن علاقة العثمانيين مع الأوربيين كانت أكثر تسامحاً وأقل حدة خاصة في مجال التعامل مع المواطنين. وهذه عموما طبيعة الصراع  بين المتشابهين، فالصراعات تكون أكثر حدة أحيانا بين دولتين أو فصيلين يحملون نفس الشعار، وبالتالي فإن كل طرف يكون حريصاً على أن يكون هو المعبر الصحيح والحقيقي عن الشعار. على سبيل المثال وجدنا حرباً وصراعاً خطيراً بين الاتحاد السوفيتي والصين لأن الطرفين كانا يتنافسان على تمثيل الشيوعية. وكذلك بين الصين وفيتنام حيث قامت بينهما حرب طاحنة. ورأينا كيف قامت أعتى حروب العالم (الحربان العالميتان الأولى والثانية) بين فريقين من مذهب واحد: الرأسمالية- العلمانية.

كانت الدولة العثمانية ترى- وهي على حق من وجهة نظرنا- أنها هي الممثل الصحيح للاسلام، وليس الدولة الصفوية الشيعية وبالأخص في مسألة التعرض لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا الموقف دفعها لموقف استئصالي عسكري. في الصراع العثماني الصفوي نجد تطبيقاً مباشراً لمسألة ان الدولة العثمانية تنحو المنحى العسكري وأنها تغلب ما هو عسكري على ما هو دعوي, وإذا كان قد كان صعبا على العثمانيين الاستقرار على أرض ايران، مما يتيح المجال لتطوير العمل الدعوي، إلا انها استقرت نسبيا ولفترات معقولة في العراق، وكانت الفرصة متاحة لممارسة الجهود الدعوية، ولكن لا يبدو أن ذلك قد حدث بصورة معقولة أو ملائمة، والمحصلة النهائية للصراع الذي استمر قرابة 4 قرون، لم يكن في صالح السنة، وهي مدة كافية للتقييم. فعندما انهارت الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين، وقام الانجليز باحتلال العراق كانت النسبة المئوية للسكان 60% شيعة وفي بعض التقديرات 65% و40% سنة أو 35% وهي نسبة لا تزال مستمرة حتى الآن، حيث أن معدل التناسل متساوي أو متقارب بين الطرفين. ولكن هناك مشكلة أكبر، أن نصف السنة أكراد، وهم كانوا ولا يزالوا على الأغلب يميلون للعلمانية وبالتالي فإن عدد السنة الحقيقي يدور حول 17- 20% من السكان، وهم لذلك لا يمكن أن يفوزوا في الانتخابات بالأغلبية خاصة في ظل أي استقطاب طائفي. ولكن قبل أن نتحدث عن مشكلات اليوم وسناتي إليها (إذا اراد الله سبحانه وتعالى). لنبقى في جذور المشكلة في الماضي. كيف تطورت الأمور منذ البداية.

- في بدايات القرن 16 ومع دخول المستطيل استولى العثمانيون على معظم أراضي العراق وبعض أراضي ايران.

- في اواخر القرن 16 عقد الشاه عباس الكبير الصفوي صلحا مع العثمانيين تعهد فيه بعدم سب الخلفاء الراشدين في أرض مملكته، وتنازل عن بعض الأراضي للعثمانيين، بل بعث بابن عمه حيدر ميرزا رهينة إلى استانبول لضمان تنفيذ الاتفاق. كان ذلك عام 1585.

- واضح أن الشاه عباس فعل ذلك لمجرد احساسه بالضعف، لذلك في اوائل القرن السابع عشر قام بهجوم مضاد وعاد وانتزع تبريز و وان في ايران ثم تقدم واحتل بغداد والنجف  وكربلاء والكوفة، وقام بنفسه بزيارة النجف حيث قبر سيدنا على بن أبي طالب رضى الله عنه.

- بعد عدة سنوات وفي عام 1634 قام السلطان مراد الرابع العثماني باستعادة بغداد.

- بعد ذلك استعاد العثمانيون تبريز وهمدان ولورستان في ايران

- في عام 1731 تخلى العثمانيون عن هذه المدن والمناطق الايرانية.

وهكذا كانت العجلة تدور طوال قرون: سيطرة عثمانية على العراق وغرب ايران تعقبها سيطرة الصفويين على كل ايران ومعظم العراق أي استمرار تبادل السيطرة. وهذا يعني أن العثمانيين لم يفلحوا في فترات سيطرتهم على العراق أن يدعموا أركان المذهب السني في البلاد بين صفوف الشعب من خلال العمل الدعوي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الصفويين استخدموا العنف لتشييع ايران عندما اعلن اسماعيل الصفوي الالتزام بالمذهب الشيعي عام 1501 أي ترافق ذلك مع قرب دخول العثمانيين للمنطقة (1016) وقد أقام الصفويين دولة قوية ضمت أفغانستان وباكستان وأذربيجان وأرمينيا والعراق وأجزاء من سوريا والأناضول.

استخدم الصفويين محاكم التفتيش ضد أتباع المذهب السني وحظروا وحرقوا مساجدهم وأنزلوا عليهم عقوبات السجن والاعدام. ولعل من آثار ذلك أن الخريطة المذهبية لايران حاليا توضح أن الفرس في وسط البلاد هم أغلب الشيعة وأن معظم السنة من غير الفرس.

والوضع الحالي أن السنة 15% من السكان أي حوالي 10 ملايين وهذا احصاء قديم ولا شك أن الأعداد وربما النسبة أكبر من ذلك الآن. ولكن من خصائص هذه المنطقة هو حالة الفسيفساء العرقي والمذهبي والديني، فمثلا الصفويين الذين ثبتوا الشيعة بين الفرس ليسوا فرساً بل أتراك وكانوا يتحدثون في البداية اللغة التركية!! والشئ بالشئ يذكر فقد حكم ايران قبل أسرة الشاه بهلوي في أواخر القرن 19 الفاجار وهي أسرة تركية!!

يقول حكام ايران الحاليون أن الدولة الصفوية نعم كانت شيعية ولكنها كانت أقرب للدولة العلمانية. وأن الدولة التي أسسها آية الله خميني هي أول دولة على أساس ديني شيعي، وفي حدود قراءاتي من مراجع شتى فإن الصفويين أعلنوا انهم ينتسبون إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من خلال نسل على بن أبي طالب، وهو أمر أحرج العلماء لأنه لم يكن هناك سند حقيقي لذلك. الصفويون كانوا يفتقرون لعلماء الشيعة. فإيران كانت عادة معقل السنة، وهذه حقائق يجب معرفتها لندرك أن تقلب البلاد بين المذاهب حدث مراراً وليس في ايران وحدها، مثلا في القران الرابع الهجري كانت أصفهان مركز أهل السنة وكانت كذلك معظم بلاد فارس. بينما كان مركز الشيعة في العراق (الكوفة)! ومعروف أن الحركة العباسية التي أنشأت الدولة العباسيية نشأت بين الفرس أساساً، وأن معظم فقهاء السنة وأئمة الحديث كانوا من البلاد الفارسية أو المرتبطة بها: النيسابوري- البخاري- الترمزي- الرازي- الطبري- الغزالي- الخراساني- الشهرستاني- الكيلاني- الاستراباوي- الخوارزمي- الجرجاني- الأصفهاني...الخ

قلنا أن الصفويين كانوا يفتقرون إلى علماء الشيعة إلى حد انهم استوردوا علماء شيعة من جبل عامل (بجنوب لبنان) والبحرين (وهذا يوضح قدم الشيعة في البحرين) وجنوب العراق. وظل رجال الدين في العهد الصفوي مندمجين مع النظام، الذي كان يدفع لهم مرتباتهم ومكافآتهم ويطوعهم ليجعلهم تابعين له ومصدراً للحصول على الشرعية. (فيما بعد استقل رجال الدين عن السلطات من الناحية المالية عندما بدأوا يجمعون "الخمس" لحوزاتهم مباشرة).

- ومن الغرائب أن مدينة قم التي أصبحت مدينة متخصصة لاقامة علماء الدين ودراسة الدين على المذهب الشيعي، قد تم تأسيسها في العهد الصفوي كوسيلة للفصل بين الدين والسياسة، بحشد رجال الدين في مكان بعيد وسط الصحراء، ثم أصبحت المدينة رقم 2 في تدريس المذهب الشيعي بعد النجف.

في مقابل عنف الصفويين لتشييع الفرس وقع العثمانيون في أخطاء فادحة وارتكبوا احيانا ما أساء بشدة للسنة في بلاد فارس، من ذلك ما يقوله المؤرخ بجوى ابراهيم أفندي وهومؤرخ عثماني من أصل مجري، وهو مسلم ورع عمل عشرات السنين كموظف كبير في دوائر الدولة العثمانية، يقول في مذكراته المهمة في إطار الانتقاد والرفض ما قام به جعفر باشا قائد إحدى الحملات العثمانية على ايران عندما أمر بالقتل العام لأهالي تبريز حتى لقد وصل الأمر للتعرض للنساء، وقد استمر حكم جعفر باشا لتبريز 8 سنوات، وأعمل فيها كل أشكال الحرق والتدمير والاستباحة، وهذه أمور ما كان العثمانيون يقومون بها في غزواتهم عموماً حتى في البلاد الأوروبية.

كان للصدام المسلح المتواصل بين العثمانيين والصفويين أثر سيئ على قيمة إيرادات الدولة العثمانية من الطرق القديمة في الأناضول، حيث هبطت الايرادات بعد 1512 لإغلاق معظم الطرق التجارية القديمة لارتفاع مستوى الأخطار فيها وانخفض بشكل خاص إيراد العثمانيين من الحرير الفارسي.

وليست هذه هي المضار الاقتصادية الوحيدة. فلا شك أن استنزاف القوى في تعبئة الجيوش والمعارك كان أمراً مضراً بالطرفين.

ومن العجيب أن روسيا التي تقع شمال الدولتين العثمانية والصفوية، وبعد سقوط دولة القبيلة الذهبية التتارية المسلمة، وسيطرة الدولة الروسية القيصرية النصرانية، قد بدأت في شن هجمات على الدولتين، فمثلاً احتل بطرس الأكبر داغستان وسواحل بحر قزوين الغربية وكانت مناطق تابعة للصفويين، بينما واصل الروس هجومهم على الدولة العثمانية في مناطق البحر الأسود.

وهنا نرجع مرة أخرى للسلطان الحكيم عبد الحميد الثاني الذي ذكر بالنص في مذكراته ما يمكن اعتباره  تقييما اجمالياً لهذا الصراع الذي استمر 4 قرون، فقال: (عدم وجود تفاهم مع ايران أمر جدير بالتأسف عليه وإذا أردنا أن نفوت الفرصة على الانجليز وعلى الروس فإننا نرى فائدة تقارب اسلامي في هذا الأمر).

ولم يكن هذا مجرد حديث نظري فقد حاول في فترة حكمه التي امتدت من 1876- 1909 أن يقيم علاقات مختلفة مع ايران، حتى أن شاه ايران تبرع بـ 50 ألف ليرة عثمانية لبناء خط سكة حديد الشام- الحجاز الذي أقيم فعلاً وامتد بين دمشق والمدينة المنورة، وقد كان تبرع شاه ايران مساوياً لتبرع السلطان عبد الحميد للمشروع. أي ان العلاقات تحسنت بين البلدين بعد خراب مالطة، فالدولة العثمانية سقطت وإيران أصبحت تحت الاحتلال. وقبل ذلك بفترة طويلة أي قبل أكثر من قرن من زمان السلطان عبد الحميد وأثناء إحدى المعاهدات بين الطرفين ، اتفق الطرفين على السماح للايرانيين الشيعة بأداء فريضة الحج بصورة نظامية وآمنة وهو الأمر المستمر حتى الآن.

أشرنا إلى تأثير هذا الماضي القريب نسبياً على الخريطة المذهبية في كل من العراق وايران ولكن هناك أثراً ثالثاً خطيراً ومهماً من هذا الصراع على تركيا نفسها. فقد عانت الدولة العثمانية من الاضطراب والقلق في شرق الأناضول كحد شرقي لحدودها لعدة أسباب: ليس الصراع مع الصفويين فحسب بل مع الأرمن الذين نزح كثير منهم بعد نزاع مرير إلى الشرق، ولجأ بعضهم للصفويين وساهموا في بناء العاصمة الجديدة أصفهان، وكان الأرمن تكتل مسيحي في شرق الأناضول (الأرمن لهم كنيسة خاصة بهم لا كاثوليكية ولا أرثوذكسية) وقد أقام الأرمن أول دولة مسيحية في التاريخ (300 م).

وكانوا في شرق الأناضول يمثلون قلقاً وصداعاً للعثمانيين موازياً لكتلة البلقان في الغرب. واليوم يستغل الغرب ما يسمى "المذابح" العثمانية ضد الأرمن للتشهير بتركيا. والواضح أن الأرمن كانوا يقومون بانتفاضات مسلحة ضد الدولة العثمانية. كذلك فإن شرق الأناضول كان يحتوي على الأكراد، وقد لعب الأكراد دوراً مزدوجاً في الصراع العثماني- الصفوي حيث كانوا يبدلون ولاءهم بين الطرفين وقد عرضهم هذا للطحن من الجانبين.

والآن نرى أن مشكلة النظام التركي الكبرى هي في منطقة شرق الأناضول حيث يتركز قرابة 15 مليون كردي بل وحيث تركز قوى حزب العمال الكردستاني اليساري المسلح الساعي للاستقلال، وبالتالي فإن تركيا تدفع ثمن عدم ترتيب أوضاع شرق الأناضول الذي كان في أغلب الأحوال منطقة غير مستقرة بسبب الصراع المسلح مع الصفويين، أي لم يواصلوا نهج المؤسسين أرطغرل وعثمان عندما بدأت الدولة العثمانية في غرب الأناضول وكان البعد الدعوي قويا.

ذكرت من قبل انه مضيعة للوقت، منهج غير سليم أن نحاول إعادة هندسة التاريخ، فما كان قد كان، و لايمكن إعادة عقارب الساعة للوراء ونقول كان ينبغي فعل كذا وكذا بدلاً من كذا وكذا. المهم أن نستفيد بعبر الماضي. وأرى أن استمرار نزيف الصراع بين السنة والشيعة خطة غربية- أمريكية- صهيونية خبيثة لتدمير المستطيل الاسلامي منذ أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحالي. والمستطيل الاسلامي هو المرشح الوحيد كما ذكرنا ليكون قلب الدولة الاسلامية، ولا يمكن لهذه الدولة أن تقوم في خضم صراعات وفتن مسلحة لا تنتهي بين مكونات الشعوب. ولابد من إعادة ترتيب الأولويات وإدراك الدور الأمريكي- اليهودي في إذكاء لهيب هذه الصراعات. ولابد من الاستفادة من التجربة البائسة للصراع العثماني- الصفوي 4 قرون كاملة الذي لم يستفيد منه أحد الطرفين بل ساعد كما يقول السلطان عبد الحميد الروس والانجليز في غزو المنطقة. بل لقد برهنت الأيام بعد ذلك على دقة حديثه، فقد اقتسم الروس والانجليز الأراضي الايرانية عقب الحرب العالمية الثانية. احتل الانجليز العراق، واقتسموا مع فرنسا أراضي المستطيل العربي (سايكس بيكو)عقب الحرب العالمية الأولى، بينما تمدد النفوذ الروسي في شمال تركيا وحول البحر الأسود وفي دول شرق أوروبا التي كانت تابعة للدولة العثمانية بما في ذلك منطقة البلقان خلال الفترة الأخيرة من الدولة العثمانية وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

نحن نعتز برؤيتنا السنية ولكن خلافنا مع الفرق الشيعية يجب أن يتجنب العنف ونطالبهم بذات الموقف ولابد من وضع قواعد صارمة لممارسة الخلاف وهو يمس أمور تتصل بالعقيدة، ولابد من خلق رأي عام قوي في الطرفين لاقرار ذلك، خاصة ونحن الآن لدينا فضائيات وانترنت وإمكانية تجنب العنف أصبحت أكثر يسراً دون أن يتخلى أحد عن معتقداته.

أعلم أن بعض الشيعة (وأنا أقصد أساساً الاثنى عشرية) يكفرون السنة، وأن بعض السنة يكفرون الشيعة الاثنى عشرية. وقد أصدرنا عدداً خاصاً من مجلة منبر الشرق الفكرية لمناقشة هذا الموضوع من خلال أطروحات العلماء من الطرفين. نحن لا نستطيع أن نحجر على الأراء هنا وهناك، ولكن من واجبنا أن نضع قواعد صارمة لوقف ممارسة الخلاف بوسائل عنيفة، ووجود برنامج سياسي مشترك لمواجهة الغزو اليهودي- الصليبي على المسلمين هو أساس العلاج  حيث نتجه للخطر الرئيسي والتحدي الأكبر. وداخليا فإن الاحتكام للصندوق في الانتخابات النزيهة مهم جداً كبديل لاستخدام العنف للوصول إلى السلطة، أتحدث على المستوى العربي والاسلامي عموماً خاصة في البلاد ذات التعدد الطائفي.

