Responsive image

17
أكتوبر

الأربعاء

26º

17
أكتوبر

الأربعاء

وهم الإكتفاء الذاتي للغاز المصري

بقلم: ممدوح الولي
منذ 250 يوم
عدد القراءات: 1026
وهم الإكتفاء الذاتي للغاز المصري

بشرت وسائل إعلام مصرية بقرب تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، بعد بدء الإنتاج المبكر من حقل ظُهر الكبير خلال الشهر الماضي، مستندا الى تصريح وزير البترول بوقف استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال في يونيو/حزيران من العام الحالي، مع ارتفاع إنتاج حقل ظُهر إلى مليار قدم مكعب يوميا.

إلا أن هذا الادعاء به مغالطة كبيرة، إذ يقارن الوزير بين الإنتاج المحلى والاستهلاك الذي سيتجه إلى التقارب بنهاية العام الحالي، ويعتبر أن زيادة الإنتاج عن الاستهلاك بعد ذلك، يعنى تحقيق فائض، لكنه تناسى عاملا مهما وهو أن الإنتاج المحلى الذي تقوم به شركات أجنبية، لا تملك مصر منه سوى حوالي 45 % تمثل حصتها بالإنتاج، والباقي ملك الشركات الأجنبية.

ومن هنا تقوم مصر منذ سنوات بشراء حصة الشركات الأجنبية، نظرا لعدم كفاية حصتها للاستهلاك المحلى، وعندما زاد الاستهلاك في عام 2015 عن الإنتاج المحلى شاملا نصيب كل من الشركات الأجنبية ومصر، فقد لجأت إلى الاستيراد للغاز، من خلال شراء شحنات غاز مسال من الأسواق الدولية، إلى جانب كمية أخرى تستوردها من الأردن.

ومع بدء إنتاج مصر خلال العام الماضي من بعض الحقول الجديدة فقد زاد الإنتاج المحلى، إذ تشترى نصيب الأجانب به، والذي يتوقع أن يعادل حجم الاستهلاك المحلى بنهاية العام الحالي، ومن هنا فكل ما سيحدث وقتذاك هو استبدال مصر الشراء لباقي احتياجاتها من الغاز، بدلا من الشراء من الخارج بالشراء من الداخل.

توفير 45 % من نفقات الاستيراد
وهكذا تستمر مصر في شراء أكثر من نصف استهلاكها من الغاز الطبيعي من الشركات الأجنبية العاملة في مصر، ومن المغالطة أن يقول وزير البترول أن مصر ستوفر 250 مليون دولار شهريا قيمة الاستيراد الشهري من الغاز، عندما يتوقف الشراء من الخارج، لأن مصر ستشترى حوالي نصف تلك الكمية من الداخل.

وكل ما ستوفره هو فرق تكلفة نقل شحنات الغاز المسال التي كانت تستوردها، وتكلفة مركب التغيير التي كانت تعيد تحويل الغاز من حالته السائلة إلى الحالة الغازية لضخه في أنابيب الشبكة القومية المحلية.

كما يمكنها الاستفادة من فرق السعر في حالة ارتفاع أسعار الغاز دوليا، مع شرائها للغاز بحد أقصى 5.88دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية - وهو مقياس لحساب كميات الغاز الطبيعي – حسب اتفاقاتها على سعر الشراء من الشركات الأجنبية.

أما عن حقل ظهر الذي اكتشفته شركة إينى الايطالية في أغسطس/آب 2015، فقد بدأ إنتاجه المبكر خلال الشهر الماضي بنحو 200 مليون قدم مكعب يوميا زادت حاليا إلى حوالي 400 مليون قدم مكعب يومي، ويتوقع زيادتها إلى مليار قدم مكعب يومي بمنتصف العام الحالي، كما يتوقع بلوغه الحد الأقصى للإنتاج بنحو 2.7 مليار قدم مكعب يومي بنهاية العام القادم.

39 % حصة مصر بحقل ظُهر
وحتى لا يتوه القارئ مع الضجة الإعلامية الصاخبة حول إنتاج حقل ظهر، فإنه حتى مع رقم بلوغ إنتاجه الحد الأقصى فإن هذا الإنتاج يكاد يعادل نسبة 60 % من الاستهلاك اليومي من الغاز الطبيعي لمحطات الكهرباء حاليا، والتي تزيد عن 4 مليارات قدم مكعب يومي، بخلاف 26 ألف طن من المازوت يوميا وثلاثة آلاف طن سولار يوميا.

ومن المهم أن نعرف أن حصة مصر من إنتاج حقل ظُهر 39 % فقط، فعندما يتحدث مسؤولو حكومة الانقلاب عن تحقيق إنتاج ظُهر لوفر للخزانة المصرية، فيجب حصر الوفر بنسبة 39 % فقط من الإنتاج وليس كامل الإنتاج، إذ يتم شراء النسبة الباقية من الشريك الأجنبي.

وكان شريف اسماعيل رئيس الوزراء الحالي قد صرح بعد اكتشاف حقل ظُهر، لوكالة رويتر أواخر عام 2015 عندما كان وزيرا للبترول وقتها، بأنه إذا كانت الاحتياطيات بحقل ظُهر تصل إلى 30 تريليون قدم مكعب، فإن الكميات التي يمكن استخراجها منه تصل إلى 22 تريليون قدم مكعب فقط، وبهذا المعدل يتوقع بلوغ عمر الحقل حوالي 22 عاما.