الأهمية الاستراتيجية للأناضول:

تحدثنا كثيراً عن الأهمية الاستراتيجية للمستطيل القرآني (الشرق الأوسط) الذي يضم البلاد العربية والآسيوية + مصر، ولا يعني ذلك أنه لا توجد مواقع جغرافية ذات أهمية استراتيجية كبرى في مفاصل العالم. بل كل موقع عموما له أهميته في اقليمه كما توجد أهمية لكل مربع على رقعة الشطرنج وان لم ترتفع إلى مستوى المربع الأوسط. وكلما كان الموقع قريبا من المستطيل كان أكثر أهمية. ومن ذلك أو على رأس ذلك (هضبة الأناضول) وهي الجسم الأساسي لتركيا الحالية (القسم الآسيوي الذي يمثل قرابة 90% من تركيا)، فلهذه الهضبة المتسعة (زرتها وتجولت فيها كلها من استانبول حتى لواء الاسكندرونة عام 1970!!). "الأناضول" وهي تعني في اللغة اليونانية القديمة "الشرق". الأناضول لها نفس خصائص المستطيل القرآني من زاوية أنها حلقة الوصل بين الشرق والغرب، بين أوروبا وآسيا في المجالين التجاري والعسكري . فكانت خطوط التجارة البرية بين الشرق والغرب تمر بها رغم وعورة التضاريس بالمقارنة مع الشام والعراق ومصر، ولكنها هضبة منبسطة في كثير من مواضعها، بينما تتركز في جبال طاروس في مناطقها الجنوبية وهي الجبال التي تفصل بين بلاد العرب وتركيا. وكان أحد فروع طريق الحرير القادم من الصين يمر من خلالها. ولكن بقى النقل البحري عبر مصر والخليج العربي أكثر امنا وسهولة وويسراً. ولكن بدا أن طريق التجارة عبر الأناضول جيدة بالنسبة للبلاد الآسيوية الأقرب: بلاد فارس ووسط آسيا.

وهكذا بدت الأناضول عنق زجاجة موازي وملاصق للمستطيل القرآني، كما أن الأناضول مدخل مباشر للمستطيل نفسه للقادمين منها ومن أوروبا. المهم أن كثير من الغزوات التاريخية المتبادلة بين الفرس واليونان، ثم بين الفرس والرومان مرت عبر الأناضول، ولم تكن الأناضول منطقة فارغة كما يتصور البعض قبل مجئ  العثمانيين والأتراك إليها، ولكنها كانت عامرة بالحياة، ويتم تبادل السيطرة عليها بين الشرق والغرب ولم تكن مجرد ممر. فأحيانا يسيطر عليها الفرس وأحيانا الأوروبيين اليونان ثم الروم حتى جاء الأتراك السلاجقة ثم العثمانيون وسيطروا عليها وقاموا بعملية تتريك لها حتى الان. والطريف أن حملة الاسكندر الأكبر على آسيا بدأت أولا عبر الأناضول، حيث قاد عام 334 ق.م جيشاً من 35 ألف عبر الدردنيل وآسيا الصغرى (آسيا الصغرى هي الأناضول) وكان هذا هو الجزء الغربي من فارس!! وانتصر عليهم في أول موقعة "جرانيكوس" ولكنه اتجه فجأة لساحل آسيا الصغرى على البحر المتوسط واحتل المدن الواقعة تحت حكم الفرس ثم اتجه بحراً إلى مصر حيث توجد قوة فارسية وهزمها وحيث رحب المصريون به.

وهنا كانت أهمية بحر الدردنيل الصغير الذي يفصل بين أوروبا وآسيا (ويسمى بحر مرمرة) وهو الواقع بين مضيقي البسفور والدردنيل اللذين يتحكمان في التواصل بين البحرين الأسود والمتوسط، وهو بحر بالغ الأهمية لروسيا، وهذا سر اهتمام روسيا حاليا بأوكرانيا الواقعة على البحر الأسود. وهذان المضيقان من أهم أسباب الصراع بين روسيا والعثمانيين.

إذاً الأناضول جزء مكمل أو رديف للمستطيل القرآني ومن حسن الطالع أن الأناضول أصبح مسلماً وسنتناول كل ذلك في المستقبل القريب. أما بلاد فارس الملاصقة للمستطيل من الناحية الشرقية فأهمية موقعها- بالاضافة لكونها مركز حضاري قديم- أنها البوابة البرية لآسيا.

 الفصل الخامس والعشرون
اليهود: المسيح مدفون مع الحمير الميتة وأموات المسلمين

الانجليز: هاجروا لأمريكا كمحطة علي الطريق لفلسطين

أمريكا: استيلاء اليهود علي القدس ضرورة لعودة المسيح

هذه هي عقيدة الحلف اليهودي- البروتستانتي الذي يحكم أمريكا

 

شهد القرن السابع عشر حدثاً تاريخياً كبيراً , فرغم أن " العالم الجديد " تم إكتشافه في آواخر القرن 15م علي يد أسبانيا , فإن الهجرة الأوروبية لأمريكا الشمالية اشتد عودها خلال القرن 17م وخاصة من بريطانيا ,وبينما كان التوجه إلي أمريكا اللاتينية تحت إشراف وتوجيه الحكومة الأسبانية , إلا أن الهجرة في بريطانيا وباقي دول أوروبا نحو أمريكا الشمالية أخذ طابعاً جماهيرياً ولم تكن بريطانيا تبلورت كدولة عظمي بعد بل كانت أوضاعها الإقتصادية متخلفة وكان ذلك من أسباب حماس المواطنين للهجرة بحثاً عن الثروة والحياة الأفضل, ولكن البعد العقائدي كان حاضراً ومتفاعلاً مع ماهو إجتماعي وإقتصادي كما هو الحال في أوروبا دائماً، والتي لم تعرف معني الحياة الروحية الخالصة ولم تعرف مرحلة دينية خالصة بحيث يكون الدين هو المحرك الأساسي للمجتمع , كما حدث في صدر الإسلام في الشرق حتي قيل عندما تبنت الأمبراطورية الرومانية المسيحية في القرن الرابع أن "المسيحية ترومنت " أي أن روما استخدمت المسيحية كغطاء وغلاف ديني جديد للدولة بعد موت الوثنية, وبعد عناد استمر 3 قرون ولم تدخل روما المسيحية في إندفاعة إيمانية خالصة كما فعلت شعوب الشرق مع الاسلام.

قبل ظاهرة الهجرة إلي أمريكا شهدت أوروبا في بدايات القرن السادس عشر الميلادي حدثاً كبيراً حول مجري تاريخها وهو ظهور التيار ثم المذهب البروتستانتي علي يد القس الألماني "مارتن لوثر" وفي عهد البابا ليو العاشر حيث نشر لوثر آرائه المناهضة لصكوك الغفران, تولي البابا ليو العاشر البابوية عام1513م ورغم أنه ليس وحده صاحب فكرة صكوك الغفران حيث كان المسيحي يشتري هذا الصك لضمان دخوله الجنة "!!" ولكنه شن حملة خاصة لترويج وبيع صكوك الغفران في عهده لزيادة دخل الكنيسة

"لن أستخدم علامات التعجب بعد ذلك لأنها لن تكفي أبداً !"

وأحياناً كان يقال أن هذه الصكوك تفيد في تخفيض زمن البقاء في الإنتظار بين الجنة والنار (يبدو أن لدي المسيحية فكرة " الأعراف" الواردة في سورة الأعراف في القرآن الكريم) وطبعاً فإن تخفيض زمن البقاء يؤدي في النهاية إلي دخول الجنة.

المهم لقد أمر البابا ليو العاشر بشن حملة ترويجية واسعة في مختلف أنحاء أوروبا لهذه الصكوك (كما نقول في عصرنا الحالي : حملة إعلانية مكثفة) تغطية لنفقات الكنيسة المعتادة وما أكثرها وقد تحولت إلي سلطة دينية وزمنية وإقطاعية وأحياناً عسكرية إلا أن البابا ليو العاشر كان مهتماً بشكل خاص بالإنفاق في المجالات الفنية داخل حاضرة الفاتيكان صالات خاصة وكنيسة مزينة بأفخم اللوحات الفنية "أشهر الفنانين الرسامين في العصور الوسطي ارتبطت شهرتهم بما رسموه على جدران الكنيسة: ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو هذا بالاضافة لحياته الشخصية المترفة .

فاض الكيل لدي القس الألماني "مارتن لوثر" وبدأت حملة مضادة ضد حملة الترويج لصكوك الغفران وقام بكتابة منشور تحت عنوان "الله وحده هو الذي يغفر" واستغل لوثر ظهور إختراع المطبعة وإستخدامها في ترويج المنشور بالإضافة للصقه علي أبواب الكنائس في ألمانيا وهو لم يقتصر علي مسألة صكوك الغفران بل عرض علي مهاجمة أسلوب حياة ليو والبذخ في إنفاق الأموال, ومسألة التسلسل الهرمي القيادي في الكنيسة حتي وصل إلي حد إتهام البابا بأنه معاد للمسيح "أي وصل لما نسميه الآن التكفير" وقد إعتادت الكنيسة فيما سبق استخدام القوة للقضاء علي المنشقين. وكانت الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية قد انفصلت عن روما في القرن الحادي عشر حيث أسسها الأمبراطور قسطنطين , وأسس معها القسطنطينية "التي أصبحت الآن استانبول بعد أن فتحها العثمانيون" وعرفت بأنها كنيسة الأمبراطورية البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية وشملت آسيا الصغري "تركيا" واليونان وأجزاء من أوروبا الشرقية وأمتد نفوذ كنيستها إلي روسيا.

والآن جاء دور الإنشقاق البروتستنانتي في عقر دار بلاد الغرب الأوروبي وتصور البابا ليو العاشر أن المسألة بسيطة وأرسل وفداً إلي ألمانيا للقبض علي لوثر وحمله مخفوراً إلي روما لمحاكمته , ولكن الوفد عندما وصل إلي ألمانيا إكتشف طغيان شعبية لوثر بين الجماهير, وأن الكتاب الأول الذي صدر عنه كان أكثر الكتب إنتشاراً وكان معلوماً للناس أن لوثر رفض الحصول علي أي دخل من كتبه وأنه تبرع بكل الدخل للكنيسة والفقراء .

مارتن لوثر "1483م-1546م" بدأ حملته عام 1517 م وهو نفس عام دخول العثمانيين إلي مصر ففي لحظة تضاعف حجم الدولة العثمانية من حيث المساحة والسكان، كانت أوروبا تدخل مرحلة من الإنقسام الحاد والعميق. في عام 1521م عقد الأمبراطور تشارلز مؤتمراً للنبلاء لبحث هذا التمرد النسي, وأدان المؤتمر موقف لوثر وطلب منه البقاء في ويتنبرج انتظاراً لمصيره.

وأثناء عودة لوثر من المؤتمر إلي بلدته تم إختطافه, وتصور الناس أن البابا هو الذي اختطفه وقد يعدمه, ولكن تبين أن الذي دبر الإختطاف هم أنصار مارتن لوثر من الأرستقراطية وأخفوه في إحدي قلاعهم حماية لحياته. وكانت الأقدار مع لوثر إذ مات البابا ليو العاشر في نفس السنة.

في عام 1526م تم الإعلان عن تأسيس حزب بروتستانتي في مختلف أنحاء أوروبا وقد أخذت البروتستانتية اسمها من كلمة إحتجاج protest  أي أنها حركة إحتجاجية علي الكنيسة ولكنها تحولت إلي مذهب ديني متكامل. وأحياناً تسمي الحركة الإنجيلية لأنها هي التي حررت الإنجيل من قبضة الكنيسة. فمن عجائب الكنيسة أنها كانت تحرم علي المسيحيين إقتناء أو قراءة الإنجيل بل كانت تعتبرها جريمة تصل عقوبتها إلي السجن بل وحتي الإعدام. فقد رأت الكنيسة تأييداً للكهنوت أن تكون هي المختصة وحدها بقراءة ودراسة الإنجيل وأن تقوم هي بنشر تعاليمه عن طريق القساوسة .

أما حركة مارتن لوثر فقد دعت إلي تعامل المسيحيين مع الإنجيل مباشرة وقد حدث إنقسام واضح وعريض وعميق في كل غرب أوروبا بين الكاثوليكية والبروتستانتية، فظل الحزام الجنوبي: ايطاليا- اسبانيا- فرنسا – البرتغال في الإطار الكاثوليكي بالإضافة إلي بلجيكا والنمسا والمجر وبولندا وجنوب ألمانيا  وليتوانيا وجنوب هولندا وأجزاء من سويسرا , بينما معظم شمال أوروبا إنحاز إلي البروتستانتية وهي: معظم ألمانيا – دول اسكندنافيا – انجلترا – معظم سويسرا – معظم هولندا وفنلندة ولاتفيا واستوانيا وأجزاء من المجر ورومانيا بلجيكا.

اما البلقان فكانت مع معظم شرق أوروبا واليونان كما ذكرنا أرثوذكس "الجغرافيا البشرية – د. فتحي محمد أبو عيانة – آداب الأسكندرية –دار المعرفة الجامعية"

بدا أن البروتستانت تأثروا ببعض الأفكار الاسلامية, وان بدأوا بصورة مبشرة فقد انتهت بعض فروعهم إلي أسوأ المواقف ضد الاسلام كما سنوضح .

فهم كما رأينا ضد الكهنوت أي ضد طبقة رجال الدين كواسطة بين السماء والأرض, بين الرب والناس. وبالتالي هم ضد كثير من الطقوس الكنسية التي لا أساس لها من الأنجيل وضد الأزياء الخاصة والمبهرجة للبابوات, وضد تحول طبقة رجال الدين إلي طبقة من المترفين. وأن رجال كنائسهم أي البوتستانتية هم أناس من تخصصات مختلفة ويدرسون الدين بشكل حر وحتي من منازلهم ودون زي خاص أو تاج. وهم ضد التماثيل والرسوم علي نوافذ وجدران الكنائس, وهم ضد التسلسل الهرمي التنظيمي المحكم للكنيسة الكاثوليكية. وهم بشكل عام أقرب إلي الليبرالية وأبعد مايكونوا عن التزمت الديني, ولذلك فقد كانوا المذهب الملائم للصعود الرأسمالي وحرية السوق والثورة الصناعية وما يرتبط بها من حرية البحث العلمي وحرية التعبير وهي كلها أمور ماكان لها أن تنطلق داخل سجن الكنيسة البابوية الكاثوليكية التي وصلت إلي حد تحريم البحث العلمي, ولعل أسبقية انجلترا علي فرنسا في المضمار الرأسمالي والاستعماري ترجع في أحد أسبابها لتبني المذهب البروتستانتي, وكثير من الدراسات الغربية والأمريكية تروج لذلك وتربط بين الرأسمالية والتقدم والبروتستانتية , وهو أمر لايخلو من حقيقة, ولكنهم يصلون إلي حد تقديس الإثنين معاً "الرأسمالية والبروتستانتية" كذروة للتقدم البشري أو نهاية التاريخ كما أسماها "فوكوياما" .

ونحن الآن لانناقش هذه العقائد وموقف الاسلام من تأليه أو بنوة المسيح عليه السلام معروف. ولكن مايهمنا الآن كيف تفاهمت البروتستانتية مع اليهودية خاصة إحدي هذه الفرق ولا نقول كلها, ولكنها الفرقة التي تحكم أمريكا الآن وهذه أهمية دراسة أفكارها. ومايهمنا الآن انجلترا التي تحولت إلي رأس الرمح التي غزت أمريكا وصنعت لنا "المسيحية الصهيونية" .

في عام 1527م قرر هنري ملك انجلترا الخلاص من زوجته كاترين التي لم تنجب له ولداً "ولياً للعهد". ورغم أننا في الاسلام لانعلم ولانحب التشفي, ولكننا نردد دائماً "سبحان الله" فكاترين هذه هي إبنة ملكي أسبانيا فردناند وإيزابيلا اللذان ساما المسلمين سوء العذاب في المرحلة الأخيرة لسقوط غرناطة في الأندلس, فكان عذاب ابنتهما بعضاً من عذاب الدنيا "دون عذاب الآخرة" وسعي هنري للخلاص من كاترين بالطلاق وهو أمر غير مسموح به في أعراف الكنيسة الكاثوليكية, فرفض البابا كليمنت. ولكن هنري كان يكرهها بالإضافة لمسألة عدم الإنجاب .

في عام 1531م طرد زوجته كاترين من البلاط الملكي وأعتقلها أو حدد إقامتها في قلعة بعيدة حتي كادت أن تصاب بالجنون, وأمر بابا روما "كليمنت" ملك انجلترا بإعادتها إلي البلاط الملكي كزوجة له, ولكن الملك رفض. وفي عام 1533م تزوج الفتاة "آن" الألمانية ولم يعترف البابا بالزواج ولم يأبه الملك له, وعلي طريق الأوروبيين في الإستهانة بالدين وتحت تهديد البابا له "بالشلح" أي الحرمان من المسيحية وهذا يؤدي إلي خلعه من الحكم, أعلن هنري تـأسيس كنيسة مستقلة لانجلترا تدين بالبروتستانتية ويرأسها الملك "بالمناسبة لايزال هكذا هو الوضع حتي الآن فملكة بريطانيا هي رئيسة الكنيسة, ونفس الشئ في الدانمارك وغيرهما" أسقط في يد البابا فلم يكن لديه قوة مادية لمنع ذلك, ولكنه لاشك كان وراء العداء الحربي بين انجلترا وأسبانيا الذي تحدثنا عنه فيما سبق "موقعة الأرمادا" في اطار الصراع بين انجلترا البروتستانتية وأسبانيا الكاثوليكية الخاضعة للبابوية . The 33 strategies of war " مرجع سابق- Robart greene" وماتت كاترين بنت فردناند وايزابيلا كمداً في القلعة عام 1536م , ولعل مهانة كاترين كانت وراء العداء المتواصل بين انجلترا وأسبانيا التي إستمرت حتي آواخر القرن16 م والسقوط التام للقوة الأسبانية .

أسمع زفرات من أخي القارئ تقول : يا أخي حتي وإن كانت هذه القصص مسلية ومميزة فما علاقتها بالمستطيل ؟! وماعلاقتها بالهجرة لأمريكا ؟! أقول لأخي القارئ : صبراً لقد كدنا نصل وسنكتشف أهمية هذا التتبع التاريخي خارج المستطيل, فهو مثل تتبع مفتش المباحث الجنائي عن آثار الجريمة خارج مسرح الأحداث, خارج مسرح وقوع الجريمة ذاتها ! والجريمة هنا : تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين في "عقر دار المؤمنين" كما قال رسول الله صلي عليه وسلم عن الشام, وفلسطين هي قلب الشام.

بعد استقرار البروتستانتية في بريطانيا وفشل مشروعات الغزو الكاثوليكي الأسباني ظهر في القرن السابع عشر "كرومويل" الذي يشار إليه في انجلترا باعتباره قائد الثورة البرجوازية التي قضت علي الإقطاع وسبقت الثورة الفرنسية, كان "كرومويل" وأنصاره من طائفة البروتستان " أي المتطهرين " وهي طائفة بروتستانتية وما أكثر الطوائف التي تفرعت داخل التيار البروتستانتي بعد لوثر – بدءاً من كالفن وبلانهاية حتي الآن. وليس لدي الوقت أو الاهتمام لدراسة وفهم الفروق الطبقية بين عشرات ومئات الفرق الإنجيلية, ولكنني اهتممت بالفرق التي تضر الإنسانية جمعاء ولا أقول الإسلام والمسلمين فحسب . ومنها أو علي رأسها طائفة البيوريتان وهؤلاء في خضم أحداث الثورة ضد الأرستقراطية الإقطاعية أصبحوا أغلبية في البرلمان. ولكن في إطار المد والجذر وخلال حكم الملك جيمس أصبحت هذه الطائفة في المعارضة. وفي هذا المناخ نشطت الدعوة للهجرة إلي العالم الجديد "أمريكا". بينما كان البر الأوروبي يشهد آخر الحروب الدينية الطاحنة بين الطائفتين " الكاثوليكية والبروتستانتية" وهي حرب الثلاثين "1618م-1648م " حيث شهدت إراقة دماء كثيرة للبروتستانت خاصة طوائف الأناباتيست والهوجونت والجزويت. في انجلترا قادت الطائفة البيورتانية الدعوة إلي الهجرة لأمريكا .

الطائفة البيورتانية أقرب ماتكون لليهودية, وهي تعلي من شأن التوراة أكثر من الإنجيل . وقد بلورت رؤية دينية تقول بأن المسيح سيعود من جديد, وأن علامة ذلك هو تجمع اليهود في فلسطين وفي القدس, وعندما يحدث ذلك سيأتي المسيح ليقيم حكم العدالة علي الأرض ويدخل اليهود جميعاً المسيحية في ظل الألفية السعيدة ,أي أن المسيح سيحكم العالم ألف عام من السعادة بعد أن يقاتل الكفار ويهزمهم في معركة "هيرمجدون" في فلسطين "بالقرب من جنين " والكفار طبعاً هم المسلمون.

هذه خلاصة الرؤية البيورتانية, وهناك فرق بروتستانتية أخري توافق علي نفس الرؤية علي بعض الخلافات في التفاصيل, وهي جميعاً تسمي الفرق الألفية. ويفهم البعض عن الألفية السعيدة أنها هي الجنة ولكن علي الأرض. وهذا مايسمي أحياناً " =المسيحية الصهيونية" عندما كان البيوريتان ينظمون الهجرة إلي أمريكا فقد كانت بياناتهم تقول: إن قصة موسي وفرعون تتكرر. فنحن مثل بني إسرائيل يفرون من عدوهم فرعون "الملك جيمس" الذي كان قد بدأ في إضطهاد البيوريتان لأسباب داخلية ويعبرون البحر الأحمر "وهو هنا المحيط الأطلسي" ليذهبوا إلي أرض الميعاد "فلسطين" وهي الآن أمريكا !! " مضطر للعودة لعلامات التعجب !" وهناك قالوا لقد جئنا لقتال الكنعانيين وإبادتهم "وهم الهنود الحمر" وإعادة بناء القدس كمدينة فوق التل City up on hill "  وهي هنا "واشنطن" .

سنتجمع هنا في أمريكا في إنتظار اللحظة المناسبة لحشد اليهود  "لاحظ اليهود وليس المسيحيين" للذهاب إلي فلسطين , وهم في هذا يستخرجون بعض الجمل التاريخية من التوراة والإنجيل لكي يلبسونها هذه النبوءة. نبوءة تجمع اليهود في فلسطين حتي يعود المسيح , ولذلك فإنهم يقولون عن هذه الفرق بأنها إنجيلية أي تؤمن بحرفية الإنجيل أو الذين أولوا بعض جمله لتخدم هذا المعني, وكذلك التوراة وهم يقدسون التوراة "أكثر من الإنجيل", وقد وضعوا الإثنين معاً فيما يسمي الكتاب المقدس وهذا مافعلته جميع طوائف المسيحية أو معظمها مع تفسيرات مختلفة للتوراة مثلاً في سفر التثنية بالتوراة تقرأ الآتي " متي أتي بك الرب إلهك إلي الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها "فلسطين" أو من النيل للفرات "وطرد شعوباً كثيرة من أمامك ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتم فإنك تحرمهم لاتقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم ولكن هكذا تفعلون بهم, تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك " فهذه نظرية شعب الله المختار, التي أصبحت تضم الشعب الأمريكي البروتستانتي مع اليهود "مما سنفصله فيما بعد إن شاء الله "

وأيضاً نقرأ في التوراة " أنا الرب الَهكم الذي ميزكم من الشعوب وتكونون لي قديسين لأني قدوس. أنا الرب وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي"

إذاً الهجرة إلي أمريكا خاصة لدي الطلائع الدينية البيوريتانية خاصة تلك الآتية من انجلترا "جنس الأنجلوسكسون" هي هجرة مؤقتة علي طريق فلسطين !!

أي أنهم يعطون ظهرهم للمستطيل القرآني/ الشرق الأوسط/ مركز العالم, ويتجهون غرباً ولكنه بنية الإرتداد إلي فلسطين في وقت لاحق. لذا أعطوا الهجرة لأمريكا كل هذه الرموز الدينية التوراتية "موسي – فرعون – عبور البحر – الكنعانيين – القدس " وليست المسألة علي طريقة الفلكور بل تحول الأمر إلي واقع سياسي في أمريكا, فظل البيوريتان أي البروتستانت من هذه الطائفة هم العمود الفقري لدولة الولايات المتحدة بدءاً من تأسيس 13 ولاية في الشرق المطل علي المحيط الأطلنطي حتي الإعلان عن الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً في 1779م وظلت الطبقة الحاكمة والمسيطرة حتي الآن هي طائفة الواسب أي wasp  وهي مختصر تعبير white anglosacson protestant  أي البيض الأنجلوسكسون البروتستانت وهي الطبقة المسيطرة علي الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وإن كان الحزب الجمهوري أكثر تشدداً .

لم يعد تعبير البيوريتان يستخدم وإنما دخل في ذمة التاريخ, لأنها أصبحت كلمة سيئة السمعة بسبب إرتباطها بتصرفات عنصرية إستبدادية عديدة في بداية حياة الإستيطان وأصبحت الكنيسة التي ورثت البيوريتان اسمها "الكنيسة المعمدانية الجنوبية" ومن رموزها المشهورين "القس نلويل", وهذه الكنيسة تؤمن بنفس عقائد البيوريتان من ذات فلسطين وضرورة تجميع اليهود في فلسطين حتي يأتي المسيح مرة أخري وهذا هو عمق وجذور التحالف العضوي بين أمريكا والدولة اليهودية في فلسطين, فالمسألة ليست كما يردد السذج "كذلك كنت أتصور في مقتبل حياتي السياسية" أن اللوبي اليهودي الصهيوني مجرد "لوبي" أي "جماعة ضغط" تؤثر علي القرار الأمريكي خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط .

هذه سذاجة لأن الطبقة الحاكمة في أمريكا هي تحالف عضوي بين تيار البروتستانت الذي تمثله الكنيسة المعمدانية الجنوبية "وليس كل طوائف البروتستانت" بين هذا التيار واليهود الذين توافدوا تباعاً إلي الولايات المتحدة حتي وصلوا الي 5 أو 6 ملايين ولكن معظمهم في مفاصل الدولة ومواقعها الحيوية. والسياسي الأمريكي الذي لايفهم هذه المعادلة يوضع علي المقصلة ! أي الإعدام السياسي والمعنوي وحتي الإعدام بالمعني الحرفي. وهذا من أسباب اغتيال ابراهام لنكولن وجون كيندي من رؤساء الولايات المتحدة . والكنيسة المعمرانية الجنوبية سميت جنوبية لأنها تتركز في الجنوب فيما يعرف بالحزام الإنجيلي. والذي أخرج كثيراً من رؤساء أمريكا من الحزبين أخيراً

علي سبيل المثال: بوش الأب والإبن وكارتر وكلينتون وكثير من قيادات الدولة " فكوندا ليزا رايس التي تولت مسئولية الأمن القومي ابنة قس في هذه الكنيسة بولاية ميني الجنوبية, وهي الولاية المعروفة بتصويتها للجمهوريين. ولكن الكنيسة لها نفوذ وسيطرة علي عموم الولايات المتحدة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوبا, والمحطات الفضائية الثابتة لهذا التيار البروتستانتي جمهورها يتراوح بين 80 إلي 120 مليون مشاهد. وهذا هو القلب الداخلي للمجتمع الأمريكي.

ومن علامات هذه السيطرة لفئة الواسب  " wasp " نجد أن كل رؤساء أمريكا كانوا من هذه الطائفة عدا جون كيندي الذي كان كاثوليكياً لذلك لم يتحملوا أن يحكم فترة ثانية وقتلوه في مستهل حملته الإنتخابية لدورة رئاسية ثانية . ليس مجالنا البحث في أسباب قيام الطبقة الحاكمة الأمريكية بتصفية كيندي فالتفاصيل كثيرة, ولكن المعني الرئيسي أنه لم يتكيف ولم يتقولب مع أوامر الأنجلوسكسون البروتستانت وان كان أبيض البشرة !!

الرئيس الثاني من خارج الواسب هو الرئيس "باراك اوباما" وقد تم إستخدامه لأغراض استراتيجية محددة شرحتها مراراً في مقالاتي , ولكن ماكان يمكن أن ينجح ثم يستمر في الحكم إلا لأنه تقولب وخضع تماماً لتوجهات الأنجلوسكسون البروتستانت رغم أنه أسود, وهو ملتزم بالمذهب البروتستانتي "وان كان له جذور إسلامية" وهو يذهب للكنيسة القريبة من البيت الأبيض كل يوم أحد, ومن المؤكد أن الرئاسة ستعود مباشرة بعده للتيار المعتاد "الأبيض الأنجلوسكسون".

ان الذين يدعون لتغيير مواقف الولايات المتحدة أو إبعادها عن اسرائيل – من أبناء  جلدتنا – هم إما جهلاء بهذا الواقع أو عملاء أو الإثنان معاً !

في كتاب "أمريكا طاغوت العصر  - مرجع سابق" شرح مستفيض بأن الصهيونية من بنات أفكار هذا التيار المسيحي البريطاني – الأمريكي حتي قبل ظهور"تيودور هرتزل", حيث الشائع أنه هو صاحب الفكرة الصهيونية وتأسيس دولة يهودية في فلسطين. بل أن رموز التيار المسيحي الصهيوني هم الذين دفعوا اليهود للسير في هذا الإتجاه !! " راجع الكتاب المهم للسيدة ريجينا شكري – المسيحية الصهيونية –سلسلة كتب المعرفة – الكويت "

عندما يتحدث زعماء أمريكا عن الرابط الروحي والأخلاقي بين أمريكا واسرائيل, فإن القارئ العربي المسلم يتصور أنهم يتحدثون عن الحرية والديمقراطية والحضارة الغربية, ولكنهم يشيرون تحديداً لهذا الرباط العقائدي. فإن أي دعم لإسرائيل ولليهود هو تقرب من الرب وعبادة وتقريب اليوم الموعود "عودة المسيح".

لذلك عندما تم احتلال القدس في حرب 1967م قامت الأفراح والليالي الملاح في أمريكا في هذه الأوساط باعتبار أن ذلك يعني إقتراب حثيث من إقامة دولة إسرائيل الكبري من النيل للفرات وعاصمتها القدس الموحدة, مايعني أن لحظة ظهور المسيح قد اقتربت جداً.

وقد تماهى المسيحيون البروتستانت مع المشروع الصهيوني بنفس الأطر الفكرية والعقائدية, فالشعب الأمريكي هو بدوره شعب الله المختار "المقصود ليس كل الشعب ولكن الأنجلوسكسون البيض البروستانت ومن يتبعهم بعبودية كاملة من باقي المواطنين الأمريكيين وكخدم لهم" وبالتالي فإن الأدب السياسي الأمريكي يتحدث عن "القدر المتجلي" والدور التاريخي لأمريكا لتحكم الكرة الأرضية.

وهكذا يتماهى المشروع الأمريكي للهيمنة العالمية مع المشروع اليهودي الصهيوني في قلب العالم "الشرق الأوسط" في عملية تلفيقية واضحة للعقيدة. فالذين يؤمنون بالمسيح أنه جاء فعلاً وينتظرون عودته ثانية, يتحالفون بشكل عقائدي مخلص مع قتلة السيد المسيح "حسب المعتقدات السابقة للمسيحية "

يتحالفون بشكل عقائدي مخلص مع اليهود الذين يقول تلمودهم أن "يسوع مدفون في جهنم" وأنه ابن غير شرعي لعلاقات آثمة لحريم الوزراء "كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)" الكهف وأنه مجدف ويسمونه بكل هذه الأوصاف في التلمود المقدس عندهم أكثر من التوراة رغم أنه كتاب الحاخامات يسمونه "ذاك الرجل – رجل معين – ابن النجار – الرجل الذي شنق – الكذاب – الشخص البغيض – نجار ابن نجار – وأحياناً ابن الخطاب حملته أمه وهي حائض – مجنون – مشعوذ – مريم امرأة مخرفة تماماً ولم تخطئ مرة واحدة فقط – يسوع ساحر – مخبول – يهوذا بال عليه أي يهوذا الاسخريوطي – أفسد اسرائيل – دفن في كومة قذر حيث تطرح الحمير الميتة وأبناء إسماعيل الأتراك "أي المسلمين" التلمود : تعاليم الحاخاميين السرية أي. بيه. راميكس "اعداد زهدي الفاتح – الطبعة الثالثة-1985- دار النفائس"

عندما يتحالف المسيحي مع من يقول هذا في كتب دينية رسمية، هو مجرم ونصاب أكثر من اليهود أنفسهم, هذا هو التحالف اليهودي البروستانتي الذي نأخذ منه الأموال النجسة والمعونات الحقيرة وننتظر السلام علي أيديهم .