وكان وزير البترول المصري قد عرض بيانات رقمية بحفل افتتاح حقل ظُهر، جاء بها إن إنتاج مصر من الغاز سيصل في يونيو القادم إلى 5.52مليار قدم مكعب يومي، بينما يصل الاستهلاك المحلى 5 مليارات و785 مليون قدم مكعب، بعجز 265 مليون قدم مكعب، لكنه بنهاية العام يمكن تقارب الإنتاج مع الاستهلاك ليتم تحقيق فائض بمنتصف العام القادم بين الإنتاج والاستهلاك بنحو 365 مليون قدم مكعب.

توقع العودة للإستيراد بعد عامين
وكما ذكرنا فإن نصيب مصر من ذلك الإنتاج حوالي 45 % فقط، أي حوالي 3 مليارات قدم مكعب من إجمالي إنتاج 6.75 مليار قدم في منتصف العام القادم، بينما سيكون الاستهلاك المحلى وقتها 6 مليارات و385 مليون قدم مكعب، أي أنه سيتم شراء حوالي 3.3 مليار قدم مكعب غاز من الشريك الأجنبي داخل البلاد.

وهكذا أكد رئيس غرفة صناعة البترول باتحاد الصناعات المصرية بمؤتمر بترولي عقد بإحدى المؤسسات الصحفية الشهر الماضي، إذ قال إن الاكتفاء الذاتي يمكن أن يتحقق عندما يصل الإنتاج المحلى 13 مليار قدم، بحيث يكون نصفه كافيا للوفاء بحجم الاستهلاك المحلى من الغاز الطبيعي.

وهذا الأمر يحتاج برأيه إلى ثلاثة اكتشافات ضخمة بحجم حقل ظٌهر، بينما يشير الواقع إلى أن الحقول التي يتم تطويرها حاليا وأشهرها حقول شمال الإسكندرية ستضيف في مرحلتها الثانية ما بين 500 الى 700 مليون قدم مكعب فقط، وحقل أتول شمال دمياط يمكن أن يضيف 500 مليون قدم مكعب.

ولهذا يرى بعض الخبراء أن مصر عائدة إلى الاستيراد للغاز الطبيعي مرة أخرى بنهاية عام 2019 أو بعام 2020، لعدم كفاية ما ستنتجه الشركات الأجنبية بالداخل للاحتياجات المحلية.

ويبررون ذلك بزيادة استهلاك محطات الكهرباء من الغاز الطبيعي، سواء بسبب دخول محطات شركة سيمنس للخدمة بكامل طاقتها في مايو/أيار القادم، أو باستبدال المازوت الذي تستخدمه وهو الأكثر تكلفة بالغاز الطبيعي الأقل تكلفة.

نصف مليار قدم تناقص للآبار
أيضا زيادة احتياجات قطاع الصناعة من الغاز الطبيعي وخاصة الصناعات كثيفة استخدام الطاقة كالسيراميك والأسمدة وصناعة البتروكيماويات، إلى جانب التوسع في توصيل الغاز الطبيعي للمنازل والتوسع في استخدامه بالسيارات وكذلك الاستخدامات التجارية والفنادق وفى شركات تكرير البترول كوقود أقل ضررا للبيئة.

عامل آخر مهم وهو التناقص الطبيعي للآبار كما زاد عمرها، والذي كان يدور حول نسبة 25 % من الإنتاج قبل ربط الإنتاج بعض الحقول الجديدة بخطوط توزيع الغاز، إذ كان المعدل السنوي حوالي 1.2 مليار قدم مكعب حتى عام 2015، ورغم مساهمة الحقول الجديدة في تقليل معدل التناقص، إلا أنه ما زال يدور حول 40 مليون قدم مكعب شهريا، أي حوالي نصف مليار قدم مكعب سنويا.

وهكذا ما زال أمل تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي مؤجلا لسنوات، وهو ما يعنى تأجيل العودة إلى تصدير الغاز الطبيعي الذي توقف منذ عام 2015، ورغم الاتجاه لوقف استيراد الغاز المسال بمنتصف العام الحالي، مع زيادة إنتاج حقل ظهر وحقول شمال الإسكندرية وحقل آتول، فلم يتحدث أحد من مسؤولي الحكومة عن وقف استيراد الغاز من الأردن عبر خط الأنابيب الواصل بينها وبين مصر.

كما أن هناك اتفاقية مع قبرص لاستيراد 700 مليون قدم مكعب منها عام 2019-2020، كما تم إقرار قانون لأنشطة الغاز سمح للقطاع الخاص باستيراده مباشرة، وبالفعل جرت مباحثات للقطاع الخاص المصري لاستيراد الغاز من اسرائيل وقبرص.

إلا أن السلطات المصرية تشترط لقبول الغاز الإسرائيلي تنازل إسرائيل أولا عن غرامة قضية التحكيم التي كسبتها ضد مصر بسبب توقف مصر عن تصدير الغاز لها عام 2012.