أن حكام المسلمين الذين يتحالفون مع هؤلاء ويوالونهم فإنهم منهم كما قال القرآن الكريم . ومن ينتظر من أمريكا خيراً فإنه يتخلي عن الوطنية والإسلام, ويفقد انسانيته والواقع أن المعركة العظمي حول المستطيل تدور الآن بين الحلف اليهودي – البروتستانتي – الأمريكي مع العرب والمسلمين، وسيكون النصر لنا ان شاء الله عندما نأخذ بالأسباب

الفصل السادس والعشرون
القصة الحقيقية لإسلام نابليون بونابرت في مصر


" مقاومة الكبار "الشعار التعبوي لهزيمة فرنسا

المصريون صنعوا المدافع لمقاومة الفرنسيس

خلافي مع خالد محمد خالد حول غزو الكويت والعراق

ثورة المصريين 23 عام ضد البطالمة والاستقلال في طيبة

الانجليز يهزمون الفرنسيون بالتفوق البحري

بعين واحدة ويد واحدة نيلسون الانجليزي يهزم نابليون

 

نعود مرة أخري إلي المستطيل بعد أن ذهبنا هذه المرة إلي أمريكا حيث تم طبخ وتدبير مشروع الدول اليهودية في فلسطين والقدس بل من النيل إلي الفرات : التدبير في القرن السابع عشر والتنفيذ في القرن العشرين وحتي مطالع القرن الحادي والعشرين . كنا توقفنا عند الحملة الفرنسية وهي تستحق أن تتوقف عندها ملياً لكل الأسباب التي أشرنا إليها سابقاً , فقد كانت علامة علي مفارق طرق عديدة في المنطقة والعالم بأسره رغم أنها هزمت سريعاً (في ثلاث سنوات فقط ) وبل العجيب أنها ماتزال علامة فارقة في تفكير النخبة المثقفة الحالية داخل وخارج السلطة. فلاتزال هذه النخبة في مصر إلا من رحم ربي – تصور أن الحملة الفرنسية قد حملت الخير لمصر والمنطقة، وأنها حملت معها العلماء والمطبعة والتكنولوجيا والتنوير، وأنها كانت الشعاع الذي أضاء مصر بعد القرون المظلمة للحكم الإسلامي في عهدي المماليك والعثمانيين، بل لقد وصل هذا الكلام الفارغ لمناهج التدريس بالأزهر كما أشرت من قبل لأحد كتب الثانوية الأزهرية. وأنا أميل لوقف هذا التلاسن وهذه الحروب الكلامية بين التيارين العلماني والإسلامي.

وأدعو العلمانيين الوطنيين إلي التعامل مع الإسلام ومع تاريخنا الإسلامي وهويتنا الإسلامية بشكل موضوعي أو عقلاني أو وطني بالإضافة إلي أن بعضهم من المتدينين فعلاً .

إن الأمم التي نهضت هي التي تمكنت ونجحت في الجمع بين مكونات ومقومات شخصيتها التاريخية .

انظر مثلاً للغرب واحتفاظه بالمكون الديني رغم مايغلب عليه من علمانية، وروسيا تفعل ذلك الآن، وتتصالح الصين مع الكونفشيوسية، والهند مع الهندوسية، دون أن تستأصل الأقلية الإسلامية الكبيرة (إذا إستبعدنا قضية كشمير لأن النزاع له أبعاد إستراتيجية) ولكن رئيس الهند غالباً مسلم وكذلك المسلمون ممثلون في البرلمان وفي حزب المؤتمر.

بل كيف تعامل رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو نبي مرسل برسالة لاتقبل المساومات ولكن ذلك لم يتعارض مع أن ينزل الناس منازلهم ويتعامل مع خصوصيات القبائل وأهل الكتاب وأن يطرح قضية المواطنة في "الصحيفة" قبل كل هذا الصخب الحالي بعد 14 قرن عن "المواطنة" وكيف تعامل مع القبائل التي لم تدخل الإسلام بالموادعة، ضرب رسول الله صلي الله عليه وسلم عشرات الأمثلة عن رغبته وتوجهه – وهو الموحي إليه – بالتعايش مع الناس كل الناس، إلا من حارب الإسلام بالسيف والقوة عملاً بالآيتين الكريمتين (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)الممتحنة 8-9

وعندما أرسل رسالة إلي كسري يدعوه للإسلام مزق الرسالة فكيف كان سيفعل إذا ذهب مسلم بدون سلاح يدعو إلي الإسلام في بلاد فارس؟.

أما الرومان فقد أعدموا وصلبوا فعلاً من دخل في الإسلام من عرب الشام حتى وإن كانوا رؤساء قبائل. بل لقد قام الغساسنة عملاء الرومان بقتل الحارث الآزدي- رسول رسول الله إلى ملك بصرى عاصمة اقليم حوران بالشام.

*********

أقول ذلك كمقدمة سريعة وإن كانت تحتاج إلي مقالات ودراسات مستقلة (أرجو أن يمكنني الله من كتابتها) توطئة لحديثي عن الحملة الفرنسية البغيضة . فمن المؤسف أن نخبتنا الحاكمة منذ عهد مبارك وأيضاً عدد لابأس به من النخبة المثقفة يتحدث بإيجابية عن الحملة الفرنسية بل تقوم مصربإحتفالات سنوية في ذكري الحملة الفرنسية منذ أيام وزير الثقافة غير المؤسف عليه فاروق حسني، فهذه النخبة تعتبر الحملة الفرنسية هي بداية العلاقات الثقافية بين مصر وفرنسا، أو بالأحري تلاقي الحضارات بين الشرق والغرب وكأن الحضارة لاتنتقل من بلد لآخر إلا علي أسنة الرماح، وعبر الإحتلال العسكري والإستيلاء علي بلاد المسلمين . ولايخلو الإعلام المصري حتي الآن من الإحتفال بالحملة الفرنسية بمناسبة وغير مناسبة !

سأتوقف أولاً عند موقف الشعب المصري , ومقاومته الباسلة للإحتلال، ولا أقول " الحملة " فهذا المصطلح أصبح شائعاً وكأنه وسيلة لتخفيف بشاعة الهجوم العدواني والإحتلال، أي كأنها كانت حملة ثقافية تنويرية. كذلك هناك إشاعة أخري منتشرة بين المثقفين بل درسناها في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية تقول: إن فرنسا إستعمار ثقافي (!!) وكأنه لايستهدف الهيمنة والسيطرة السياسية والإقتصادية وإحتلال الأرض. أو كأن وسيلته هي الثقافة وليس المدفع والبندقية. وكأن الإستعمار البريطاني لايستخدم البعد الثقافي في هيمنته علي العالم . وسنتحدث عن هذا البعد الثقافي فيما بعد .

أما الآن فنعود حيث توقفنا عند السيطرة السريعة الأولي للجيش الفرنسي وهزيمته الخاطفة لقوات المماليك، بسبب الفجوة التكنولوجية، ولكن حيث قلنا أيضاً إن مقاومة الشعب المصري وهبته البطولية سدت هذه الفجوة وأن الفرنسيين لم يهنأوا بالراحة يوماً واحداً طوال 3 سنوات حتي هربوا من مصر .

  وأنا مهتم بدروس المقاومة الشعبية لأننا لانزال نتعرض للغزوات الأجنبية الإسرائيلية والأمريكية والغربية حتي هذه اللحظة. وهناك منذ كامب ديفيد نغمة لنشر اليأس وأننا لاقبل لنا اليوم بأمريكا وإسرائيل كما قال اليهود يوماً (لاطاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) البقرة 249 , وأيضاً هناك موجة أكثر خطورة لا أدري من هو مصدرها، ولكن لاشك أن أجهزة الحكم لها دور كبير في ذلك، موجة تقول: أن هذا الشعب خانع ولايثور أبداً. وعندما فشلت ثورة 25 يناير الحالية أو هي في طريقها إلي الفشل المؤكد بإعتبارها موجة ثورية وانتهت دون أن تحقق أهدافها الأساسية. عندما فشلت عادت هذه النغمة للرجوع علي أساس أن الشعب انسحب من الشارع، وكأن الشعوب تبقي في الشارع أبد الدهر، أو لفترات مفتوحة. عندما تذكر الموجة الثورية، لابد للشعوب أن تتوقف لإلتقاط الأنفاس وتقييم الموقف، ونرجو أن تقوم النخبة بهذا، فهي أولي بإعادة تقدير الموقف وأن تقدم لنفسها وللشعب كشف حساب بالأخطاء، والمنجزات ان كانت هناك منجزات.

وقبل ثورة 25 يناير 2011 كنت أقاوم نزعة اليأس هذه، فقد كانت الناس تردد الأسطوانة المشروخة: (أن الشعب المصري خانع ومتهاون) في وقت كانت الإضرابات الفئوية والإقتصادية والإحتجاجات السياسية كل يوم تقريباً .

وأذكر أنني كنت في السجن عامي 2009/2010 وكنت أبعث برسائل التاريخ لمقاومة هذه النزعة العدمية، وقد نشرت فيما بعد في كتيب (مدونات ثورية من تاريخ مصر) عن دار الفكر العربي. وكانت هذه الرسائل في أحد محاورها تتحدث عن البطولات التاريخية للشعب المصري خلال ثورة عرابي وخلال ثورات عمر مكرم الثلاث ضد الوالي العثماني .

في الأيام الأخيرة لحسني مبارك كانت هناك نكتة بذيئة منتشرة، حيث يقوم الشعب المصري بالسخرية من نفسه تقول: إن مبارك رأي أن إذلال الشعب لم يصل إلي أقصاه ولابد من بحث عن رسائل جديدة لإذلاله.. وتم التوصل لفكرة عمل كوبري معين في مكان رئيسي يتعين علي المصريين أن يمروا من خلاله، ولايمر المصري إلا إذا ضربه أحد زبانية النظام علي قفاه . وفي تطوير لهذه النكتة قيل أن الشيطان بكي أمام مبارك وقال له : حرام عليك اللي بتعمله في الشعب ده !!

فلاش باك سريع:

 الحديث عن ثورات الشعب المصري منذ القدماء المصريين حتي 25 يناير 2011 يمكن أن تملأ مجلدات، وقبل الحديث عن مقاومة الإحتلال الفرنسي، أعرض لقطة سريعة من التاريخ القديم مما لم يرد في هذه الدراسة المضغوطة أو الكتاب المذكور آنفاً (مدونات ثورية .....)

عقب فتح الإسكندر المقدوني لمصر وموته المبكر تولي البطالمة حكم مصر والشام وسائر الممالك التي فتحها الإسكندر واستمر الحكم البطلمي في مصر من 323 قبل الميلاد حتي عام 31 قبل الميلاد . وكان البطالمة كمعظم الغزاة لمصر ينافقون الشعب المصري إلي حد تبني الديانة المصرية لتأكيد شرعية الحكم وبإعتبارهم  (ورثة الفراعنة) وفي هذا الإطار سمحوا بإستمرار طبقة الكهنة المصريين والمحاكم المصرية، والشعب المصري لاتنطلي عليه الألاعيب ولا الأكاذيب ولكنه يمتص مايحدث ويصمت إلي حين حتي يتصور الحكام الأجانب أو الوطنيون أنهم أخضعوه أبداً، ثم ينقض عليهم فجأة .

ففي عام 216 ق.م (قبل الميلاد) انتفض الشعب المصري في ثورات متواصلة علي مدي 23 عاماً حتي عام 183 ق.م، وبدأت الثورات في الدلتا ثم شملت كل مصر، ثم تمكن المصريون من إقامة حكم وطني مستقل في طيبة (الأقصر) في أقصي الجنوب لمدة 18 عاماً وكل ذلك كان من علامات نهاية العصر البطلمي (الوجيز في تاريخ القانون .د. حامد أبوطالب – د. مصطفي الباز).

الشعار الذي ساهم في الدحر السريع  للفرنسيين:

أراد نابليون بونابرت وقد جاء إلي مصر بعد دراسات مستفيضة عنها بالإضافة لمن صحبه من علماء من مختلف التخصصات، وسنتحدث عن مغزي ذلك لاحقاً فقد كان يعرف نفسية الشعب المصري ففعل كما فعل الاسكندر والبطالمة من بعده وأيضاً مافعله الرومان، وهو الإدعاء بالدخول في دين المصريين، فادعي نابليون بونابرت أنه مسلم أحياناً بشكل صريح وغالباً في صورة ملتوية .

  وقد قرأت بنفسي نصوص هذه البيانات أو الخطابات للشعب المصري، كان يقول مثلاً (أعبد الله سبحانه وتعالي وأحترم نبيه والقرآن العظيم) والتي كانت توزع مطبوعة .

فقد كان يعلن علي الأقل أنه يحترم ويجل الدين الإسلامي وأنه لم يأت لإسقاط الحكم العثماني (باعتبار أنه نظام خلافة إسلامي تتبعه مصر) وإنما جاء ليخلص المصريين من ظلم المماليك وإنه ليس مسيحياً ولا يدين بالدين المسيحي. وهذه كان صادقاً فيها، فهو كان ملحداً لا دينياً وكان من ضمن التيار الذي غلب في هذه الفترة علي الثورة الفرنسية، وهو إعلان دين العقل وإلغاء الكنيسة. ولكن لاحظ الشعب المصري وقادته أنه لاتوجد أي ملامح إسلامية علي أخلاق وممارسات بونابرت أو جنوده، ولم ينخدعوا فيه لحظة واحدة فهو لا يصلي ولا يعرف شيئاً عن القرآن ويشرب الخمر علناً .. الخ الخ

وفي المقابل كان خطاب المقاومة يستند أساساً إلي شعار "مقاومة الكفار".

كانت عقيدة الإسلام بخير رغم كل ماأصاب الأمة من تدهور إجتماعي وإقتصادي وسياسي علي يد المماليك، وإهمال العثمانيين الذين لم يدركوا في أغلب الأوقات أهمية مصر، إلا عندما يكونوا مهددين بفقدها.

 كل التقدم الإداري والصناعي العسكري وكل نظم الحكم والطابع المؤسسي في استانبول وتركيا وماحولها لم يكن متحققاً في الولايات عموماً، وبالأخص في مصر، أقول رغم حالة التخلف الاجتماعي – السياسي – الاقتصادي في مصر آخر أيام القرن 18 م حيث جاء الفرنسيون في 1798 م، إلا أن عقيدة الإسلام وروح الإسلام كانت ماتزال حية في النفوس، بل كان هذا من أسباب التمسك بالرابطة مع الدولة العثمانية. فقد كان حباً من جانب واحد أو بالأحري حب أحد الزوجين لزوجه بصورة أكبر من حب الطرف الآخر. أو ما قلته من قبل.

لقد ظل أهل مصر والمستطيل متمسكين بالدولة العثمانية أكثر من تمسك العثمانيين بهم . أي كانوا يتمسكون بالرابطة الإسلامية ويجملون مايفعله العثمانيون علي الجبهة الأوروبية وفي البحر المتوسط . بينما لم يكن السلاطين مشغولين برفع شأن هذه المجتمعات العربية لتصل إلي المستوي التركي، ولايفزعون إلي مصر أو المستطيل أو شمال إفريقيا إلا إذا حدثت مصيبة تهدد بفقد هذه الولايات وإن كانوا قد بدأوا بمواجهة الغزو البرتغالي كما أسلفنا الذكر. وأقول هذا فيما يتعلق بمعظم فترات حكم العثمانيين للعرب علي مدار قرابة 4 قرون.

إذاً لم يطرف جفن للمصريين ولم يتلعثموا وبالأخص علماء الأزهر وقادة المماليك إذ أعلنوا الجهاد لمقاومة " الكفار " ودحرهم وطردهم من البلاد .

وهذا الخطاب كان كفيلاً بتعبئة الأمة وسد كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها العدو، فالعدو لاينفذ بقوة سلاحه وبأسه ولكن بإختراق العقول والأفئدة والمراهنة علي الضعف الإنساني  (خلق الإنسان ضعيفاً) النساء 28، والإستسلام للأقوي طلباً للسلامة أو الحياة بأي ثمن .

أما في العصور التالية فقد تعلمنا الرخاوة عندما يأتي الغزاة، فنتحدث عن الأجانب وهذا مصطلح أفضل من غيره، ولكننا ننحدر لأكثر من ذلك فنتحدث عن قوي عظمي أو حماية، بل أخيراً تسللت إلينا لغة العولمة، وهناك إسلاميون بدأوا يتحدثون عن أن تقسيم العالم إلي : (1) دار حرب (أو كفر) (2) دار سلام (أو إسلام)  (3) دار عهد (أو ميثاق)، ان هذا التقسيم موضة قديمة وان العالم قد تغير وأصبح قرية واحدة (كما يزعم الغربيون كذباً) رغم أن هذا التقسيم الثلاثي مشتق من القرآن الكريم مباشرة وليس من الفقه !!

ووصل الأمر خلال مايعرف بأزمة الكويت عندما قام نظام صدام حسين بضم الكويت بالقوة المسلحة، أن كتب المفكر الإسلامي المعروف رحمة الله عليه (خالد محمد خالد) والذي كنت في شبابي أتعلم منه ومن كتبه ولا أنكر حتي الآن إسهامه في الأدب الإسلامي خاصة في مجال التعريف بحياة الصحابة رضي الله عنهم ولا أنسي موقفه الشجاع أمام عبد الناصر في مؤتمر القوي الشعبية للإعداد للميثاق، وكتب في إحدي المقالات محرضا جورج بوش على اجتياح الكويت بعنوان (أرحنا بها يابوش !) علي طريقة (أرحنا بها يا بلال) والتي قالها رسول الله صلي الله عليه وسلم قاصداً (الصلاة) بعد آ ذان بلال !! وفي هذا المقال استخدم تعبير ينفي فيه أن حشد مليون جندي في أراضي الجزيرة العربية ومعظمهم من أمريكا وبلاد الغرب يعتبر عدواناً أجنبياً، ولكنها مجرد (قوات دولية)! وأنها ستنسحب بعد تحرير الكويت !

وفي عهد كامب ديفيد يطلق علي الأمريكان في مصر والسعودية وغيرهما أنها دولة صديقة، ولا أدري أي نوع من الصداقة، وعلي ماذا تصادقنا ؟! وأصبح الإسلاميون يتحرجون من وصم أمريكا واسرائيل بالكفر، حتي وإن كانوا أهل كتاب (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) البينة 6 .

فأصبحنا ننتقد سياساتهم ونوضح خلافنا معهم وكأنها مسألة فكرية مجردة ولم يبق إلا أن نقول في النهاية (إن الخلاف لايفسد للود قضية)!!

وأصبحنا نبحث عن نقاط الإتفاق خاصة مع الأمريكان والغربيين، في حين يتعين علينا صد عدوانهم وأنا لست من مدرسة التكفير وأرفض التوسع والتقعيد والتقعير في هذا الأمر فنحن لسنا مكلفين من الله سبحانه وتعالي بتصنيف البشر، إلا ماورد في القرآن والسنة. ولكن عندما يعلن الكافر إنه كافر فليس من مهمتي أن انفي الكفر عنه، وعندما يحاربني الكافر مستهدفاً عقيدتي، وأرضي، وعرضي وثروتي، فلن أبحث له عن اسم تنكري غير الكفر !!

إن الأمريكان يتحدثون بوقاحة عن ضرورة إلغاء جوانب من الإسلام لاتتناسب معهم كالجهاد أو الزكاة أو رفض الربا او رفض الحرية الجنسية أو رفض عمل قوم لوط. ونحن نتحدث عنهم كطرف دولي، أو كصديق أو حليف لمواجهة الإرهاب أو مصدر للحماية (قواعد أو تسليح). (راجع أحكام القرآن الكريم في موالاة الكفار والمشركين –للمؤلف).

إعلان الجهاد ضد الإحتلال الكافر استقطب بعد الشعب المصري العرب والمسلمين المحيطين بمصر، بل كان الجميع يفكر بصورة موحدة، فمنذ البداية عبر الليبيون الحدود من شرق ليبيا إلي مصر خاصة قبيلة أولاد علي وواجهوا الفرنسيين في الدلتا خاصة في الفترات الأولي لدخولهم ونشط هؤلاء بقيادة المهدي الدرناوي (نسبة إلي درنة) وتروي صحائف التاريخ ان هذه القوة الشعبية الليبية أبادت الحامية الفرنسية في دمنهور كما قام الدرناوي بهزيمة الفرنسيين في موقعتين تاليتين. وبعد هزيمة المماليك في معركة إمبابة هرب – كما قلنا – مراد باشا القائد المملوكي إلي الصعيد لتنظيم المقاومة الشعبية هناك، وتم إعلان الجهاد في أراضي الحجاز وعبر 600 عربي مسلم من الأراضي الحجازية عبر البحر الأحمر إلي القصير حيث إنضموا للمقاومة الشعبية المسلحة تحت إمرة مراد باشا. كذلك انخرط في الجهاد عرب الهوارة وأهالي النوبة .

ويروي المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي بالتفصيل كيف واجه الفرنسيون وهم يتوغلون عبر النهر والبر في الصعيد كافة أشكال العنت والإرهاق من شدة المقاومة الشعبية وكيف قتلوا الآلاف من المصريين ولكن أيضاً كيف قُتلوا هم أيضاً بالعشرات والمئات، وكيف كانوا محاصرين داخل حصونهم في المدن. وسنجد ان العيد القومي لبعض محافظات الصعيد مرتبط بذكري موقعة عسكرية مع الغزاة الفرنسيس .

وكان لمحافظ الأسكندرية محمد كريم بطولات في مقاومة الإحتلال وكان يحاول القيام بالقيادة سراً، ولكن أمره كان مكشوفاً للفرنسيين، وتم إلقاء القبض عليه وإعدامه.

 في القاهرة أعلن علماء الأزهر الثورة علي الغزاة الكفار وقادوا الثورة بأنفسهم واستمرت الثورة في ذروتها ثلاثة أيام (21 – 23 أكتوبر عام 1798 م) وهو نفس عام وصول الفرنسين. ووصلت جرأة وشجاعة الثوار إلي حد مهاجمة مقر القيادة الفرنسية في الأزبكية، وخلال هذه الثورة وفي الثورة الثانية عام 1800 م قام الثوار بتصنيع مدافع صغيرة في المسابك لإستخدامها في المقاومة وكانوا يصهرون كل مايقع تحت أيديهم من معادن بما في ذلك المكاييل والموازين، ولكن لاشك كانت المدافع الفرنسية أكثر تطوراً وبقوة نيران أكبر وضربوا الأزهر ذاته بالمدافع، واقتحموه بخيولهم وحولوه لاسطبل (راجع التفاصيل في كتاب جلال كشك. ودخلت الخيل الأزهر) وقام الفرنسيس- كما سماهم المصريين بعمليات واسعة من النهب ومصادرة الممتلكات وأعدموا شباب وشيوخ الأزهر.

وكان نابليون الذي زعم أنه جاء لرفع الظلم عن المصريين قد رفع قيمة الضرائب علي الشعب لتعويض إنقطاع الموارد عنه من فرنسا لضرب الإنجليز للأسطول الفرنسي في أبي قير كما سنوضح. وبعد أكثر قليلاً من عام اندلعت ثورة القاهرة الثانية في عام 1800 م واستمرت هذه المرة شهراً كاملاً وقد حذق المصريون أكثر صناعة المدافع، ورد الفرنسيس بدك القاهرة وهي المناطق المعروفة الآن بـ (الأزهر والحسين وباب الشعرية والموسكي وخان الخليلي والدرب الأحمر والدراسة والعتبة والغورية) دكوها بالمدافع، وقاموا بعملية إعدامات واسعة، وفرض غرامات باهظة علي كل من يثبت أنه شارك في الثورة. وكان بعض القادة والرموز قد لجأوا إلي الشام التي كانت تابعة للدولة العثمانية، ومن أبرزهم ابراهيم باشا (غريم مراد باشا) وهما الزعيمان المملوكان اللذان تنازعا علي النفوذ في مصر قبل مجئ نابليون، وعمر مكرم زعيم الأشراف الذي رفض أي تعامل مع الفرنسيس. وكان بعض علماء الأزهر يقومون بدور التفاوض مع نابليون وقادة الجيش الفرنسي في المهمات الكبري، وبعضهم قبل المشاركة علي مضض في المجلس الذي أسسه نابليون لإدارة البلاد. وكانوا في الثورة الأولي قد تفاوضوا مع الفرنسيس لإخراج الخيول من الأزهر لتهدئة خواطر الشعب وهو ما استجابوا له. وفي إطار التعبئة الإسلامية ضد الغزو الفرنسي، ربما جاء الشاب السوري سليمان الحلبي من حلب خصيصاً ليشارك في المقاومة، تحت دعوي أنه جاء للدراسة بالأزهر، وقد قرأت قصته بالتفصيل ولكن لم أتبين هل جاء بمبادرة فردية أو بتخطيط من جهة عثمانية أو سورية، المهم لقد قام بعمل جليل وقتل كليبر في محفل عام بحديقة الأزبكية، وكليبر هو القائد الفرنسي الذي حل محل بونابرت عندما هرب الأخير إلي فرنسا .

والطريف أن سليمان الحلبي تمكن من الهرب بعد قتل كليبر ولكن ألقي القبض عليه وهو مختبئ داخل المدينة. وقد حاول الفرنسيس تمثيل دور حضاري بإقامة محاكمة لسليمان الحلبي، ولكنها كانت محاكمة شكلية وتعرض خلال إعتقاله لتعذيب شديد قبل إعدامه. وقد كان لإغتيال كليبر دور أساسي في إنهيار معنويات الفرنسيس والتعجيل برحيلهم. وجاء من بعده مينو وهو شخصية ضعيفة وتزوج مصرية مسلمة واضطر من أجل ذلك أن يعلن إسلامه (شكلاً) حتي يتم عقد القران، وكان توليه لقيادة الجيش الفرنسي في مصر من علامات النهاية .

هذه ملامح عامة ومختصرة لملحمة جهاد شعب مصر ضد واحدة من أقوي دول العالم في ذلك الزمان .

  دور الإنجليز في إحباط مشروع بونابرت:

كان جهاد الشعب المصري هو الفيصل في دحر العدوان الفرنسي، ولكن ساعد علي سرعة الإنجاز الوضع الدولي والإقليمي الموات.

ماحدث من أحداث مواكبة للغزو الفرنسي لمصر، كان حالة نموذجية للصراع حول المستطيل القرآني / الشرق الأوسط / مركز العالم . وللتذكرة أقول بدأنا بمرحلة :

1-     الصراع المصري – الأشوري – الفارسي – السوري- الحيثي– في عهد مصر القديمة

2-     الصراع الفارسي – اليوناني

3-     الصراع الفارسي – الروماني

4-     الصراع اليوناني (البطالمة) – الروماني (الإمبراطورية الرومانية).

5-     الصراع الإسلامي – الفارسي – الروماني

6-     الصراع الإسلامي – البيزنطي

7-     الصراع الإسلامي – الصليبي الأوروبي الغربي

8-     الصراع الإسلامي – المغولي

9-     الصراع الإسلامي – البرتغالي

10-   الصراع الإسلامي العثماني – الأوروبي والذي بدأ بهذا العدوان الفرنسي علي مصر

11-   الصراع الفرنسي – الإنجليزي.

 وصلنا للمرحلة الحادية عشر وهي الصراع الفرنسي –الإنجليزي علي المستطيل القرآني، الصراع علي وراثته من الخلافة العثمانية الغاربة، وهي مرحلة ستستمر طوال القرن التاسع عشر (م) وحتي بدايات القرن العشرين . حتي الحرب العالمية الأولي حيث ستنتهي في أعقابها 1918/1919 م عملية الوراثة الكاملة للدولة العثمانية من قبل القوتين الأعظم (انجلترا – فرنسا) مع استمرار التنافس بينهما حتي الستينيات من القرن العشرين وحيث تبدأ الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية في عملية إحلال تدريجي لأخذ راية الهيمنة منهما وإحباط عمليات الإستقلال الوطني لدول المستطيل والمنطقة العربية بأسرها.

كانت إنجلترا علي وعي كامل بأهداف الغزو الفرنسي لمصر وبالأخص مسألة قطع طريق انجلترا إلي درة مستعمراتها (الهند) وبالتالي ماكان لها أن تترك نابليون بونابرت يتصرف بحرية، بل تعقب الأسطول الإنجليزي السفن الفرنسية المتجهة لمصر، كان البلدان كفرسي رهان في الثورة البرجوازية الصناعية، وفي السيطرة علي أوروبا والعالم بأسره وبالأخص مركز العالم فكل منهما يدرك أن من يسيطر علي مركز العالم (المستطيل) يضمن السيطرة العالمية .

كان من الواضح أن بريطانيا تسبق فرنسا بخطوات ملحوظة في المجال الصناعي– التكنولوجي وعسكرياً كانت إنجلترا هي الأقوي بحرياً، وهناك مقولة إستراتيجية تقول : (إن الذي يسيطر علي البحار يسيطر علي العالم).

كان الأدميرال لورد هوارتيو نيلسون (1758م - 1805 م) قائد البحرية الإنجليزية يطارد بقوة كبيرة من أسطوله، سفن نابليون بونابرت، ونيلسون قائد له مكانته الكبري في تاريخ انجلترا، وفقد عينه اليمني في إحدي المعارك وفقد يده اليمني في معركة أخري، وهزم الأسبان عام 1797م إلا أن عمله الأكبر كان في قيامه بضرب أسطول نابليون في مصر وإغراقه بالكامل في معركة أبي قير البحرية ولم يكتف بذلك بل واصل حصار سواحل مصر، لمنع الإمدادات من فرنسا ولمنع وصول أي سفن بديلة من فرنسا أو بناء سفن جديدة في مصر، وهكذا قام نيلسون بعمل عجيب إذ حول بونابرت إلي أسير في مصر، وحول قواته إلي أسري داخل مصر. وقد أدي هذا إلي تغيير العديد من خطط بونابرت في مصر إذ بدأ في إنشاء مصانع لتوفير إحتياجات الجيش. ووضع خطط للإعتماد الكامل علي النفس بعد إنقطاعه عن فرنسا، وهي من الأسباب التي عجلت بفرض مزيد من الضرائب علي الشعب المصري. ولكن لم تكن هذه نهاية القصة بعد ..

الفصل السابع والعشرون
نابليون قدم وعدا ً لليهود قبل بلفور بـ 120سنة
العثمانيون يدحرون الفرنسيين بعكا ويردونهم عن الشام
في الخليج : الإنجليز يهزمون فرنسا ويحتلون عمان والإمارات !
العثمانيون زحفوا براً لتحرير مصر من الفرنسيس
الشاب السوري يسدد الضربة القاضية للفرنسيين بإغتيال كليبر

  كما ذكرنا فإن المقاومة الشعبية الباسلة للشعب المصري كانت هي أساس إنحدار الغزو الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت , ولكن كما ذكرنا فإن سرعة هذا الإنحدار ترتبط بالظروف الإقليمية والدولية المواتية وتحدثنا بداية عن الدور الإنجليزي الشديد ضد الحملة الفرنسية علي مصر بصورة تكاد تكون متفردة في التاريخ ولم نجد مثالاً مشابهاً له , حيث يتعقب جيش إستعماري جيشاً إستعمارياً آخر إبان خطواته الأولي لاحتلال دولة ثالثة, فعادة يغلب قانون (الذي سبق أكل النبق) حسب المثل الشعبي المصري, وعلي أساس أن القوي الإستعمارية تتقاسم العالم, وأرض العالم واسعة , وعلي أساس مبدأ (ألا نعض بعضنا بعضاً كمستعمرين) ولكن كل هذه الضوابط والقتالية الإستعمارية لاتنفع مع المستطيل ولا مع درته مصر , فلايوجد إلا مستطيل واحد , ولايوجد إلا مصر واحدة , خاصة في هذه الحالة حيث التركيز الإنجليزي علي شبه جزيرة الهند كأهم المستعمرات . ومصر هي الطريق الأساسي لها إن لم يكن الوحيد إذا تم إستبعاد طريق رأس الرجاء الصالح الذي هو طويل وغير عملي .

بعد أن قمع بونابرت الثورة الشعبية الأولي في القاهرة وتصور أن الأمور استتبت له , ورغم ما رأي من انقطاع صلته بفرنسا بسبب تدمير أسطوله , وحصار الأسطول البريطاني لسواحل مصر , رأي أن يكمل مشروعه في المنطقة ويقيم امبراطوريته الفرنسية ثم يعود ليلتفت إلي مسألة صلته بفرنسا . وبالتالي توجه إلي الشام ليكمل سيطرته علي قلب المستطيل , علي الشام صنو مصر حتي تكون قناة السويس بين ضفتين مستعمرتين من فرنسا ولم يكن قد تبين رأي العلماء الفرنسيين معه بفشل المشروع من وجهة نظرهم كما أوضحنا , ولكن حتي بدون قناة السويس فستظل مصر والشام المعبر الريئسي أو الوحيد بين الشرق والغرب خاصة إذا تم ضمهما معاً , كما أنه سيستعين باليهود الذين أعطي لهم وعداً مكتوباً ( وهو وعد منشورفي كتب التاريخ) سبق وعد بلفور الإنجليزي ب 120 سنة بإقامة دولة يهودية في فلسطين باعتبار أن اليهود هم الورثة الشرعيين لفلسطين , رغم ماذكرنا من عدم إيمان نابليون لابالتوراة ولا بالإنجيل , وإنما هي مصالح دنيوية مشتركة . وعندما سيفشل نابليون (ومن ثم فرنسا ) في تنفيذ هذا المشروع , سيتخلي عنه اليهود خاصة الممول الكبير روتشيلر وسينحازون إلي القوة الأكبر ( انجلترا ) مع استمرار تدعيم اللوبي اليهودي في فرنسا , فاليهود لايراهنون علي فرس واحد , ولكنهم يضعون ثقلهم الأكبر مع القوة الأكبر . وكان نابليون قد طلب من قبل تحركه من فرنسا - من السنهدرين ( المجلس اليهودي الأعلي ) مساندته في مشروع إحتلال الشرق , مقابل إقامة الدولة اليهودية في فلسطين.

كان الإستيلاء علي فلسطين والشام سواء بمساعدة اليهود الذين سيلتحقون فيما بعد بالجيش الفرنسي , أم بالجهود الفرنسية الخالصة يستهدف سد كل المنافذ علي إنجلترا بين الشرق والغرب خاصة في إتجاه الهند , وتأسيس إمبراطورية فرنسا في الشرق . والحقيقة فإن فرنسا سعت للسيطرة علي الهند من قبل واقتناص المحطات التجارية الواقعة علي الطريق بين الهند وأوروبا وشرق آسيا . وبدأت بسلطنة عمان في عهد أسرة البوسعيد التي كان لها دورها البارز في شرق إفريقيا – كما ذكرنا من قبل – في التجارة انطلاقاص من جزيرة زنجبار (  وهي الآن تابعة لدولة تنزانيا ) .  ( التنافس علي الملاحة " 1550- 1860 " باتريشسيا ريسو – التجارة والإيمان – ثقافة المسلمين وتجارتهم في المحيط الهندي – 1990 ) .

فمنذ اشتعال الحروب النابليونية رأي ساسة فرنسا الحاجة إلي إنشاء مراكز إتصال ومواقع لهم علي امتداد الطرق الموصلة إلي الهند , فبعثت أحد الجغرافيين ويدعي بوشان إلي مسقط كقنصل لها إلا أن مهمته الأساسية كانت مراقبة النشاط الإنجليزي هناك , وأرسلت بعثة أخري إلي فارس بعد أن زارت كل من إستانبول ومصر وحلب وبغداد لإستكشاف المناخ المناسب لإقامة وكالات تجارية فرنسية بها .

أما بريطانيا فاكتفت في البداية بمراقبة النشاط الفرنسي , وأرسلت حملة بحرية إلي البحر الأحمر بقيادة بلانكيت كمظهر من مظاهر استعراض القوة عام 1798 م

( وهو نفس عام غزو فرنسا لمصر ) كما اقترحت من خلال ممثل شركة الهند الشرقية بالبصرة ( وهي أداة الإستعمار البريطاني في الهند وما حولها ) اقترحت علي واليها الدخول في اتفاق عسكري للتعاون ضد القرصنة في الخليج في ذات العام أيضاً . ( لاحظ حجة القرصنة  التي لاتزال تستخدم حتي الآن للتدخل الأجنبي كما حدث في الصومال مثلاً )

وأوفدت حكومة بومباي (الخاضعة لبريطانيا ) أحد موظفي ذات الشركة (الشرقية ) ويدعي ( مهدي علي خان ) من أجل التفاوض مع عاهل مسقط  ( سلطان بن أحمد ) لعقد إتفاق بينهما , واستطاع إقناعه بإبرام معاهدة سياسية . لتكون أول معاهدة بين دولة عربية مستقلة وبريطانيا في العصر الحديث نصت علي عدم السماح بإنشاء وكالة فرنسية بمسقط وتوابعها وطرد جميع الرعايا الفرنسيين من أملاك سلطان عمان والسماح بوجود حماية بريطانية لاتزيد علي 700 جندي مع كافة الإمتيازات التي تتمتع بها بريطانيا في أملاك الدولة العثمانية .

جاءت الحملة الفرنسية علي مصر ضمن هذا الإطار التنافسي بين البريطانيين والفرنسيين ولكن تعقب الأسطول البريطاني لأسطول نابليون هو المعركة الوحيدة بل كانت المعركة علي امتداد المستطيل وعلي امتداد الطريق الي الهند ففي عام 1799 ( وهو العام التالي لغزو نابليون لمصر) أسرع الإنجليز إلي احتلال جزيرة بريم عند مدخل البحر الأحمر , كما أرادوا تأكيد ماتعاهدوا عليه مع سلطان بن أحمد فوقعوا معاهدة أخري معه في يناير 1800 م نصت علي تعيين  ( سيد انجليزي ) كوكيل لشركة الهند الشرقية الانجليزية في مسقط فكان الطبيب بوجل هو أول من حمل هذا اللقب باعتباره (مقيماً) مسئولاً عن منطقة الخليج .

واعترض البريطانيون رسالة ودية مرسلة من بونابرت في مصر إلي حاكم عمان , وهدد البريطانيون عمان للبعد عن فرنسا , وهددوا بإغلاق موانئ الهند مثل بومباي أمام العمانيين . ونجح البريطانيون في طرد الفرنسيين من الهند وحولها تماماً ( مرة أخري بفضل التفوق البحري ) في القرن التاسع عشر , وبعد فشل غزو نابليون للشرق اتجه الفرنسيون في منطقة بحر العرب والمحيط الهندي إلي موانئ هامشية مثل موريشيوس

الصراع بين المسلمين يساعد التدخل الأجنبي:

وفي درس مهم عن ان الفتن بين المسلمين بعضهم البعض تشكل مناخاً ملائماً ومواتياً للتدخل الأجنبي , نقول أنه خلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر كانت هناك حالة حرب شبه دائمة بين قبائل القواسم وائمة مسقط ( كانت مسقط وعمان والمغرب هم البلدان العربيان الوحيدان خارج سيطرة الدولة العثمانية في ذلك الوقت ) وكانت الحرب علي أساس الرغبة الدائمة لدي ائمة مسقط في ضم أراضي القواسم التي تقع الآن في أراضي دولة الامارات ( رأس الخيمة والشارقة ودبي وأبوظبي ) وكان النزاع بين حكام مسقط والقواسم للسيطرة علي مجمل الأراضي العمانية . ولكن الطرفين اتفقا لفترة من الزمن علي وقف المواجهة بينهما لمواجهة الخطر المشترك للحركة الوهابية الزاحفة علي كليهما . ولابد دولة مستقلة تحت إمرة محمد علي .من كشف هذه الصفحات المخفية من التاريخ العربي لأنها هي التي ساعدت علي سيطرة الإنجليز علي الخليج , بينما كانت الدولة العثمانية تستعد لدخول غرفة الانعاش . فان كانت عمان ليست تابعة رسمياً لها فان باقي الجزيرة العربية بالعراق كانت تابعة لها ! ولكنها لم تحرك ساكناً وانشغلت في المقام الأول باستعادة مصر من فرنسا وهو مانجحت فيه شكلاً , لأن مصر عملياً ستتحول إلي دولة مستقرة تحت إمرة محمد علي.

المهم قرر سلطان بن احمد إمام عمان مجابهة الضغط الوهابي بالهجوم علي البصرة التي كانت قد وقعت تحت النفوذ الوهابي . ووقف المقيم الانجليزي في البصرة علي الحياد وترك المسلمين يتناحرون مع بعضهم البعض ورفض التدخل , واضطر باشا بغداد ( التابع للدولة العثمانية ) أن يوقع صلحاً مع سلطان بن أحمد , ولكن الأخير قتل عام 1804 م واشتعلت الخلافات الإسلامية بين ائمة عمان والقواسم والوهابية ( 3 أطرف – كما بدأ يحدث الآن في اليمن حيث يتصارع 3 أطراف دون أي تنسيق 1- الحوثيون – 2- بقايا النظام اليمني والسعودية وحزب الإصلاح – 3- القاعدة والدولة الإسلامية )

في البداية ارتفعت أسهم القواسم  ( حيث دولة الامارات الحالية ) وازداد نشاطهم البحري واستولوا علي بندر عباس ( الميثاق الإيراني حالياً !! ) , وشعر القواسم بقوتهم وبدأوا يستولون علي السفن البريطانية عامي 1804 , 1805 م .

وهنا بدأت الخيانة العربية العتيدة ( بالمناسبة حتي لانجلد أنفسنا بأكثر مما نستحق , هذه الخيانات موجودة بين سائر الأمم , وهي تحالف الأخ مع العدو ضد أخيه لتحقيق مصلحة دنيوية ! وهو الذي أصبح معروفاً بالمكيافيلية . نسبة إلي الكاتب السياسي الإيطالي مكيافيللي ) . أقول بدأت الخيانة العربية العتيدة . فاتصل حكام مسقط بالإنجليز في الهند لينسقوا معاً ضد المنافسين التقليديين (وان كانوا عرباً أو مسلمين ! ) فقامت حملة مشتركة بينهما بقيادة ( ستيون ) باتجاه بندر عباس التي استسلمت حاميتها للحملة التي اتجهت بعد ذلك إلي جزيرة ( قشم ) في 15 يونيو 1805 م وحاصرت الأسطول القاسمي بها , وبعد محادثات بين الطرفين فك الحصار , وعقدت هدنة بين القواسم والإنجليز ( لاحظ أن مسقط اختفت في المفاوضات !!) لمدة سبعين يوماً , أعقبها توقيع اتفاقية 1806 م في بندر عباس تتضمن سلاماً ( علي طريقة كامب ديفيد ) بين الشركة البريطانية ( لاحظ الشركة وليس دولة بريطانيا ! وكأنه موضوع تجاري ! ) وبين سلطان بن صقر شيخ القواسم , والتغاضي عن الأضرار التي أصابت الطرفين , مع فرض غرامة مالية علي القواسم اذا خرقوا السلم المعترف به , كما أعطت الإتفاقية إعترافاً باستقلال ( سلطان ) بما منحته لقب ( شيخ المشايخ الأمير ) وياله من استقلال هو في الحقيقة احتلال دائم حتي الآن ( اوائل القرن الواحد والعشرين ) أما سعيد بن سلطان إمام عمان الذي خان العروبة والإسلام وتحالف مع الإنجليز ضد الأشقاء , فقد شعر بالخسران بعد هذا الإتفاق الذي رفع من شأن القواسم حيث ازدادت قوة أسطولهم , في حين كان أمير الوهابيين مسعود بن عبد العزيز مصمماً علي غزو عمان ويجري الاستعدادات لذلك . بينما ظل موقف الدولة العثمانية سلبياً كما كان أيام غزو الوهابيين لجنوب العراق . فعاد إمام مسقط للتعاون مع الإنجليز . الذين لم يكونوا مع زيادة قوة القواسم . فتم تنظيم حملة مشتركة جديدة بين إمام مسقط والإنجليز لضرب القواسم عام 1809 م في رأس الخيمة , وتم ضربها بقوة ودمرت مدينة شيناص , ولم يفلح الوهابيون في تقديم العون للقواسم الذين أصيبوا بخسائر فادحة . وأراد حاكم مسقط الذي خسر كثيراً من قواته في الحملة علي القواسم أن يعوض ذلك بتعقب قوات آل سعود في الصحراء إلا أن القائد العسكري البريطاني الكولونيل سميث نهاه عن ذلك وقال إن التعليمات حددت الهدف من حملته بتدمير موانئ القواسم البحرية فحسب وليس القيام بهجمات برية في الصحراء . وهكذا فإن السياسة الإستعمارية الإنجليزية كانت وستظل إضعاف كل الأطراف وعدم تمكين أي طرف إسلامي لأن يكون قوياً ومسيطراً علي المنطقة , كما أنهم لم يكونوا منذ البداية ضد الحركة الوهابية , وانسحبت القوات البريطانية إلي بومباي وعاد القواسم إلي بناء الموانئ والسيطرة علي جميع موانئ الساحل الشمالي للخليج وعاد آل سعود للتدخل أكثر وأكثر في شئون القواسم !! والتزم القواسم بعدم التعرض للسفن التجارية الإنجليزية , وفرضت حكومة الهند ( الإنجليزية) حظراً علي تصدير الأخشاب اللازمة لصناعة السفن من موانئ الهند إلي موانئ الخليج . ولكن القواسم استمروا في مهاجمة السفن الأوروبية الأخري . وأرسلت بريطانيا من الهند حملة أخري في عام 1816 م لإخضاع القواسم , ولكنهم اشتبكوا مع السفن الإنجليزية في رأس الخيمة وأصابوها بدكة , فانسحب الأسطول البريطاني خائباً .

أرسلت بريطانيا بعثة برئاسة ( سادلير ) لترتيب تحالفات للقضاء النهائي علي قوة القواسم عام 1819 م واتصل بابراهيم باشا ( ابن محمد علي ) القائد المصري الذي كان قد أخمد التمرد الوهابي ووصل إلي القطيف وكانت هناك إمكانية لزحفه إلي رأس الخيمة , حاول سادلير الإنجليزي التعاون مع ابراهيم باشا لضرب القواسم , ولكن ابراهيم شاور والده ( محمد علي ) ورفض الأخير أي تعاون مع الإنجليز , فاعتذر ابراهيم لسادلير بكلمات دبلوماسية ( سنأتي للحديث عن عهد محمد علي ولكن أرجو تذكر هذا الموقف حيث يقول بعض المؤرخين ان محمد علي كان عميلاً لبريطانيا !! أو نفذ مخططاتها علي الأقل )

لذلك في أواخر نفس العام 1819 م أرسل الإنجليز أسطولاً للتوجه إلي رأس الخيمة لتدميرها وأسطولها البحري و تمكن من ذلك بعد مصادمات عنيفة مع القواسم , وعقب الهزيمة جمع الإنجليز في رأس الخيمة شيوخ الشارقة ودبي وأبو ظبي والرمس , وبتعليمات من حكومة الهند ( الإنجليزية) عقد جرانت كير قائد الحملة البحرية اتفاقية فردية مع كل شيخ علي حدة ثم معاهدة عامة وقعها الجميع .

الاتفاقيات الفردية نصت علي تسليم كافة الأدوات العسكرية الخاصة بكل شيخ للإنجليز . علي أن يترك لهم فقط القوارب المدنية الخاصة بالصيد والغوص ثم تعهد بدخول كل شيخ معاهدة السلم العامة .

اهتمام بريطانيا بالمنطقة يرتبط بأنها محطات علي طريق الهند والتجارة عموماً بين الشرق والغرب . ولم تكن الكشوف البترولية قد ظهرت بعد مما سيزيد أهمية هذه المنطقة , بل ستنتهي أهميتها كمحطات تجارية بعد شق قناة السويس , فلم تعد هناك حاجة لإنزال البضائع في موانئ الخليج ونقلها براً لموانئ الشام .

 الخليج العربي  جزء لايتجزأ عن المستطيل القرآني , قبل وبعد الكشوف البترولية , ولكنه أصبح إستراتيجياً للغاية لأنه يتضمن معظم الإحتياطي العالمي( 70% ) والعراق وحده لديه ربع احتياطي العالم ولديه نفط يكفي 526 سنة : 112 مليار برميل . ولذلك ورثت أمريكا بعد ذلك الخليج من بريطانيا كما سنوضح .

وكان إهمال العثمانيين للخليج العربي ( أو الفارسي وفقاً لكتب التاريخ فجمال عبد الناصر أو في عهده تم تسميته الخليج العربي ) وكان إهمال العثمانيين كان ضمن إهمالهم العام للمستطيل فيما عدا المرحلة الأولي التي حاربوا فيها البرتغال وطردوهم .

نعود للمعاهدة العامة التي عقدها الإنجليز 1820 م لأنها هي التي أرخت وقعدت للتبعية الكاملة لدويلات الخليج حتي الآن للغرب : بريطانيا ثم أمريكا .

كانت المعاهدة العامة عبارة عن عهد من قبل جميع الشيوخ بعدم القيام بالنهب والقرصنة في البر والبحر مع اتخاذ كل واحد منهم علماً لونه أبيض يتوسطه مربع أحمر ليكون مميزاً عن غيرهم من الذين لم يوقعوا المعاهدة ( مسألة توحيد الأعلام موجودة في اتفاق سايكس بيكو ولا يعلم كثيرون بذلك وهو ماسنوضحه ان شاء الله)

ونصت المعاهدة علي إخضاع السفن العربية للتفتيش من قبل السفن الإنجليزية ( يحدث في القرن الواحد والعشرين مع سفن ايران وكوريا الشمالية والعراق أيام صدام حسين ولكن بدون معاهدات !! ) ويقيم وكيل عن الشيوخ الموقعين في المقيمية الإنجليزية في الخليج وفي المقابل أيضاً يقيم وكيل عن المقيم الإنجليزي لدي هؤلاء العرب ( لإحكام القيادة والسيطرة ) علي أن يتحمل أصحاب المصلحة راتب هؤلاء الوكلاء , وإذا لم يلتزم أحد من الموقعين بما ورد في المعاهدة فعلي بقية الشيوخ التعاون مع الحكومة البريطانية لمعاقبته , مع حظر توقيع الشيوخ علي أية إرتباطات أو إتفاقيات مع غير الإنجليز .

وحذرت بريطانيا الشيوخ من التعاون مع محمد علي الذي توغلت قواته في الجزيرة العربية والخليج خاصة بعد مراسلات محمد علي مع شيوخ البحرين وعمان , وزادت أي بريطانيا من عدد سفنها في الخليج وكلما كانت تحدث خلافات بين شيوخ الخليج وإماراتهم كان المقيم الإنجليزي هو الحكم بينهم , وكانت كلمته مسموعة من الجميع !

 ( العالم العربي في العصر الحديث – د. عبد العليم علي عبد الوهاب أبو هيكل –أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر – كلية الأداب – جامعة القاهرة )

فشل غزو نابليون للشام:

تركنا الحملة الفرنسية علي مصر والشام لنرصد ماكان يحدث في ذات الوقت علي مسرح أحداث المستطيل وقد كان بالأساس في منطقة الخليج العربي من صراع فرنسي – انجليزي انتهي إلي إنتصار بريطانيا , وما أعقب ذلك من إحكام السيطرة البريطانية علي منطقة الخليج كمحطة رئيسية علي طريق الهند وجنوب شرق آسيا عموماً ( التجارة مع الصين كانت بالغة الأهمية )

ونعود إلي مصر حيث توقفنا في أعقاب ثورة القاهرة الأولي حيث بدأ نابليون بونابرت الشق الثاني من مشروعه , فبعد ما ظن أنه أحكم السيطرة علي مصر بدأ زحفه في إتجاه فلسطين والشام وقاد جيشه بنفسه وسار في الطريق الساحلي المعهود الذي مرت منه كل الغزوات من وإلي مصر, بين مصر والشام .وهو نفس الطريق الذي نستخدمه الآن للسفر إلى العريش وغزة ونجح نابليون في البداية في إجتياح الحاميات العثمانية علي الساحل الفلسطيني حتي وصل إلي يافا وحاصرها ثم إحتلها ولكنه قام بمذبحة كبري للعثمانيين فيها  ( قتل حوالي 4 آلاف)

وتقدم نحو عكا , ولكنه عجز بعد حصاره لها عن اجتياحها , وكانت تحت إمرة أحمد باشا الجزار . وعكا ميناء حصين بطبيعته حتي إننا نقول في المثل الشعبي المصري ( يعني انت فتحت عكا يا أخي! ) وكانت مذبحة يافا وكثرة الجثث التي لم تدفن فوراً قد أدت إلي إنتشار الطاعون في صفوف الجنود الفرنسيين . (مرة أخري أقدار الله تظهر واضحة عندما يخلص المسلمون في الجهاد )

ورأي نابليون أن طالعه في هذه الغزوة للشرق ليس حسناً , والظروف السيئة تتوالى عليه , خاصة بعد إنقطاعه عن فرنسا بتدمير أسطوله , فأخذ ماتبقي من قواته وعاد إلي مصر , وبعدها قرر السفر سراً إلي فرنسا بعيداً عن عيون الأسطول البريطاني الذي كان يحاصر سواحل مصر وكانت فرنسا تشهد تطورات سياسية مثيرة . ويبدو أنه عاد في الوقت المناسب حيث تولي السلطة هناك , وخاض بعد ذلك أكبر معاركه وانتصاراته في أوروبا . ولكن ظل الأسطول البريطاني ضارباً لحصاره علي سواحل مصر حتي النهاية .

دور الدولة العثمانية:

لم يكن الوضع الإقليمي والدولي الموات لثورة وجهاد شعب مصر ينحصر في موقف انجلترا بل أيضاً في موقف الدولة العثمانية التي كانت قد استشاطت غضباً من فرنسا التي غزت مصر وهي ولاية تابعة لها . ورغم تراجع القوة العثمانية إلا انها كانت لاتزال تمتلك من العافية مايكفي للنضال من أجل تحرير مصر والشام من الإحتلال الفرنسي . ورأينا أن الدولة العثمانية أوقفت زحف الجيش الفرنسي في فلسطين عند عكا وردته علي أعقابه , ولكن دور الدولة العثمانية لم يقتصر علي ذلك . وكان موقفها تأكيداً لما ذكرناه من أن العثمانيين ينتفضون من أجل مصر والمستطيل عندما يتعرضا للتهديد , ويخرجون عن حالة الإهمال التي يعاملون بها هذا المركز الإسلامي الأساسي ( وان كانوا لم يهتموا بالخليج العربي كما رأينا أو لم يكن بإمكانهم أن يدافعوا عن مصر والشام والخليج دفعة واحدة وقد بدأ الضعف ينتابهم ) . وعندما سنأتي لمرحلة الإحتلال البريطاني لمصر عام 1882 م سنجد فارقاً كبيراً حيث ستكون الدولة العثمانية أكثر ضعفاً بكثير , بحيث وقفت عاجزة مستسلمة ومصر تضيع منها .

أما في أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19 فكانت لاتزال بالحد الأدني من عافيتها . بمجرد وصول نابليون إلي مصر قام الباب العالي بإعتقال السفير الفرنسي وجميع رعايا فرنسا . ولكن التحالف مع انجلترا كان هو الأكثر أهمية لأن أسطولها كما رأينا ظل يحاصر سواحل مصر حتي خرج الفرنسيون منها . وتعددت محاولات الدولة العثمانية إرسال قوات إلي مصر لتحريرها من الفرنسيين , فتم إنزال قوة عسكرية من البحر في منطقة أبي قير , وجرت معركة كبري مع الفرنسيين عرفت باسم معركة أبي قير البرية , ولكن الفرنسيين انتصروا في هذه الموقعة وعندما هرب نابليون من مصر وتولي كليبر القيادة الفرنسية كان الأخير يدرك حرج موقفه , وبدأ في مفاوضات مباشرة مع العثمانيين في العريش , وتم التوصل إلي اتفاق يسمح بانسحاب القوات الفرنسية من مصر , ولكن بريطانيا عرقلت تنفيذ الإتفاق لأنها كانت تريد التوصل إلي إتفاق أكثر إذلالاً للفرنسيين !! ولكن العثمانيين لم يكتفوا بالتفاوض , بل قاموا ومعهم المملوكي ابراهيم باشا ببعض قواته بالتقدم براً من العريش في إتجاه القاهرة , وتصدي كليبر لطلائع الهجوم العثماني وامتدت المعركة من المطرية حتي الصالحية , وهزم القوة العثمانية ولكن القوات الفرنسية أصبحت منهكة بصورة أكبر خاصة بعد معارك الصعيد والشام . كما تمكنت عناصر عثمانية ومملوكية مسلحة من التسلل إلي القاهرة وساهمت في اشتعال الثورة الشعبية الثانية عام 1800م والتي أشرنا إليها والتي استمرت شهراً كاملاً . ثم كان اغتيال كليبر الضربة القاضية النهائية , فدخل الفرنسيون في تفاوض جديد مع العثمانيين مع مشاركة غير مباشرة للإنجليز وتم التوصل إلي إتفاق أكثر إذلالاً لفرنسا حيث أقروا الإنسحاب من مصر . مع تعهد بعدم العودة مرة أخري !! وكان ذلك في عام 1801 م

 الفصل الثامن والعشرون
نص بيان نابليون الذي أعلن فيه إسلامه

قالوا نابليون جاء بالمطبعة والصين اخترعتها في القرن 11

كلمة في اللغة الفرنسية من أصل عربي2000

قوانين نابليون منقولة من فقه مالك السائد بالأندلس

 

في إطارنا التحليلي عن الغزو الفرنسي لمصر المعروف بالحملة الفرنسية  ( 1798م – 1801 م ) تبقي لنا نقطة واحدة جوهرية ومهمة وهي مرتبطة بحالة الهوس التي ماتزال موجودة حتي الآن بين بعض نخبتنا عن الجوانب الإيجابية للحملة الفرنسية ! والتي ماتزال مستمرة بمناسبة أكذوبة " العولمة " .

وقفة أمام حكاية التنوير الفرنسي

من المهم أن نقف أمام التخرصات التي يقولها البعض حول الدور التنويري للحملة الفرنسية لبعض نخبتنا ,ومن ذلك الفيلم السينمائي الذي أخرجه يوسف شاهين بعنوان   (وداعاً بونابرت ) , وأهمية ذلك أننا لانزال نتعرض لموجات من الغزو الغربي من الطبعة الأمريكية حيث يردد البعض أن أمريكا تحمل إلينا ( الديمقراطية)  وحقوق الإنسان والتكنولوجيا , كما حمل لنا بونابرت المطبعة والعلماء والكيمياء والتنوير!

الواقع أن الدول الإستعمارية تنشئ أجهزة خاصة لدراسة المستعمرات بهدف دراسة كيفية السيطرة عليها , وإكتشاف الثروات التي يتعين سلبها ونهبها , وان هذه الدراسات تبدأ عادة قبل وصول القوات المسلحة للاحتلال , حتي تأتي هذه القوات علي نور !

وفي فرنسا علي سبيل المثال تم إنشاء فرع للبحث العلمي بعنوان  ( سوسيولوجيا الاسلام ) أو علم اجتماع الإسلام , قبل احتلال الدول الاسلامية , وقام بذلك فرع داخل الجيش الفرنسي وهو ما سمي مكتب ضباط المكاتب الأهلية ( بيرو آراب ) بالتعاون مع الهواة المدنيين والأكاديميين الفرنسيين , أي كل العمل تحت إشراف الجيش الفرنسي . وكثيراً ماصدعنا بعض المثقفين بأهمية موسوعة (وصف مصر) التي أنتجها العلماء الفرنسيون المصاحبون للجيش الفرنسي الغازي . ولم يكن الهدف منها إلا – كما ذكرنا –

1-     معرفة وسائل السيطرة علي المجتمع المصري

2-     اكتشاف الثروات التي يريدون نهبها . وقد سمعنا ورأينا كتباً لمن يسمون الرحالة الغربيين الذين يزورون بلادنا ويكتبون عنها وماهؤلاء إلا جواسيس لجمع المعلومات قبل وصول الجيوش الغازية . وهكذا قام لورانس الانجليزي بدور الرحالة وعالم الآثار قبل أن يقوم بدور الجاسوس المباشر فيما عرف بالثورة العربية .

أما بالنسبة لفرنسا فقد أرسلت قبل إنتاج وصف مصر خلال الحملة الفرنسية في مصر , أرسلت رحلة إستكشافية حيث قام من يسمي قسطنطين فرانسوا فولني شاسبوف برحلة إلي مصر وسوريا وألف كتاباً بهذا الإسم عام 1787 م أي قبل الغزو بإحدي عشر عاماً وكان دراسة تمهيدية لكتاب وصف مصر . ولعب هذا الرحالة دوراً خفياً في التخطيط لحملة نابليون . بل قام نابليون بتوزيع نسخ من كتاب رحلات فولني للإداريين والعلماء المدنيين المشاركين في الحملة معه . ولم يكن كتاب وصف مصر إلا أول عمل للخريطة الجغرافية والجيولوجية والعلمية للمجال الذي تريد الامبريالية الفرنسية العمل به {فرنسا وسوسيولوجيا الاسلام 1798 م -  1962 م – أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا – إدموندبورك }  .

وهذا كان هو منهج فرنسا في كل البلاد التي تستهدف استعمارها , وصاحبت الرحلات الإستكشافية إلي اليونان وحدات من الجنود الفرنسيين 1829 م , وإلي الجزائر عام 1839 م في إطار بحوث لإكتشاف العالم المتوسطي  ( نسبة إلي البحر المتوسط ) وكما حدث في مصر فقد تم إصدار مؤلف ضخم عن الإكتشاف العلمي في الجزائر  (37 جزءاً ) ! عام 1844م

وتم إصدار أربعة أجزاء من وثائق من أجل دراسة الشمال العربي الإفريقي عام 1892 م – وصدرت المحفوظات المغربية في 33 جزء عام 1904 م وهو عام السيطرة علي المغرب الأقصي (مراكش ) . وصدرت العديد من المنشورات الكولونيالية الفرنسية والمجلات والكتب المتخصصة في شئون المستعمرات وتخصصت العديد من المؤسسات التعليمية الشهيرة في هذا العمل الإستعماري مثل الكوليج دي فرانس . وتأسست مراكز بحثية فرنسية خاصة في القاهرة ودمشق والرباط وداكار . وكذلك فعلت بريطانيا وهولندا في مجال مستعمراتهما .

أما الدرس الذي يجب أن نتعلم منه في بلادنا . فكيف كانت  سلطات الدولة الفرنسية تستفيد وتستغل النخبة المثقفة المستقلة في بلادها . وكانت فرنسا تشهد حركة سميت بالاشتراكية المثالية أو الخيالية , وهي حركة سان سيمون , وهي تؤمن بتحقيق الاشتراكية أي العدالة الإجتماعية بدون عنف وثورات الماركسية . وكانت تحاول تأسيس مجتمعات مثالية  ( المدينة الفاضلة ) في جزر أو أماكن منعزلة بدون أي تنازع مع السلطات .

وقد قامت السلطات الفرنسية باستيعاب هذه الحركة بدلاً من قمعها واستعانت بها في عمل دراسات عن المستعمرات , كما ساهمت في وضع مشروع شق قناة السويس . كذلك عندما تراجعت الثورة الفرنسية عن مسألة العداء للكنيسة , أخذت تستفيد منها في التوسع الاستعماري خاصة في افريقيا من خلال عمليات التبشير لنشر المسيحية في مواجهة التوسع في نشر الدين الاسلامي فبدلاً من قمع التيارات الدينية المسيحية في فرنسا علي ضوء مبادئ الثورة الفرنسية المعادية للكنيسة رأت السلطات الفرنسية – بعد حين – أن توظف الكنيسة ورجال الدين والتيار الديني المسيحي في عمل تبشيري كقوة إستطلاعية تسبق الجيوش , ثم قوة مصاحبة بعد الاحتلال لنشر المسيحية الكاثوليكية في المستعمرات الفرنسية خاصة في افريقيا حيث لاتزال كثير من القبائل علي الوثنية , وربما يكونان " فريسة " سهلة – من وجهة نظرهم – للدين الاسلامي , وهذا صحيح فإن الاسلام ينتشر بسهولة ويسر في افريقيا بقدر توفر الدعاة أو حتي مجرد تجار مسلمين أتقياء . وأذكر أنني كتبت حول هذا المعني في التسعينيات من القرن الماضي بجريدة الشعب . وكانت سلسلة من المقالات حول ضرورة الانتشار وزيادة التأثير في القارة الافريقية , وكان هذا قبل كارثة سد النهضة بفترة طويلة . ولكن فكرة بناء سدود علي النيل الأزرق بأثيوبيا فكرة قديمة منذ الستينيات من القرن الماضي ( العشرين ) في عهد عبد الناصر , وكانت هناك خطة منشورة حول بناء قرابة 24 سد بتمويل من البنك الدولي للتحكم في كمية المياه المتجهة لمصر كوسيلة للتهديد , بالاضافة للضغط علي مصر لتمرير بعض مياه النيل الي اسرائيل وسنأتي ذلك بالتفصيل . ولم يكن مقصدي الاقتصار علي مسألة نهر النيل رغم أهميتها , ولكن لأن عمق مصالحنا عموماً مرتبط بهذه القارة السمراء التي نحن جزء منها بل هي فعلاً عمقنا الاستراتيجي . وقلت للسلطات المصرية بدلاً من معاداة التيار الاسلامي لماذا لايستفاد منه في توسيع النفوذ المصري في أفريقيا السلطات فيما يمكن أن يجمعها مع التيار الاسلامي . وأذكر أن أحد ممثلي الأجهزة السيادية  ( ربما المخابرات العامة ) قد اتصل بي وقدم التحية لهذا الموقف , وأذكر أنه قال لي لقد حفظت كل ماكتبته في هذه السلسلة من المقالات ويمكن أن أعيده عليك ! ولكن من  المؤسف ان ماطالبت به في هذه المقالات وما كتبته من خطة تفصيلية لم يجد أي استجابة عملية كما أثبتت كارثة سد النهضة . وقدد كررت مضمون هذا الموقف باختصار في اللقاء الشهير للرئيس السابق مرسي بمناسبة مشروع سد النهضة , ولكن باسم يوسف شوه كل ماقلته من خلال القص واللزق في برنامجه الساخر , ونسب لي مالم أقله اصلاً . وربما اصل الي هذه القضية في هذه الدراسة اذا سمح الوقت وسمحت الظروف بالوصول الي العام الحالي ( هذه الدراسة مكتوبة خلال شهور 2012 و2013 والنصف الأول من عام 2014 )

نعود الي الدراسات الأكاديمية الفرنسية حول المستعمرات المستهدفة والفعلية لفرنسا في بلاد المغرب العربي : تونس – الجزائر – المغرب:

اهتمت الدراسات الفرنسية بصورة خاصة بمسألة القبائل أو البربر بهدف البحث عن الأساليب الناجعة في دق الأسافين بين البربر والعرب , وباعتبار ذلك من أهم مداخل ( فرق تسد ) في هذه البلدان , لأن هذه الشعوب كلها مسلمة علي المذهب السني , بل والمذهب المالكي تحديداً , ولاتوجد أقليات دينية أو مذهبية أخري , اللهم إلا بعض الأباضية في الجزائر وهي نسبة غير مؤثرة .

والمهم أن فرنسا والغرب لايزالان رغم إنهاء الإحتلال العسكري في هذه البلدان الثلاثة يستخدمون قضية البربر أو الأمازيغية , والحقيقة أن الأمازيغية هي لغة البربر , ولكن لأنهم يكرهون هذا التعبير أصبح يطلق عليهم الأمازيغ ونحن سنلتزم بهذا من الآن وصاعداً ولكن كان لابد من التوضيح لأن كتب التاريخ لاتتحدث إلا عن البربر وهي مسألة أصبحت عرقية لأن الجميع دخل الإسلام منذ زمن وبنسبة 100% . كذلك هناك اهتمام خاص في الدراسات الفرنسية حول الصوفية , أيضاً من منطلق (اعرف عدوك ) وقد تراجعت الدراسات الفرنسية عن الاهتمام بالاسلام بعد عام 1871 م بعد إخماد آخر ثورة كبري مسلحة في بداية غزو الجزائر , وهي حركة قادها عبد القادر الجزائري (1830 -1871 م ) ولكن كان هذا التراجع مؤقتاً , فبعد الصحوة الإسلامية المعاصرة منذ السبعينيات من القرن العشرين وفرنسا وبلدان الغرب مشغولون بتأسيس مراكز بحث حول الإسلام والمسلمين أيضاً بدأت الأغراض القديمة ( اعرف عدوك – الأساليب المناسبة للفرقة ..الخ – الثروات التي يتعين نهبها ) . وكان قد حدث تراجع آخر عن الاهتمام بالمجتمعات الإسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية,  وتحولت الأبحاث السوسيولوجية الفرنسية إلي المستوي الوطني فبدأ تأسيس معهد فرنسي في دمشق لدراسة أوضاع سوريا - وآخر علي مستوي مصر لدراسة الأوضاع المصرية .. وهكذا وهي بحوث تستهدف في النهاية التوصل إلي أفضل وسائل السيطرة .

والحقيقة فإن الدراسات " الاسلامية " الفرنسية توصلت لنتائج مهمة عديدة في الإطار الإستراتيجي . فقد تنبأت بصورة مبكرة – وقبل ظهور تنظيم القاعدة بفترة طويلة – باحتمال نشوء حركات إسلامية مجاهدة عابرة للحدود! كذلك اهتمت الدراسات الفرنسية عن المجتمعات الإسلامية بالتسلسل الزمني للسلالات الحاكمة والتوصل إلي رسوم دقيقة لشجرة الأنساب في كل بلد. وكذلك القوانين الدقيقة للملكية خاصة الملكية العراقية باعتبارها خزينة اجتماعية أساسية وقد كان كبار المستشرقين الفرنسيين من أهم معاوني المشروع الإستعماري الفرنسي .ومن أشهرهم جاك بيرك الذي ترجم معاني القرآن الكريم للفرنسية ولكنه لم يكن أميناً في هذه الترجمة كما برهن أكاديميون مصريون متخصصون في اللغة الفرنسية والحضارة الفرنسية .

ومع ذلك ينسب لجاك بيرك قول يجمع بين تقدير القرآن والحقد علي المسلمين وجاء فيه (الحمد لله أن المسلمين لم يعرفوا دينهم حق المعرفة وإلا لسادوا الدنيا بالعلم والعمل والمعرفة والقيم الانسانية ) !

والقي فيكتور هوجو الأديب الفرنسي الشهير محاضرة أعلن فيها تأييده لمساهمة الكنيسة في التوسع الاستعماري الفرنسي .

نعود إلي مصر وحملة نابليون , والتي كانت تستهدف إقامة إمبراطورية فرنسية في الشرق حتي أطلقوا علي القوات المصاحبة لنابليون اسم ( جيش الشرق ) .

احتلال مصر كان فكرة تلح علي الفرنسيين منذ العصور الوسطي ( أي قبل الثورة الفرنسية ) أي منذ الحملات الصليبية حيث حاول الفرنسيون غزو مصر مرتين خلال الحملة الصليبية الخامسة ثم الحملة الصليبية السابعة وقد أشرنا لذلك أيام الأيوبيين حيث تم اسر ملك فرنسا لويس التاسع في الأخيرة .

نحن اذاً لسنا أمام أفكار طارئة لنابليون بل هو لم يكن حاكماً لفرنسا بعد حين جاء الي مصر . نحن أمام إعداد مؤسس استراتيجي عبر السنين والقرون! أي من القرن 13 حتي اواخر القرن18 . كان القنصل الفرنسي أشبه بالجاسوس أو هكذا هي مهمة العمل الدبلوماسي الغربي عادة , وفي 9 فبراير 1798 م رفع تقريراً الي وزارة الخارجية الفرنسية يشرح تدهور الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية في مصر ويري أن اللحظة مناسبة تماماً للغزو والاحتلال والاستيلاء علي مصر . وتلا هذا التقرير , تقرير أكثر شمولاً من تاليران وزير الخارجية الفرنسي للحكومة الفرنسية يشرح فيه العلاقات التاريخية والقديمة بين مصر وفرنسا, ويضع خطة متكاملة للغزو , وتقرير تاليران هذا هو الذي نصح بضرورة إبداء الجيش الفرنسي الغازي أقصي الإحترام لتقاليد الشعب المصري وعاداته ومعتقداته , ونصح بإظهار التبجيل والاحترام الواجب بشكل خاص للعلماء ( علماء الدين ) نظراً لاحترام الشعب الكبير لهم .

مع الأسف بعض حكام المسلمين لايفهمون ذلك وأيضاً بعض العلماء لايفهمون قيمة أنفسهم . ولكن الأيام برهنت علي صدق تقديرات تاليران ولكن رغم كل مافعله نابليون فإنه لم يستطع خداع المصريين.

في 12 ابريل 1798 م ( نفس عام الغزو ) صدر قرار حكومي بتجهيز جيش الشرق لغزو مصر وجاء في القرار ان الهدف هو عقاب المماليك الذين اساءوا معاملة الفرنسيين في مصر واعتدوا علي ارواحهم وممتلكاتهم . وان الهدف من الحملة يتضمن أيضاً البحث عن طريق تجاري آخر لآسيا بعد سيطرة الانجليز علي رأس الرجاء الصالح ( باحتلال جنوب افريقيا ) والتضييق علي السفن التجارية الفرنسية . وان الهدف الثالث هو القضاء علي النفوذ الانجليزي تماماً في البحر الأحمر وعموم الشرق , وان الهدف الرابع هو (ماذكرناه ) تنفيذ مشروع شق قناة بين البحرين الأحمر والمتوسط .

لقد أشرت لكل هذه الأهداف من قبل من باب التحليل , وقبل أن أطلع علي نص هذا القرار الحكومي الفرنسي الذي صدر في ابريل 1798 م . ولكنني أعيده في سياق آخر , لأن كثرة الحديث عن حملة نابليون وما حمله معه من علماء ومطبعة يوحي الي القارئ غير الملم وكأننا أمام حملة كشافة !! أوبعثة علمية ! لاتستهدف الغزو والاحتلال !

في 19 مايو 1798 م خرج أسطول مهيب من ميناء تولوز الفرنسي يضم 300 سفينة تحمل 35 ألف جندي ومقاتل بمعداتهم الثقيلة +55 سفينة للحراسة , وكان مع هذه الجحافل نفر قليل من العلماء لبحث وسائل السيطرة علي مصر وحسن استغلال ثرواتها وليس للنهضة بشعب مصر كي يلحق بالحضارة . وهذا التلاقح العنيف بين الأمم أو الحضارات لابد أن يؤدي لفهم أسباب تقدم الغزاة , ويمكن أن يؤدي إلي نقل الفكر التكنولوجي وليس التكنولوجيا نفسها لأن الأمم الأكثر تقدماً لاتعطي أسرار تقدمها للدول الأقل تقدماً . بل هو يحمل معه الحد الأدني الذي يحتاجه لعملية الاستغلال الاقتصادي للأمة المغلوبة , بالإضافة لما يحمله من أدوات الحرب لإخضاع الأمة المغلوبة دون أن يعلمها كيف تصنع السلاح المتطور ! كما سنري كيف أدخل الانجليز خطوط السكك الحديدية في مصر والهند . ومن الممكن لشخص أبله أن يفرح بذلك علي أساس أن الإنجليز علمونا شيئاً متقدماً , والحقيقة فقد كانوا يريدون السكة الحديد لـ 3 أسباب : 1- السيطرة الأمنية السريعة حتي يمكن نقل القوات سريعاً لإخماد أي تمرد . 2- نقل البضائع المصرية المطلوب تصديرها لبريطانيا من الموانئ كالقطن مثلاً

3-     نقل البضائع من الأسكندرية للسويس ثم للهند وآسيا , قبل شق قناة السويس . وبالإضافة لكل ذلك فهو لا يعلمك كيف تصنع قطارات ومركبات السكة الحديد إنما يصدرها لك وأنت مجرد مستهلك .

وفي المقابل يمكن للمبعوثين ( كما فعل محمد علي بعد ذلك ) أن يذهبوا لأوروبا التي تقدمت علينا علمياً وتكنولوجياً ويتعلموا هناك مافاتنا وينقلوا هذا العلم بدون احتلال . وهذا مافعله اليابان والصين مثلاً.

كان مع نابليون حفنة من العلماء أسس بهم لجنة العلوم والفنون لتحقيق أغراض الحملة العسكرية ثم أسس بهم المعهد أو المجمع العلمي المصري (الذي احترق في ثورة يناير المجيدة والذي صدر عنه موسوعة وصف مصر (24 مجلد ) . وهذا من ضرورات استغلال ثروات مصر . ولم يكن لأغراض علمية أو بحثية مجردة والا كان يمكن أن يتم ذلك بدون ارسال اساطيل . وأنا لا أنكر أن الغرب قد سبقنا وأنه لابد من التعلم منه في الأمور المادية والإدارية, ولكن هناك الف وسيلة ووسيلة دون الإحتلال . لأن الاحتلال يحولنا إلي عبيد , والعبيد لايمكن أن ينهضوا ولايسعي السيد لأن ينهضوا .

حكاية المطبعة !

كثيراً مايصيبني الاستفزاز ويأخذ مني مبلغه عندما يردد بعض المثقفين , ( وقد حمل نابليون معه المطبعة ) , هل كان لابد أن ننحني أمام نابليون لأنه حمل معه مطبعة .

نحن أمام حالة من الجهل المركب , واستعذاب العبودية للغرب , والبحث عن أسباب وهمية للانبهار والتبعية البلهاء ! لماذا جهل مركب ؟ أي أن له أبعاداً مركبة . فنابليون جاء في الأيام الأخيرة للقرن الثامن عشر أي يمكن أن نقول في القرن التاسع عشر لأن الحملة ارتدت علي أعقابها في 1801 م . والمثقف سمي كذلك لأنه يدري علي الأقل بالحد الأدني من المعلومات . من الحقائق المسلم بها أن الصينيين اخترعوا الطباعة في القرن الحادي عشر الميلادي ! أي قبل فرنسا بـ 8 قرون , والأغلب ان هذه التكنولوجيا وصلت لأوروبا عبر طريق الحرير الشهير ! وقد انتقلت هذه التكنولوجيا إلي كوريا . لايدري كثيرون ممن ينبهر بالقفزة الكورية الحالية ان لها جذوراً تاريخية قديمة . فقد عرف الكوريون الطباعة بالأحرف المعدنية المنفصلة عام 1234 م  أي قبل ظهور مطبعة جوتنبرج إلي النور عام 1455 م . ومن ضمن تبعيتنا العقلية والفكرية نردد بمنتهي الجهل ان جوتنبرج هو مخترع المطبعة . وقد انتقلت اللغة والكتابة الصينية إلي كوريا في نهاية القرن الرابع الميلادي مع انتقال الديانة الجديدة (البوذية ) ومن هنا يعتقد أن الكوريين تعلموا فن الطباعة من الصينيين ولكن كوريا سبقت الصين في الطباعة بالقوالب الخشبية حيث بدأت في طباعة الكتب البوذية في 607 م ثم استخدموا الحروف المعدنية المنفصلة في القرن الثالث عشر . ولماذا أقول كوريا ؟ فربما هذه معلومة مخفية في بطون الكتب . ليس الأمر كذلك فاليونسكو وهي منظمة الثقافة التابعة للأمم المتحدة التي لانتذكرها إلا أيام الإنتخابات , قد قررت جائزة باسم ( جيكجي ) وهذا اسم أقدم كتاب مطبوع بالأحرف المعدنية المنفصلة عام 1377 م أي قبل ظهور أول كتاب لجوتنبرج بحوالي 87 عاماً , وهو محفوظ بالمناسبة في ( المكتبة الوطنية الفرنسية ) أي في فرنسا !! وهو كتاب ديني . وجائزة ( جيكجي ) قيمتها 30 ألف دولار ( لمن يريد الإستفادة !! ) تقدم مرة كل عامين في مجال توثيق التراث ومنحت 5 مرات حتي الآن . والباحثون لايستبعدون أن تكون هذه التقنية وصلت عبر طريق الحرير الي القسطنطينية ثم اوروبا الغربية .

سيقول احدهم ولكننا كنا في غفلة ولانتصل بالصين أو كوريا ونابليون هو الذي حملها لنا .

 مرة اخري المطبعة ليست سراً استراتيجياً ويمكن ارسال بعثة لأوروبا لبحث امكانية نقلها أو تصنيعها ولاداعي لكي نضحي باستقلالنا الوطني لكي نكحل أعيننا بمطبعة نابليون . وقد فعل محمد علي ذلك ( مطبعة بولاق ) ولكن دعونا نتفحص مطبعة نابليون ! ربما كانت هي المطبعة الوحيدة في  باريس بحروف عربية , وقد حملها معه ليس من أجل التنوير ولكن كعدة " للنصب " أي لإصدار بيانات خادعة باللغة العربية .

كنت قد تحدثت لكم عن ادعاء نابليون بأنه اسلم , ويمكن أن تقرأوا نص البيان الأول الذي أصدره فور وصوله لمصر من خلال هذه المطبعة وكان مرافقوا نابليون قد روجوا في مصر أن اسمه ( الجنرال علي ) !

النص :-

بسم الله الرحمن الرحيم

لا إله إلاالله وحده لاشريك له في ملكه

أيها المشايخ والأئمة :

قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون , واثبات ذلك أنهم حين دخلوا روما خربوا كرسي البابا الذي كان يحث النصاري علي محاربة الإسلام , وطردوا من جزيرة مالطة فرسان القديس يوحنا الذين يزعمون أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين .

الفرنساوية في كل وقت من الأوقات محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني أطال الله ملكه وإجلال سلطانه واجلال العسكر الفرنساوية .لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية .

3يوليو 1798 م

نحن لسنا أعداء لأي أمة أو شعب أو قومية إلا أن يعتدي علينا . والذين يخالفوننا في العقيدة لانتعالي عليهم ولا نقبل ان يستعبدونا , ويمكن أن يكون بيننا العهد والاحترام المتبادل (لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) .

ومن دواعي العزة أن يعرف مثقفونا أن الفين (2000) كلمة في اللغة الفرنسية من أصل عربي . ومن دواعي العزة أن نذكر الفرنسيين بأننا نحترم قائدهم الراحل شارل ديجول الذي اتخذ معنا مواقف رجولية ونزيهة . ومن دواعي العزة أن يعرف المسلمون أن قوانين نابليون التي نقلناها هي اصلاً ( في العديد منها ) منقولة من الفقه المالكي الذي كان سائداً في الأندلس, خاصة القانون المدني ! .

البحث

تواصل معنا

يمكنكم إرسال مقترحاتكم وآرائكم بالضغط على الرابط التالى
Responsive image

جميع الحقوق محفوظة 2018

تم تطوير الموقع بواسطة
The Seven Layers